ثقافة وفنمختارات

بذور نظرية الفوضى.. هكذا خطط الفُرس لوقف دولة الإسلام

 

لم يكد أبو بكر الصديق يستقرُّ في منصبه الجديد كخليفة أول للرسول، حتى بُوغت بِامتحان قيادي عسير بعدما تمرّدت عليه غالبية أجزاء دولته ورفعت بحقِّه رايات العصيان والخروج على الطاعة، وهي تحركات كان يتعيّن عليه القضاء عليها سريعًا وإلا انتهت دولة الإسلام في مهدها.

اشتهرت حركات التمردات وما تبعها من محاولات إسلامية للسيطرة عليها بـ”حروب الردة”، وعلى عكس ما هو شائع فإن هذه الحركات لم تكتفِ بمجرد خلع رداء التبعية للمدينة، عاصمة الدولة الإسلامية الفتيّة، وإنما تجرأ أناس من المرتدين وحاولوا احتلال المدينة والقضاء نهائيًّا على الدولة الإسلامية، ما يؤكد أنها لم تكن مجرد انتفاضات لمجموعة قبائل رفضت دفع الزكاة لأبي بكر، وإنما شملت ما هو أكثر.

وبالطبع لا يُمكن نفي هذا السبب (رفض دفع الزكاة) كأحد محفزات رفع رايات الرفض لحُكم أبي بكر، كأحد أشكال التملص من تبعية الدولة الإسلامية المركزية بدفع الجباية السنوية، ولكن الاستقراء الجيد لأسطر كُتب التاريخ يؤكد أن اشتعال هذه الجيوب كلها معًا في وقتٍ واحد لم يكن صُدفة، وإنما وقف وراء كل هذه الأجواء الملتهبة عدو فارسي عملاق تماست حدوده مع دولة الرسول الآخذة في القوة.. هذا العدو هو الإمبراطورية الفارسية التي أسَّسها أردشير بن بابك بن ساسان عام 226م، واتخذ الزرادشيتة دينًا رسميًّا واللغة البهلوية الفارسية لغةً للدولة، وأسمى مملكته بـ”الدولة الساسانية” تيمنًا بِاسم جدِّه، وخلال الأعوام التالية نمت دوحة هذه الدولة لمدة 4 قرون تقاسمت فيها حُكم العالم مع الإمبراطورية الرومانية حتى فُتحت على أيدي المسلمين عام 652م.

لم تتوقف الدولة الفارسية عن المتابعة الحذرة لدولة الإسلام، وسعت لئلا تسمح لها بأن تقوى أكثر من ذلك، حتى لا تتعملق فتزاحمه النفوذ في المنطقة، وتثير عليه من المتاعب ما لم يفعلها أعداؤه التاريخيون الروم (البيزنطيون).

علاقة متوترة

انتهز الفرس أول بارقة أمل لاحت أمامهم بعدما اشتمّوا نذير فوضى مرتقبة عقب وفاة الرسول، دون ترك آلية واضحة لتحديد خليفته، وهو الإجراء الذي سيفتح الباب واسعًا للطموحات القَبلية بالظهور مجددًا بعد وقتٍ قليل من وأدها ضمن المشروع الوحدوي العابر للعصبيات الذي تبنّته دولة الرسول، ومات دون أن يُفسح له العُمر بأن يغرسه كما ينبغي في أعماق عقول وقلوب قومه.

نشأت العلاقات المتوترة بين الدولتين منذ اللحظات الأولى لظهور دولة الإسلام في العلن، بعدما استغلَّ النبي حالة الهدوء التي وفّرها له صُلح الحديبية (6 هـ) وكان القائد الفارسي كسرى خسرو، المُلقّب بأبرويز الثاني، من أوائل الملوك الذين راسلهم ودعاهم للإسلام.

استقبل كسرى الرسالة المحمدية كما ينبغي لحاكم دولة عُظمى يعتقد في نفسه أنه امتداد للإله، فمزّقها واستهزأ بصاحبها حتى إنه لم يُكلِّف نفسه عناء إرسال بعثة عسكرية للقبض عليه، وإنما أمر باذان، عامله في اليمن، وكانت ولاية فارسية حينها، بإرسال بعض الجنود يقبضون على النبي ويسوقونه إليه أسيرًا، وهو ما لم يحدث بسبب وفاة أبرويز الثاني، وهي الوفاة التي سُتشيع حالة من الوهن على البنيان الفارسي بسبب التصارع على خلافته، وستُمكّن الرسول من استكمال بناء لبنات دولته دون منغصات تُذكر.

زحف المسلمين على بلاد فارس

تجلّت حالة الوهن الساسانية في توغّل دولة الرسول داخل قطاعات طالما كانت إقطاعات فارسية مثل أقاليم البحرين وعمان في شرق الجزيرة العربية، وهو ما غرس[i] أولى مقدمات الصدام بين قوة الإسلام الوشيكة وبين قوة الدولة الفارسية الساسانية ذات التاريخ الإمبراطوري والعسكري العريق، في حين كان اليمن هو الغنيمة الكبرى والضربة الكبرى للساسانيين بعدما نحى تجاه المعية الإسلامية دون قتال، إذ خلع قائده باذان العباءة الفارسية ورفع راية الرسول بعدما عرض عليه النبي أن ينضم إلى دولته على أن يُبقيه عاملاً على اليمن.

شهدت[ii] هذه المناطق أولى المناوشات الحدودية بين الدولتين، ولكن لم يُكتب لهذه الأعمال القتالية التعمُّق بسبب وفاة النبي، ما دفع المسلمين إلى الانكفاء على مشكلاتهم الداخلية مؤقتًا، أملاً في الخروج من هذا الامتحان الصعب بأقل خسائر، وفي المقابل اعتبرتها فارس فرصة ذهبية لتمزيق المارد الإسلامي وهو في مهده قبل أن يكبر ويبتلع المنطقة بأسرها.

الخطر الأكبر على الحدود

مثّلت[i] الإمبراطورية الساسانية الخطر الأكبر على الدولة الإسلامية بعد وفاة النبي، بعدما طرقت كل أبواب تدمير الدولة الإسلامية، فدعّموا كل متنبئ خارج عن الدين أو مرتد خارج عن الحُكم.

وفي سبيل تحقيق الأحلام الساسانية اتّبعت فارس خطة ثلاثية الأركان أشعلت بها نطاق الردّة على أبو بكر على أكبر مساحة ممكنة من الأرض، ووضعت فيها كل أعداء دولة الإسلام القابلين للاستنفار في سلة واحدة، أملاً في تشكيل “جبهة ردة” عريضة تقضي على دولة العرب وتُعيد أهلها للدوران في الفلك الساساني مُجددًا.

كانت البداية مع تشجيع كل القبائل التي تمتّعت بعلاقات قوية مع الدولة الساسانية على أن تنضم لهذه الحركات المتمردة، لذا لم يكن من الغريب أن تكون قبيلة “بني تميم” من أوائل من رفعوا رايات التحدي، وهي التي اشتهرت بتبعيتها التاريخية لفارس بسبب وقوعها على خطوط التجارة القديمة من المدائن إلى الحيرة.

وكان زعيم تميم، مالك بن نويرة، أول من طرح فكرة الامتناع عن دفع الزكاة، واشتُهر عنه أنه كان من كبار الشعراء العرب في البلاط الساساني، وتمسّك بالإمساك عن دفع الزكاة حتى قتله خالد بن الوليد في معارك الردة، كما استغلت فارس نفوذها التاريخي في منطقة الخليج لتثير متاعب جمة ضد الولاة المسلمين عليه، وكان [ii] السبب الرئيس لحالة المقاومة التي أبداها بعض أهالي الخليج لدولة الإسلام، هو تحريض الفرس لهم على الثورة ضد حُكم المدينة.

الفرس وحركة الردة

لعب[i] الفرس دورًا رئيسًا في تشجيع قبائل البحرين على الانفصال عن أبي بكر، ولم يكتفوا بذلك وإنما قاموا بتنظيم صفوفهم وعيّنوا عليهم قائدًا، هو المنذر بن النعمان، المُسمَّى بالغرور، وفور وفاة النبي قَدِمَ[ii] رؤساء قبيلة بكر بن وائل على ملك الفرس وأخبروه بنبأ وفاة الرسول وأن من تولّى خلفه “ضعيف البدن، ضعيف الرأي” (يقصدون أبا بكر) واتفق الطرفان على أن يُرسل عليهم ملك الفرس عاملاً يُعيد هذه المنطقة إلى نفوذه مُجددًا.

