بُستان "خمارويه"

حديقة حيوان مصر الملوكيّة

في عام 1867م أنشأ “الخديوي إسماعيل” قصر الجيزة في موضع قصر قديم اشتراه من ورثة عمه “سعيد باشا”، وأنشأ حوله حدائق بلغت مساحتها 500 فدان، تفنن في تزيينها بما لم يُعهَد له نظير في مصر، فأنشأ فيها البِرك، والجبلايات، والجسور، وملأها بأقفاص الطيور، والحيوانات التي شكلّت نواة حديقة الحيوان بالجيزة، والتي افتُتِحت للجمهور عام 1891م في عهد ابنه “توفيق”.

ألف عام كانت قد مضت منذ سبق “إسماعيل” حاكمٌ طموح شغوف بمظاهر الحضارة إلى إنشاء حديقة حيوان، شاسعة زاخرة بالأصناف الحيوانيّة، والنباتيّة المجلوبة، حديقة ملوكيّة لنزهة الحاكم، وأسرته وحاشيته، كما نشأت حديقة “إسماعيل”، لكنّ اختلاف قوانين الزمن ربط عمرها بعمر منشئها، فسرعان ما زالت آثارها بزوال حكمه وحكم أولاده.

بدأت الظاهرة الملوكيّة في مصر الإسلاميّة باستقلال “أحمد بن طولون” الفعلي عن الخلافة العباسيّة عام 254هـ 868م، وحين وجد العاصمة (الفسطاط والعسكر)، تضيق بحاشيته، وجنده، وطموحاته، أنشأ في عام 256هـ مدينةً ثالثةً إلى الشمال منهما عُرفت بـ(القطائع)، وبنى فيها جامعه الشهير الذي اكتمل عام 265هـ، والذي لم يبقَ من آثاره وآثار أسرته سواه، وبنى فيها قصرًا كبيرًا وجعل له ميدانًا واسعًا، فسُميّ القصر كله الميدان.

جامع أحمد بن طولون (263- 265هـ) الأثر الوحيد الباقي من عهد الدولة الطولونيّة
"خمارويه بن أحمد بن طولون" ومعالم رفاهيّة المُلك

بوفاة “ابن طولون” عام 270هـ 884م، آلت الدولة الواعدة إلى ابنه “خمارويه”، الذي نشأ في عز مُلك أبيه، فتضاعفت طموحاته الملوكيّة إلى استيفاء مظاهر الرفاهيّة الحضاريّة، وبلوغ ما لم يبلغه أمير قبله، فوسّع قصر أبيه، أمّا الميدان فجعله كله بُستانًا.

زرع “خمارويه” في بُستانه أصناف الشجر الطوال، والقصار، والرياحين، والزعفران، وجعل فيه رياحين على هيئات نقوش، وكتابات “يتعاهدها البُستاني بالمقراض، حتى لا تزيد ورقة على ورقة” بتعبير “المقريزي”، وزرع فيه النيلوفر الأحمر، والأزرق، والأصفر، والجنوي، وملأ بُستانه بالأنواع النباتيّة المجلوبة من أقطار الأرض، وطَعّم الأشجار المثمرة بعضها ببعض، فيحكي “المقريزي”: “وطعّموا له شجر المشمش باللوز، وأشباه ذلك من كل ما يُستظرف ويُستحسن”(1).

ومن الطفرات الحداثيّة التي بلغها مهندسو “خمارويه” وبُستانيُّوه في الزينة النباتيّة، أنّهم كسوا جذوع النخل نحاسًا مُذهّبًا، ومدّوا بينه وبين النخل مزاريب من الرصاص يجري فيها الماء، فيخرج من أسفل النخل وينحدر إلى فساقي، وفوارات تُجريه إلى سائر البُستان.

المرحلة الثانيّة من تزيين البُستان، تمثلّت في تزويده بأصناف الطيور المُغردة، والحيوانات لتسليّة الأمير، وأهل بيته وحاشيته، فبنوا فيه بُرجًا من خشب الساج المنقوش وزخرفوه، وبلّطوا أرضه، وأجروا تحته أنهارًا صغيرة يُرفع إليها الماء بواسطة سواقٍ تدور على الآبار، ثم سرّحوا فيه أصناف الطيور المُغردة كالقَماري، والدباسي، والنونيات، وجعلوا لها في حيطان البرج أوكارًا تُفرخ فيها، وثبّتوا في جوانب البرج أعوادًا تقف عليها الطيور فتتجاوب بالتغريد، أمّا الطيور الكبيرة التي لا تطير كالطواويس، ودجاج الحبش، فقد سُرّحت في البُستان بأعدادٍ كبيرة.

