بطالة وديون

ألغام كورونا تنفجر في وجه العرب بتركيا

في بناية متواضعة بأحد أحياء إسطنبول تجلس “ريفان” 27 عامًا، متذكرةً الأيام الخوالي قبل اندلاع الحرب في سوريا، عندما كان بيت أسرتها يمتلئ بالخيرات، لكنها الآن لا تعرف ماذا تضع على طاولة الطعام بعدما فقد زوجها عمله بسبب أزمة فيروس كورونا المستجد، وأصبح وضعهم المعيشي لا يُطاق.

“ريفان” شابة سورية فرَّت هي وشقيقتها من سوريا بعد قصف جوي لقوات النظام السوري طال مدينة حلب عام 2016، وعَبَرت الشقيقتان الحدود السورية التركية على يد مُهرّب، في محاولة لبدء صفحة جديدة والعيش بعيدًا عن القصف والرصاص، فاستقرتا في مدينة إسطنبول؛ حيث يعيش خطيب “ريفان” وأسرته الذين هربوا من سوريا منذ عام 2012.

معاناة مضاعفة تضرب اللاجئين السوريين

تقول “ريفان” لـ”ذات مصر”: “بعد أن وصلت أنا وأختي لتركيا عشنا في منزل حماي، ثم تزوجت بعد شهر والحمدالله صار معي بنتين، ونحنا الآن عايشين مع حماي وحماتي وأخو زوجي بنفس الشقة، لافتةً إلى أن زوجها وشقيقه كانا يتوليان مسؤولية تدبير نفقات البيت”.

يتقاضى الزوج 80 ليرة تركية يوازي 12 دولارًا تقريبًا) يوميًّا مقابل العمل في إحدى ورشات الخياطة، “بالكاد يكفي هذا المبلغ لدفع الإيجار والفواتير وأدوية وطعام وحليب البنتين”، بحسب “ريفان” التي حاولت في الماضي، المساعدة في حمل عبء النفقات بالعمل في ورشة خياطة أيضًا، لكنها لم تستطع الاستمرار طويلًا، فعدد ساعات العمل يصل إلى عشرة ساعات يوميا والأجر قليل، وحماتها العجوز لم تستطع الاعتناء بالطفلتين.

مع مجيء أزمة كورونا (كوفيد- 19) أصبح الوضع أكثر صعوبة؛ فورشة الخياطة التي كان يعمل بها زوجها أُغلقت، وكان صاحبها التركي رفض في السابق أن يستخرج للعمال أذونات عمل، حتى يتجنب دفع “سوكارتا” -تأمين اجتماعي- على العمال، وإلا “كان زمانا نقبض نسبة من الراتب على الأقل التي تقدمها الحكومة التركية، دعمًا للعاملين بالقطاع الخاص المفصولين” كما تقول “ريفان”.

وتضيف الشابة السورية: “مو عارفة شو وضعنا راح يصير، فيه صاحب الشقة يطالبنا بالإيجار المتراكم علينا منذ شهر أبريل، البيت فاضي من الخزين ووصل بنا الحال أن نعيش على الطعام الذي يُقدم لنا من فاعلي الخير”.

يتلقي كل فرد من أسرة “ريفان” مبلغ 120 ليرة تركية من هيئة الهلال الأحمر، إضافةً إلى 40 ليرة لابنتها التي تذهب إلى الروضة، لكن هذه الأموال لا تكفي مصاريف الأسرة، “تكلفة المعيشة مرتفعة في إسطنبول ويصل الإيجار بالإضافة إلى الفواتير لنحو 1800 ليرة تركية.

في أبريل الماضي تداول لاجئون سوريون في تركيا أنباءً على مواقع التواصل الاجتماعي بأن قيمة كارت الهلال الأحمر سترتفع إلى 1000 ليرة تركية، موزعة بين مواد غذائية ونقود؛ بسبب أزمة فيروس كورونا المستجد.

لكن “ريفان” تقول بحسرة: “نفوا هذا الكلام وقالوا إشاعة، وكل ما عملته لنا اللجنة السورية مع الحكومة التركية هو وضع رابط لتسجيل أسماء المتضررين من أزمة الكورونا، ليوم واحد، وما لحقنا نسجل، وتستطرد زي ما ربنا نجانا من الحرب قادر ينجينا من الجوع”.

وكارت الهلال الأحمر التركي هو برنامج دعم التضامن الاجتماعي للأجانب –صُوي- المُمول من قِبل الاتّحاد الأوروبي، ويُطبق من قِبل الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر (IFRC) ووزارة الأسرة والعمل والخدمات الاجتماعية التركية.

الركود يضرب الاقتصاد ويقلص الوظائف

يُقيم “طارق الحسني” جزائري يبلغ من العمر 29 عامًا من ثلاث سنوات في تركيا، التي سافر إليها للبحث عن “فرصة جيدة وتغير للجو”، ومنذ أن وصل إلى إسطنبول بدأ العمل في مجال زراعة الشعر والتجميل، وكان الدَخْل الشهري الذي يتحصل عليه جيدًا، “يكفيني أن أعيش لأني أعزب، لكن صعب أن تدخر أموالًا فالحياة هنا مُكلفة”.

يقول الشاب الجزائري الحاصل على بكالوريوس برمجة لـ”ذات مصر”: إنه ادَّخر مالًا قليلًا قبل أزمة كورونا؛ لكنه أنفق كل ما لديه في الأيام الأولى من انتشار وباء كورونا، “إذا ظلت الأزمة أكثر من شهر ممكن الواحد يجد نفسه بالشارع” هكذا يتصور وضعه في ظل الأزمة الحاصلة.

يحاول طارق أن يقتصد في النفقات قدر الإمكان للتغلب على الظروف الحالية: “إذا كنت الأول أنفق 10 ليرات، الآن أنفق ليرتين، الأزمة أثرت عليَّ نفسيًّا وماديًّا، ولا يوجد تحويل من الجزائر إلى تركيا؛ لكي أطلب مساعدة من عائلتي هناك، ولا أحد من الجالية الجزائرية تواصل معي”، كما يقول.

ودخل الشاب الجزائري في الفترة الأخيرة في مفاوضات مع صاحب المنزل الذي يسكن فيه لتأخير الإيجار؛ حيث يقول “أنه سوف ينتظر 10 أيام أو 15 يومًا، لكن سيعود مجددًا لطلب مستحقاته ويمكن أن يقول لنا مع السلامة”.

ويشير “طارق” إلى أنه لا يملك إذن عمل- تأمين اجتماعي- فصاحب المشفى الذي يعمل به رجل أعمال تركي لا يريد دفع أموال تأمينات، وفي أي لحظة يُمكن أن يطرده من العمل؛ إذ ليس لديه حقوق، ويوكد أن أزمة كورونا غيَّرت من تفكيره، وسيبحث في المستقبل عن وظيفة لها “إذن عمل” بعد انتهاء الجائحة؛ حتى يكون لديه حقوق ويستطيع مواجهة أي أزمات محتملة.

ويقول “محمد أبو عليان”، باحث اقتصادي في جامعة “إيجة” التركية: إن الاقتصاد التركي تلقى ضربة قوية دفعته نحو الركود، وذلك بعد قيام الحكومة التركية باتخاذ التدابير اللازمة؛ من أجل الحدِّ من انتشار فيروس كورونا، مشيرًا إلى أنه بعدما تم تقييد حركة المواطنين وحركة الطيران، حدث تراجع في النشاط الاقتصادي في قطاع الخدمات، والذي يُشكل 60 % من حجم الناتج المحلي، ويعمل فيه أغلب المقمين العرب، وبالتالي فَقَدَ كل هؤلاء وظائفهم.

محمد أبوعليان
قانون العمل التركي يظلم العمال العرب

الباحث بجامعة “إيجة” يؤكد أن أغلب المقيمين العرب كانوا يعملون بنظام الساعة، وبالتالي فقدوا مصدر الدَخْل؛ بسبب التداعيات التي فرضها تفشي فيروس كورونا المستجد، ويعيش أغلبهم حاليًّا على المُدخرات أو يقتصدون في النفقات، وهناك بعض الجمعيات الخيرية التي تساعدهم، لكن دعم تلك الجمعيات غير كافٍ ولا يُغني عن الدَخْل الثابت.

ويَعتبر “أبو عليان” أن وضع العمالة العربية في تركيا كارثي؛ بسبب قانون العمل التركي وتعقيداته، مشيرًا إلى أن أغلب المقيمين العرب يعملون دون أذونات عمل- أي عمالة غير رسمية وغير مسجلين لدى الدولة-، وهؤلاء وضعهم سيء للغاية وليس لديهم أي حقوق.

ويُرجع الباحث السبب في معاناتهم إلى قانون العمل التركي؛ لأن القانون يفرض على كل شركة من أجل توظيف أي أجنبي أن يكون مقابله 5 أتراك يعملون، ويجب أن يدفع صاحب على كل موظف من 800 ليرة إلى ألف ليرة- 150 دولارًا- كضمان اجتماعي وتأمين صحي؛ لذلك تلجأ أغلب الشركات لعدم تسجيلهم، وبالتالي يوافق العمال العرب على العمل دون عقد، حتى يستطيعون العيش لأن أغلبهم أتى من بلاد غير مستقرة اقتصاديًّا أو مضطربة سياسيًّا، ولهذا لا يستطيعون الآن الاستفادة من الدعم الذي قدمته الحكومة التركية للعمالة المُسجلة، ويتراوح ما بين 40 % إلى 60 % من الراتب الشهري.

ويحاول بعض أصحاب العمل الأتراك التهرب من القانون؛ حتى لا يدفعون رسوم التأمين الاجتماعي والتأمين الصحي عن طريق توظيف سوريين؛ إذ لا تشترط الحكومة تعيين خمسة أتراك في حال كان العامل أو الموظف سوري الجنسية، وتكتفي بالتأمين فقط على عكس الأمر حين يتم تعيين عمالة من بقية الجنسيات العربية الأخرى، فيُطبق القانون كاملًا لأنهم موجودون تحت بند الحماية المؤقتة، ومن لديهم إذن عمل يحق له أن يُقدّم على الجنسية التركية بعد 5 سنوات عمل.

ويتراوح عدد أبناء الجاليات العربية في تركيا ما بين 5 و6 ملايين عربي، أكبرها الجالية السورية ويزيد عدد أبنائها عن 3 ملايين سوري، ثم الجالية العراقية ويبلغ عددها 150 ألف شخص، ثم الليبيين ثم اليمنيين وأخيرًا الفلسطينيين.

ويعمل معظم العرب الموجودين في تركيا بمجالات التجارة والعقارات والتجميل، فتركيا بلد قائم على الاستثمار العقاري، ويمكن للشخص الحصول على الجنسية التركية عند شراء عقار بمبلغ 250 ألف دولار.

كورونا يحاصر الفلسطينيين في تركيا

منذ نحو 7 أشهر جاء “إسلام” شاب فلسطيني 30 عامًا إلى تركيا، هاربًا من الأوضاع الاقتصادية السيئة والحصار المفروض على مدينة غزة، وباحثًا عن فرصة عمل بعد ما أرهقته البطالة .

عمل إسلام في مجالات عدة منذ أن وطأت قدمه أرض إسطنبول: “اشتغلت في ورشة خياطة، وفي مجالات التجارة والمونتاج والتسويق على السوشيال ميديا، وين ما البحر يرمينا بنسبح” على حد تعبيره.

قبل أزمة تفشي فيروس كورونا المستجد، كان دَخْل “إسلام” الشهري نحو 1700 ليرة تركية- أي ما يعادل 244 دولارًا- : “كنت أدفع شهريًّا 600 ليرة إيجار سكن مع الفواتير، وأصبحت دون عمل منذ شهر، وأصرف من بعض الأموال التي ادخرتها خلال عملي في الشهور السابقة”.

ورغم إنفاقه الحذِر أوشكت الأموال التي ادخرها “إسلام” على النفاد؛ لذا يرى أنه لا يوجد أمامه خيار سوى اقتراض المال من الأصدقاء إذا استمرت أزمة كورونا، فالوضع الاقتصادي متردٍ في غزة، ولا يمكن أن يطلب من أسرته أن ترسل له أموالًا تساعده في ظل الظروف التي يواجهونها حاليًّا.

لم يتلقَ الشاب الفلسطيني أي مساعدات من الحكومة التركية أو من السلطة الفلسطينية، يقول: “القنصلية الفلسطينية لم تقدم أي مساعدات لرعاياها مثل القنصليات العربية الأخرى”، مشيرًا إلى أن هناك العديد من الأسر الفلسطينية المقيمية في تركيا تعاني كثيرًا خلال هذه الفترة؛ بسبب أزمة فيروس كورونا.

ورغم الظروف الصعبة التي فرضها فيروس كورونا على جميع اللاجئين، عكف “أبو إسكندر” وهو شاب فلسطيني 28 عامًا، يُقيم في إسطنبول منذ أربعة سنوات، على تقديم يد العون والمساعدة للآخرين، فأسس جروب خاص بالفلسطينيين المقيمين في تركيا على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” مشيرًا لـ”ذات مصر” إلى أن ما دفعه لإنشاء هذا الجروب هو “لمّ شمل الفلسطينيين وتقديم المساعدات وحلِّ المشاكل إن وُجِدَت”.

ويضيف “أبو إسكندر” أن “الجالية الفلسطينية مهمشة، ولا أحد يهتم بمشاكلنا؛ لذلك فإن أي شخص في ضائقة مالية أو لديه مشكلة أو يريد الاستفسار عن أي شيء سيجد من يفيده في الجروب”، موضحًا أن أعضاء الجروب يحاولون تقديم المساعدة في حل مشاكل إيجارات السكن بالنسبة للشباب المتعثر، الذين كان أغلبهم يعمل في المصانع بأجر يومي.

ويسرد بعض الأعمال التي نفذها أعضاء الجروب؛ إذ استطاعوا تقديم ما يقرب من 300 وجبة سحور وإفطار خلال شهر رمضان المنقضي، وتوفير أدوية للمرضى، فضلًا عن توفير كارت لأحد المجمعات الاستهلاكية الشهيرة “بيم” قيمته 50 ليرة للمتعثرين، لافتًا إلى أنه بفضل التبرعات تم تسديد إيجار سكن شاب طُرد منه لعدم قدرته على السداد.

جانب من المساعدات الذاتية المقدمة من الجروب
يمنيون يخسرون وظائفهم وأسرة أردنية تعاني البطالة

“زين العابدين” شاب يمني يُقيم في تركيا مع زوجته وابنته منذ عام 2016، كان يعمل في أحد المطاعم التركية، ومع تفشي فيروس كورونا والتداعيات التي فرضها، قرر صاحب المطعم تسريحه من العمل منذ نحو شهرين.

“عمال المطاعم اليمنية دفعوا الثمن الأكبر في الأزمة”، هكذا يقول زين العابدين لـ”ذات مصر”، وهو يشير إلى أنه حاول إقناع مواطنيه من أصحاب المطاعم؛ لكونه عامل ويشعر بمعاناة العمال، أن يعطوا للعاملين نصف راتب أو ربع راتب على الأقل، حتى يتثنى لهم دفع إيجار السكن وشراء طعام لأسرهم، لكن كان الرد عليه من أصحاب المطاعم بأنه: “يجب أن يتحمل العمال الخسارة معنا”، ويعلق بسخرية ومرارة: “الخسارة يتحملها العامل والربح لا ينال منه شيئًا”.

ويقيم في تركيا أكثر من 30 ألف يمني، وفاقمت أزمة فيروس كورونا من معاناتهم، خاصةً مع عدم تمكنهم من الحصول على المساعدات من قِبل الحكومة اليمينة، ويعلق زين العابدين على ذلك: “كان هناك استمارة انتشرت على موقع “فيسبوك” لدعم المحتاجين، ومر شهران منذ اندلاع الأزمة وليس هناك أي تجاوب رسمي، حتى الاتصال بالأسر وتفقد أحوالهم أصبح غير ممكن، وأتمنى أن لا تستمر الكورونا أكثر من ذلك؛ لأن الوضع قد يزداد سوءًا مما هو عليه”.

المعاناة التي طالت اليمنين أصابت العاملين العرب في السياحة العلاجية، التي وفرت فرص عمل لكثير من شباب العرب في مجال المبيعات، وفي مشافي زراعة الشعر والتجميل، ومن بين هؤلاء “سمر العتيبي”، وهي شابة أردنية تعمل هى وشقيقها بشار في مشفى لزراعة الشعر والتجميل.

جاءت “سمر” 22 عامًا مع أسرتها إلى تركيا؛ بسبب غلاء المعيشة في وطنها الأردن، حسب ما تقول لـ”ذات مصر”، وتضيف: “بعد وصولنا هنا حاول أبي كثيرًا البحث عن عمل؛ لكنه لم يجد عملًا مناسبًا؛ لكونه كبيرًا في السن ولا يتقن اللغة التركية، فقررت أنا وأخي الذي يكبرني بعام البحث عن عمل وتأجيل الدراسة الجامعية، ووجدنا عملًا في مشفى لزراعة الشعر والتجميل منذ 7 شهور وكان متوسط دَخْلنا 4 آلاف ليرة -570 دولارًا- ندفع منها إيجار المنزل 2300 ليرة -330 دولارًا- ونعيش على ما تبقى، إضافةً إلى عائد إيجار منزلنا بالأردن”.

لكن مع تفشي فيروس كورونا المستجد في تركيا، أُغلق المشفى الذي كانت سمر وشقيقها يعملان به بعد أن فَقد معظم العملاء الذين كان أغلبهم يأتي من خارج تركيا.

وإثر ذلك تراكم إيجار شهران على العائلة كما تقول سمر، التي لجأت للعمل في مجال التسويق الإلكتروني من المنزل للمساهمة في دفع الفواتير، كما اقترضت الأسرة بعض الأموال من الأقارب في الأردن؛ لتتمكن من تسديد الديون التي سببتها أزمة كورونا، والتي تأمل الشابة الأردنية أن تنتهي سريعًا.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
قصة
شيماء سيد

تركيا

مشاركة
أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search