عيّن ملك كسرى المنذر بن النعمان بن المنذر واليًا على البحرين، المرتدة عن دولة الإسلام، وأمدّه بـ7 آلاف فارس، حاصروا ما تبقى من المسلمين في البحرين، وهم جيش قبيلة عبد القيس وأحلافهم، فاضطروا إلى اللجوء إلى حصن “جؤاثى”، الذي فرضت عليه القوات الفارسية حصارًا، ما دفع المسلمين إلى إرسال استغاثة إلى أبي بكر.

لم يتأخر رد أبي بكر كثيرًا، فأعان[iii] مسلمي البحرين بقوة إسلامية قادها العلاء بن الحضرمي، الذي قضى على جيوش المرتدين حتى غادروا المنطقة وهربوا إلى جزيرة دارين، وهي إحدى جُزر الخليج التي تواجه البحرين.

دخل العلاء “دارين” ليلاً، وقتل مَن فيها من المرتدين ومن حلفائهم الفرس عن آخرهم، ويبدو أن بني بكر ومن ورائهم الفرس كانوا قد أعدُّوا حشدًا كبيرًا لمقاومة هذه المعركة، وهو ما تكشفه[iv] كثرة الأموال التي ساقها المسلمون بعد المعركة: “بلغت من كثرتها حدًّا جعل نَفل (غنيمة) الفارس 6 آلاف، والراجل ألفين”.

مدّعو النبوة

بعد ذلك، أتى الدور على البُعد الديني في المسألة، فلم تعجز العقلية الفارسية عن اللعب على ذات الوتر الذي ارتكزت عليه الدولة الإسلامية وهو “النبوة والرسالة”، فخرجت من عباءتها معظم حركات ادعاء النبوة التي حاولت سلب الرسالة الإسلامية تفرُّدها الدعوي ومزاحمتها في هذه الناحية.

البداية كانت مع الأسْود العنسي الذي ذاع صيته في اليمن وقويت شوكته به، ليس فقط بسبب أتباعه الذين لم يزد عددهم على 700 فرد، وإنما بسبب دعم طائفة الأبناء، الفرس، له، وكان عددهم يتجاوز 6 آلاف حينها ولم يفارقوا المجوسية إلى الإسلام.

هذه الطبقة هي ثمار[i] تزاوج الجنود الفرس باليمانيات، وظلوا أقوى طبقة في اليمن حتى بعد الحُكم الإسلامي، لذا أمّن دعمهم للأسْود انتصارًا مطلقًا على ولاة الرسول الذين طردهم من اليمن، وعلى رأسهم الصحابي الشهير معاذ بن جبل.

وكما لعب الفرس دورًا في ارتداد اليمن، لعبوا دورًا أكبر في أعنف حركة ارتداد قتالية واجهها أبو بكر، وكانت على يدي امرأة تُدعى سجاح بنت الحارث (وهي سيدة من بني تميم).

ادّعت[ii] سجاح النبوة، وخرجت من العراق، الذي كان خاضعًا بنحوٍ مُطلق للسيطرة الفارسية، بعدما أمدّها[iii] الفرس بجيشٍ قوامه 40 ألف رجل لتحارب المسلمين وتهدم دولتهم الوليدة.

ليس هذا فحسب، وإنما اكتشف المسلمون المزيد من حجم الدور الفارسي في دعم حركة سجاح، فبعدما تمكن القائد المسلم المثني بن حارثة الشيباني من تحقيق انتصارات سريعة بحقِّ المرتدين في الجزيرة، سعى لملاحقتهم بقواته داخل حدود العراق.

هنا تدخلت الجيوش الفارسية وتكالبت عليه لتوفّر حماية لقوات المرتدين المتراجعة وتحميهم من الفناء التام، ما دفع المثني للاستغاثة بأبي بكر الذي أمدّه بقائده العسكري الفذ خالد بن الوليد، وكان تعاونهما معًا بداية لضمِّ العراق إلى الدولة الإسلامية.

الأقلية السندية

كان آخر معول استخدمته فارس في خطتها لهدم دولة الإسلام الأولى هو الأقلية السندية التي تمركزت في الجزيرة، ووضعتها ضمن مخططاتها المتمردة مُستندة إلى النفوذ الفارسي العارم في إقليم السند، وبإيعازٍ منها شارك السنديون في حركات التمرد.

استعان الفرس بالجالية السندية التي كانت تعيش في بلاد العرب كالزط والأساورة والميد والسياجبة، وكانوا يعيشون في الأجزاء الشرقية والجنوبية من شبه الجزيرة العربية، وكثر عددهم في البحرين وهجر وصحار والقطيف، وشاركوا المرتدين في تلك النواحي عمليات قتال المسلمين أيام أبي بكر.

أسهمت[i] بلاد السند بكل قوة في حروب الردة، كما شارك قادتها في معارك الفرس الكبرى ضد المسلمين، بداية من محاولة التصدي لفتوحات خالد بن الوليد في العراق وانتهاءً بمعركة القادسية 14هـ/635م.

ولهذا اهتمَّ أبو بكر كثيرًا بالقضاء على هذا الجيب السندي، خلال أمره لخالد بن الوليد بتعقب المرتدين في أرض السواد، فكتب إليه قائلاً: “سر إلى العراق حتى تدخلها، وابدأ بفرج الهند (مدينة الأبلة قُرب البصرة)”.

في النهاية، لم يُكتب لهذه الخطة الفارسية المعقدة النجاح بفضل استبسال المسلمين في الدفاع عن دولتهم الوليدة، وتحديدًا لعب القائد العسكري خالد بن الوليد دورًا كبيرًا في وأد هذه الفتن شرقًا وغربًا، بل نتج عن هذه المساعي الفارسية عكس ما أراد واضعوها بعدما أزال النجاح العربي الرهبة العربية التاريخية تجاه العملاق الساساني الذي طالما تهيّبته القبائل.

وطمع أبو بكر في غزو بلاد الفرس ذاتها ليأمن شرهم وألا يُثيروا عليه المتاعب مجددًا، فتجرأت الجيوش العربية على الحدود الساسانية للمرة الأولى، وكان هذا مقدمة لفتح العراق واقتطاعه من التبعية الفارسية للأبد.

المصادر :

[1]  عبد الله أبو عزة، كتاب “الإسلام: رسالته، حضارته، مستقبله”، دار العلم للملايين.

[2]  صلاح الخالدي، كتاب ” سعد بن أبي وقاص السباق للإسلام المبشر بالجنة والقائد المجاهد”، دار القلم في دمشق”.

[3]  محمود شاكر، كتاب “الخلفاء الراشدون”، المكتب الإسلامي.

[4]  سليمان إبراهيم العسكري، كتاب “التجارة والملاحة في الخليج العربي في العصر العباسي”، مؤسسة الشراع العربي.

[5]  محمود شاكر، كتاب “موسوعة تاريخ الخليج العربي”، دار أسامة للنشر والتوزيع.

[6]  حسن سعيد سيد مرزوق، كتاب “حركة الردة في البحرين”، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

[7]  صالح حمدان، كتاب “شعر حروب الدرة: بين التاريخ والفن”، دار البيروني للنشر والتوزيع.

[8]  محمد حسين هيكل، كتاب “الصديق أبو بكر”، مؤسسة هنداوي.

[9]  محمد طقوش، كتاب “تاريخ الخلفاء الراشدين”، دار النفائس.

[10]  عبد الشافي عبد اللطيف، كتاب “السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي”، دار السلام للنشر والتوزيع.

[11]  عبد الشافي عبد اللطيف، كتاب “تاريخ الإسلام”، دار السلام للنشر والتوزيع.

[12]  حمد الجاسر، كتاب “الموسوعة الجغرافية للعالم الإسلامي”، دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر.

 

 

أحمد متاريك

باحث وصحفي مصري متخصص في التاريخ وعلوم اللغة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى