سياسة

بعد إعلان “البرهان-الحلو”.. هل يتجه السودان إلى العلمانية؟

رغم أن إعلان المبادئ، الذي وقّعه رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان من جهة، ورئيس الحركة الشعبية/ شمال عبد العزيز الحلو من جهة أخرى، في جوبا عاصمة، جنوب السودان، الأحد 28 مارس 2021، احتوى الكثير من البنود ذات الصلة بقضايا الحرب والسلام والحكم والإدارة والديمقراطية والثروة وحقوق الإنسان في السودان، فإن بند “فصل الدين عن الدولة”، الذي كُتب بطريقة غير مباشرة، كان الأكثر إثارة للجدل إلى حد أن بقية البنود الأكثر أهمية خرجت عن دائرة النقاش  ولم تعد تعني أحدا.

الجدل حول موضوع فصل الدين عن الدولة لم يكن وليد لحظة توقيع الإعلان الأخير، فقد حدث بشكل أكثر حدة في سبتمبر من العام الماضي، عندما وقع رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك مع رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، عبد العزيز الحلو، إعلان مبادئ مماثلا في العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، أقر “علمانية الدولة بشكل مباشر”، إلا أنه تعرض لهجوم شرس من قبل الشركاء العسكريين بالحكومة الانتقالية نفسها، فقد وصفه عضو مجلس السيادة والقيادة البارز بالمكوِّن العسكري في الحكومة، الفريق أول شمس الدين الكباشي، بأنه “عطاء من لا يملك لمن لا يستحق”.

إلا أن صمتا أبديا ران على الفريق أول الكباشي، فلم ينطق عندما وقع قائده رئيس مجلس السيادة الفريق البرهان على إعلان جوبا، الذي أقر إعلان أديس أبابا وزاد عليه بمنح الأقاليم حق الحكم الذاتي واعتماد النظام الفيدرالي أساسا للحكم في السودان.

يقول الباحث السياسي محمود السُنّي متحدثاً إلى “ذات مصر”: “فيما يتعلق بمسألة فصل الدين عن الدولة فإنها مطبقة عمليا منذ الإطاحة بالبشير وإلغاء آخر قانون بصبغة دينية، وهو (قانون النظام العام) الذي كان يقر بجلد السيدات وتغريمهن إذا ما رأت الشرطة المخولة بتطبيقه أن ما يرتدينه مخالف لما يُسمى “الزي الشرعي”، إلا أن بعض ذيول جماعة الإخوان المسلمين، ممثلة في أحزاب المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي وجماعة أنصار السنة المحمدية السلفيّة وبعض الأطراف المُتضررة من الهيئات والمؤسسات التابعة للإخوان كهيئة علماء السودان وفلول النظام السابق، تحاول تصوير الأمر كأنه “إقصاء الدين عن حياة الناس وأن (الكفر) سوف يسود ويعم البلاد وسيتم منع إقامة الصلوات وإيتاء الزكاة وحج البيت”، بحسب تعبيره.

كل ما في الأمر، يواصل “السُنَّي” حديثه، أن الدستور القادم لن يشير إلى دين رسمي للدولة، لأن الدولة فعلا لا دين لها، إذ هي مجموع المؤسسات والإدارات والهيئات من حكومة وجيش وقوات أمنية، فيها المسيحي والمسلم واللا ديني، وكلهم مواطنون سودانيون يتمتعون بنفس الحقوق على قدم المساواة.

البرهان

القطيع

المنتقدون لإعلان التفاهم الذي وقعه البرهان والحلو في عاصمة جنوب السودان، الأحد الماضي، لم يطلعوا على نصوصه جيدا، ولو فعلوا لما هاجوا وماجوا، فقد أتاح الإعلان حرية ممارسة المعتقد والعبادة والشعائر الدينية لكافة السودان، فالنص يقول: “السودان بلد متعدد الأعراق والديانات والثقافات، لذلك يجب الاعتراف بهذا التنوع وإدارته، ومعالجة مسألة الهوية الوطنية”، كما نص على “حق شعوب المناطق المختلفة في إدارة شؤونها فيدراليا، وتأسيس دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية، تضمن حرية التدين والممارسات الدينية والعبادة لكل الشعب، وفصل الهويات الثقافية والإثنية والدينية والجهوية عن الدولة”.

وشدد على عدم فرض الدولة “دينا على شخص، وألا تتبنى دينا رسميا، وأن تكون غير منحازة فيما يخص الشؤون الدينية، وشؤون المعتقد والضمير، وتكفل وتحمي حرية الدين والممارسات الدينية، وأن تضمن هذه المبادئ في الدستور”، لكنه أقر في ذات الوقت بإسناد قوانين الأحوال الشخصية إلى الدين والعرف والمعتقدات، على أن يكون ذلك بطريقة لا تتعارض مع الحقوق الأساسية.