ثم توسع “خمارويه” في اجتلاب الحيوانات الضخمة، والمفترسات، فبنى دارًا للأسود، وأخرى للنمور، وثالثةً للفهود، ورابعةً للفيَلة، وخامسةً للزرافات.

ويُفصّل لنا “المقريزي” صفة دار الأسود فيذكر لنا أنّه جعلها بيوتًا، كل بيت يسع أسدًا وأنثاه، وبهذه البيوت أبواب تُفتح من أعلاها بحركات، ولكل بيت منها طاق صغير يدخل منه العامل المُكلف بخدمته يفرشه بالزبل، وفي جانب كل بيت حوض من رخام بميزاب نحاسي يُصب فيه الماء، وأمام هذه البيوت قاعة فسيحة مفروشة بالرمل، وفيها حوض ماء كبير.

فإذا أراد السائس تنظيف أحد البيوت، أو وضع حصة اللحم فيها لغذاء الأسد رفع الباب من أعلاه، وصاح بالأسد فخرج إلى القاعة، فيغلق الباب ثم ينزل إلى البيت من الطاق، فيكنسه، وينظفه، ويفرشه برمل جديد نظيف، ويضع اللحم في مكانه المعدّ له ويقطعه، ويغسل الحوض ويملؤه، ثم يخرج ويرفع الباب من أعلاه، فيدخل الأسد فيأكل ويشرب.

“فكانت هذه مملوءة بالسباع، ولهم أوقات يُفتح فيها سائر بيوت السباع فتخرج إلى القاعة وتتمشى فيها، وتمرح وتلعب ويهارش بعضها بعضًا، فتقيم يومًا كاملًا إلى العشيّ، فيصيح بها السُوّاس، فيدخل كل سبع إلى بيته لا يتخطاه إلى غيره”(2).

صورة بركة الفيل
"زُريق" صديق "خمارويه" ونديم سهراته

“زُريق” أسد أزرق العينين، أنِسَ بـ”خمارويه”، وأنِسَ “خمارويه” به، فأطلقه في قصره، وصار يُجالسه، ويؤاكله، وينادمه، ويحرسه عند نومه “فإذا نُصبَت مائدة “خمارويه” أقبل “زُريق” معها، وربض بين يديه، فرمى إليه بيده الدجاجة بعد الدجاجة، والفضلة الصالحة من الجدي، ونحو ذاك مما على المائدة، فيتفكه به”.

فإذا نام “خمارويه” جاء “زُريق” ليحرسه، فإنّ كان قد نام على سرير ربض بين يدي السرير، وجعل يراعيه ما دام نائمًا، وإنّ كان إنما نام على الأرض بقي قريبًا منه، وتفطّن لمن يدخل ويقصد “خمارويه”، لا يغفل عن ذلك لحظةً واحدةً.

وكان على ذلك دهرَه، قد ألِفَ ذلك ودُرِب عليه، وكان في عنقه طوق من ذهب، فلا يقدر أحد أنّ يدنو من “خمارويه” ما دام نائمًا لمراعاة “زُريق” له وحراسته إياه، حتى إذا شاء الله إنفاذ قضائه في “خمارويه”، كان بدمشق و”زُريق” غائب عنه بمصر؛ ليُعلم أنّه لا يُغني حذر من قدر(3).

والطريف أنّ أنثى “زُريق” لم تُستأنس كما استؤنس، فكانت محبوسة في بيتها، ويجتمع بها في أوقات معينة لذلك.

ولم تكن عناية “خمارويه” باقتناء الأسود وما أشبهها من المفترسات بعيدةً عن هواية الصيد، فقد كان شغوفًا بالصيد يخرج بسببه إلى الصحراء، ويرتاد أماكن لم يكن أبوه يخرج إليها، ومعه جنود يلبسون سُترًا واقيّةً، فإذا صادفوا حيوانًا مفترسًا اجتمعوا عليه وأدخلوه القفص، فإذا رجع “خمارويه” من الصيد سار يستعرض القفص أمامه، وفيه الحيوان الذي جرى اصطياده.

وفضلًا عن الحيوانات الوحشيّة التي جمعها “خمارويه” للزينة والنُزهة، فقد كان له عناية خاصة بإسطبلات الدواب، فكان له إسطبلات منفردة للخيل والإبل والبغال، سوى إسطبلاته التي كانت في قرى الجيزة، ناهيا، وأوسيم، وصفط، وطهرمس، والتي لم تكن تزرع إلا البرسيم، وقفًا على غذاء دواب الأمير.

كان بُستان “خمارويه” مظهرًا واحدًا من مظاهر الرفاهيّة الملوكيّة، التي أسس لها هذا الحاكم في مصر، ولم تكن مواكبه، وقصوره، ومجالس أُنسه أدنى شأنًا ولا أقل أخبارًا، وقد خلّد التاريخ قصة الجهاز الأسطوري الذي جهز به ابنته “قطر الندى” حين زفها إلى الخليفة “المعتضد” العباسي عام 282هـ؛ إذ بنى لها قصرًا مجهزًا في كل منزلة من منازل الطريق من مصر إلى بغداد، فكأنها في سفرها لم تخرج من قصر أبيها، قبل أنّ يُقتل “خمارويه” في العام نفسه في دمشق.

دينار ضُرب في مصر زمن "خمارويه" عام 272هـ

وكان من مظاهر رفاهيته التي لم يُعرف لها نظير عند الملوك قبله ولا بعده بركة الزئبق التي صنعها ليداوي بها أرقه، فملأها زئبقًا وثبّت في أركانها حلقات فضيّة يُشد إليها أحزمة حريريّة تربط فراشه الجلدي العائم أعلى البِركة، فإذا تمدد عليه اهتز الفراش بحركة الزئبق، وكان يُرى لهذه البِركة منظر عجيب في الليالي المقمرة، حين يعانق نور القمر لون الزئبق.

لكن أولاد “خمارويه” لم يكونوا بهمّته ولا همة أبيه، فثارت بينهم الفتن، واضطربت أحوال الدولة، فلم يطل عمرها بعد “خمارويه” أكثر من 10 سنوات؛ إذ بعث الخليفة العباسي “المكتفي بن المعتضد” قائده “محمد بن سليمان الكاتب” فدخل عاصمة الطولونيين أول ربيع الأول عام 292هـ 905م، فألقى النار في القطائع، ونهب جنود الفسطاط، فزالت الدولة الطولونيّة ودُمرت منشآتها الملوكيّة، ولم يبقَ من آثارها إلا جامعها الأبي على الزمن، أما سائر مدينة القطائع فقد خُربت، وهُدمت قصورها، وبيعت أنقاضها، ورغم ذلك فقد ظلّ الناس مدة يحفرون شقوق البِركة فيجدون فيها الزئبق ويستخرجونه.

أما بُستان “خمارويه” وحديقة حيوانه الرائدة فلم يبقَ من ذكراها إلا اسم في جغرافيّة القاهرة، يُخبر الناس بقصتها إذا سألوا (بِركة الفيل) بحي السيدة زينب، وأصل تسميتها أنّها كانت بِركة تُغمر بالمياه في موسم الفيضان، تمتد بين شوارع “عبدالمجيد اللبان” و”نور الظلام” و”الحبانية” و”درب الجماميز”(4)، قبل أنّ تُردم بِرك القاهرة زمن “الخديوي إسماعيل”، وعلى حافتها الشرقيّة كانت “دار الفيَلة” التي أنشأها “خمارويه”، فكان الناس يقصدونها للنزهة ومشاهدة الفيَلة.

 تغيرت المعالم وذهبت الفِيَلة ورُدمت البِركة، وبقي الاسم، يستثير فضول الناس إلى معرفة ما كان، وحكايات المكان.

Edit

(1) الخطط المقريزية 1/873.

(2) الخطط المقريزية 1/875. 

(3) الخطط المقريزية 1/876. 

(4) القاموس الجغرافي للبلاد المصريّة لـ”محمد رمزي” 1/152.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

كتبها

عبدالرحمن الطويل

كاتب مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search