البرهان والحلو

اعتراضات الأنصار والإخوان

من جهتها، أصدرت هيئة شؤون الأنصار للدعوة والإرشاد التي تمثل الذراع الدينية لحزب الأمة القومي، أكبر حزب سياسي سوداني، وهو حزب رئيس الوزراء الأسبق الراحل الإمام الصادق المهدي، بيانا الثلاثاء الماضي، قالت فيه إن ما جاء في إعلان التفاهم بين البرهان والحلو مكانه  المؤتمر القومي الدستوري المزمع انعقاده قبل انتهاء الفترة الانتقالية، وشدد البيان على أن عبارة “الاعتراف بالتنوع وإدارته بالعدل”، التي وردت في البيان، توجب مشاركة جميع مكونات المجتمع السوداني في تحديد هويتهم، وضبط علاقة الدين بالدولة قضية تهم كل السودانيين ولا يقرر فيها فصيل واحد دون الآخرين.

وباستثناء ملاحظات هيئة شؤون الأنصار حول الإعلان، وترحيب الحزب السياسي (الأمة القومي) الذي تتبعه الهيئة، فإن ردود الفعل الأخرى تبدو كأن لا أثر لها، فالاتحاد السوداني للعلماء والأئمة والدعاة، الذي اتهم رئيس المجلس السيادي عبدالفتاح البرهان بـ”تجاوز حدود ما أنزل الله، بتوقيعه على اتفاق ينص على فصل الدين عن الدولة” وقالت إن ما فعله “فيه طغيان وبغي وعدوان، وانتهاك لإرادة الغالبية العظمى من شعب السودان المُسلم الذي له هويته وخصوصيته”، هو كيان إخواني يتبع النظام السابق وبعض رموزه متهمة بالفساد، ولا تجد بياناته صدى في الشارع السوداني ولا آذانا صاغية.

الإخواني المتشدد وعضو الاتحاج السوداني للعلماء والدعاة ومالك قناة طيبة الإخوانية الهارب إلى تركيا عبد الحي يوسف

رفع الحرج

وتعليقا على البيانين المعترضين، قالت سامية الجاك، الباحثة في علم الاجتماع السياسي، لـ(ذات مصر): إنّ بيان هيئة شؤون الأنصار التابعة لحزب الأمة القومي، جاء لرفع الحرج عن الحزب المشارك في الحكومة بعدة وزراء أبرزهم وزيرة الخارجية (مريم المهدي) والذي رحب بإعلان المبادئ بين البرهان والحلو، ويبدو – بحسب الجاك – أنه تم نوع من التواطؤ الذكي بين الكيانين السياسي (حزب الأمة) والديني (هيئة شؤون الأنصار)، فيما هم في الحقيقة مؤسسة واحدة.

أما فيما يتعلق بالبيان المتشدد الذي صدر عن الاتحاد السوداني للعلماء والدعاة والأئمة، والذي وصف الإعلان بأنه يمثل “خروجا عن الدين وحربا عليه وسعيا في أرض المسلمين بفساد لا يحل السكوت عنه أبدا، ويجب وجوبا شرعيا على كل مسلم أن يعلن رفضه التام لهذه الاتفاقية”، ودعا الأمة إلى التمرد والانتفاضة على البرهان ليعلم هو ومن معه أن الأمة لا تفرط في شيء من دينها، وأنها قد بايعت الله على نصرة شريعته وإعلاء كلمته”، فلا يعد كونه حبرا على ورق وجعجعة دون طحين، لكونه صادرا عن جهة متهمة بالفساد وموالية للنظام البائد ويقيم قادتها في تركيا بعد هروب معظمهم من السودان عقب تدوين بلاغات متعلقة بالفساد ضدهم، ويمتلكون قناة فضائية (طيبة) يروجون من خلالها لفكر الإخوان.

الاتحاد السوداني للعلماء والدعاة

فقاعات رغوة

تستطرد “الجاك” واصفة البيانين بأنهما “محض فقاعات رغوة، سرعان ما يخفت هسيسهما”، وتضيف: “لا أتوقع أن يترتب على الإعلان ردود فعل عنيفة، لأنه يتسق مع مبادئ الثورة التي رفعت شعار الدولة المدنية وأطاحت بالدولة الدينية، كما أن الاتفاق نفسه لم يُقص الدين عن حياة الناس، بل أقر بحق العبادة وممارسة الشعائر، ليس للمسلمين فقط وإنما لمعتنقي كل الأديان وحماية هذا الحق بالقانون”، ومن وجهة نظري – تقول الجاك – فإنّ وصف رئيس مجلس السيادة للإعلان بأنه “يمثل بداية حقيقية للمرحلة الانتقالية في السودان” وصف دقيق ومُحكم، فالإعلان يتيح الحريات الدينية والعرقية ويحافظ على حقوق الإنسان في السودان، ويقر تحقيق العدالة في توزيع السلطة والثروة بين شعوب وأقاليم السودان، للقضاء على التهميش التنموي والثقافي والديني، إلاّ أن أهم ما ورد فيه، هو الإقرار بتكوين جيش واحد، ودمج كافة الميليشيات والحركات المتمردة السابقة في الجيش الوطني الموحد، وهذا اختراق حقيقي، خاصة أن وجود نحو أكثر من خمسة جيوش داخل البلاد أصبح يمثل تهديدا وخطرا على بقائها ككيان موحد في المستقبل.

عبد الجليل سليمان

صحفي سوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى