سياسة

خيارات مصر والسودان بعد تصريح “بناء 100 سد”

فرض القوة أم التراجع الإثيوبي

“إذا كنت قائدًا ولا تستطيع إحكام السيطرة على خلافات من تحكمهم، فعليك أن تخلق نوعًا من التهديد الخارجي”، مقولة هامة تعبر عن استراتيجية سياسية يتبعها رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد ربما لدرجة الإتقان، مع محاولاته المتكررة لإشعال فتيل الحرب في المنطقة.

بالأمس، خرج آبي أحمد بتصريح جديد، يؤكد فيه على الاستراتيجية السابق ذكرها قائلًا إن بلاده “ستبني أكثر من 100 سد صغير ومتوسط في مناطق إقليمية مختلفة من البلاد في السنة المالية المقبلة”. وجاء ذلك في وقت تعيش بلاده فيه علاقات متوترة مع مصر والسودان على خلفية أزمة “سد النهضة”.

سد النهضة الإثيوبي
عمليات إنشاء سد النهضة الإثيوبي

ووفقًا لما نقلته وكالة الأنباء الرسمية الإثيوبية، قال أحمد خلال افتتاح مشروع طريق سريع إن بناء السدود هو “السبيل الوحيد لمقاومة أي قوى معارضة لإثيوبيا”، مشيرًا إلى أنه من المقرر أن يتم بناء أكثر من 100 سد صغير ومتوسط الحجم في مناطق مختلفة بحلول عام الميزانية الإثيوبية القادمة.

رد مصري سريع على تصريحات آبي أحمد

وفي رد مصري سريع، قال المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية المصرية السفير أحمد حافظ، أمس، إن مصر ترفض ما جاء في تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي حول نية إثيوبيا بناء عدد من السدود في مناطق مختلفة من البلاد.

اقرأ أيضًا: آبي أحمد نَشْوان بالنصر!: “تيجراي”.. من يُسدد فواتير الحرب؟

وأكد حافظ على أن هذا التصريح “يكشف مجددا عن سوء نية إثيوبيا وتعاملها مع نهر النيل وغيره من الأنهار الدولية التي تتشاركها مع دول الجوار، وكأنها أنهار داخلية تخضع لسيداتها ومُسَخرة لخدمة مصالحها”.

وأضاف أن مصر “لطالما أقرت بحق جميع دول حوض النيل في إقامة مشروعات مائية واستغلال موارد نهر النيل من أجل تحقيق التنمية لشعوبها الشقيقة. إلا أن هذه المشروعات والمنشآت المائية يجب أن تقام بعد التنسيق والتشاور والاتفاق مع الدول التي قد تتأثر بها، وفي مقدمتها دول المصب”. مشيرًا إلى أن “تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي ما هي إلا استمرار للنهج الإثيوبي المؤسف الذي يضرب عرض الحائط بقواعد القانون الدولي واجبة التطبيق، والتي تنظم الانتفاع من الأنهار الدولية، والتي تفرض على إثيوبيا احترام حقوق الدول الأخرى المُشاطئة لهذه الأنهار وعدم الإضرار بمصالحها”.

صلاح حليمة: السياسة الإثيوبية أحادية

السفير صلاح حليمة نائب رئيس المجلس المصري للشئون الإفريقية
السفير صلاح حليمة نائب رئيس المجلس المصري للشئون الإفريقية

السفير صلاح حليمة نائب رئيس المجلس المصري للشئون الإفريقية وصف السياسات الإثيوبية في هذا الاتجاه بـ”الأحادية وفرض الأمر الواقع”. وأضاف أنها تخالف بشكل واضح وصريح المواثيق والقوانين والاتفاقيات الدولية بما في ذلك اتفاق إعلان المبادئ، ما يجعل في إمكاننا القول إن إثيوبيا دولة مارقة، وتمارس نوعًا من الإبادة بمثل هذه السياسة.

نائب رئيس المجلس المصري للشئون الإفريقية يقول إن تصريح رئيس الوزراء الإثيوبي يعكس سياسته الثابتة والتي تنظر إلى كافة الأنهار بأنها أنهار داخلية وليست دولية. وتابع: “هذه مغالطة جسيمة وعدم احترام للقانون الدولي والاتفاقيات الدولية، وكونه يبني 100 سد على أنهار دولية هذا أمر مرفوض تمامًا”.

أما إذا كان يتحدث عن إنهار داخلية، فيقول حليمة إنه لابد أن يأخذ في الاعتبار أمرين، الأول ما إذا كان يؤثر على أي نهر دولي ولابد ألا يسبب أي ضرار على طرف من الأطراف. أما الثاني إذا كان يؤثر على تدفق المياه لنهر دولي وفي هذه الحالة يجب التوقف والتأكيد على أن هذا أمر يخالف القانون والاتفاقيات الدولية.

حليمة: ما يحدث من إثيوبيا يعطينا الحق في مواجهة العدوان بـ”القوة”

وعن هذه المرحلة من الأزمة وخصوصًا في ضوء السياسية الإثيوبية المتبعة، فيقول حليمة “إننا أمام مرحلة تم استنفاذ فيها كافة الوسائل لفض النزاع بطرق سلمية طبقا للقانون الدولي، أو إعلان المبادئ في مادته العاشرة. ولم يبق أمامنا سوى أن نقف أمام ما نسميه عدوان على دولتي المصب من خلال التصرفات الأحادية، وفرض الأمر الواقع لما تسببه من أضرار جسيمة تهدد الوجود والحياة. وهو أمر يعطينا الحق في الدفاع الشرعي عن النفس، ومراجعة هذا التحدي بكافة الوسائل بما فيه التهديد باستخدام القوة، أو استخدامها بالفعل”.

تدريبات عسكرية

التصريحات السلبية والسياسات التي تتبعها إثيوبيا في السياق السابق ذكره تُقَابل من قبل دولتي المصب، مصر والسودان، بردود أفعال -لكنها منطقية- على ذات القدر، يشير حليمة إلى أن مصر والسودان اتخذتا مجموعة من الخطوات تهدف لتعزيز التعاون، ولكبح التهديدات الإثيوبية من بينها على سبيل المثال ” تدريبات حماة النيل، وتدريبات نسر 1 ونسر 2، وتدريبات أخرى في المنطقة العربية وفي البحر الأحمر التي لإثيوبيا مصالح فيه. وتابع “أديس أبابا عليها أن تعيد حساباتها، وتنظر للأمور بشكل مختلف من منطلق القوانين والاتفاقيات والمواثيق الدولية التي وقعت عليها. واستطرد: “إثيوبيا عليها أن تحترم كل هذه الأمور حتى تتجنب تهديد السلم والأمن الدولي، وأن يكون نهر النيل للتعاون والتفاهم وليس للصدام”.

نسور النيل 2 مناورات تدريبات بين مصر و السودان _ أرشيفية
نسور النيل 2 مناورات تدريبات بين مصر و السودان _ أرشيفية

هاني رسلان: تصريحات آبي أحمد دعاية”انتخابية”

وردا على تصريحات آبي أحمد قال الدكتور الدكتور هانى رسلان، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إن هذه التصريحات هي تأكيد لاستراتيجية إثيوبية ثابتة ومعلنة. لافتًا إلى أن أديس أبابا تعتقد أن كل منابع المياه والأنهار ملك لها، ومنجم ذهب تستطيع أن تستغله كما تشاء، وتسخره لخدمة أهدافها الاقتصادية بغض النظر عن إلحاق دول الجوار المحيطة بالأضرار الجسيمة.

اقرأ أيضًا: حائز نوبل للسلام يُوجج الحرب الأهلية! “التيجراي”شوكة في حلق آبي أحمد

وأضاف رسلان لـ”ذات مصر”، أن التصريحات الأخيرة لآبي أحمد تأتي قبيل الانتخابات التي يخوضها، وهي جزء من محاولة دعائية لصنع صورة إيجابية له في الداخل. مشيرًا إلى أنه يسوق لنفسه بأنه سيقود عملية تنمية كبرى، ولكن في الحقيقة هو يركز على الانتخابات ويعطيها أهمية كبرى. وتابع: “آبي أحمد أتى عبر اتفاقات سياسية داخل الجبهة السياسية، والرجل الآن ليس منتخبًا، وشرعيته السياسية والدستورية ناقصة، فهو يسعى بكل السبل لطرح وعود انتخابية ورسم نفسه في صورة القائد القوى”.

مستشار ” الأهرام للدراسات”: “أديس أبابا” أصبحت مصدرا لتهديد الاستقرار

الدكتور هانى رسلان مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
الدكتور هانى رسلان مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

ويؤكد رسلان إن إثيوبيا أو غيرها من الدول لا تستطيع بناء 100 سد في عام واحد، سواء كان سدًا صغيرًا أو كبيرًا. وأوضح أن “أديس أبابا” تعاني من أزمة اقتصادية خانقة، والإصلاح الاقتصادي الجزئي الذي تم في العقود السابقة تم تمديده بالكامل. وتابع: “علاقتها بالمجتمع الدولي تعرضت لانهيارات كبيرة، فمن الصعب أن تتلقى معونات ضخمة مثل السابق، وبالتالي لا يوجد إمكانية حقيقة لتنفيذ هذه الوعود الانتخابية”.

كما أكد أن كل الأمور السابقة تثبت أن إثيوبيا أصبحت مصدرا لتهديد الاستقرار والصراعات مع دول الجوار لما تحدثه سياساتها من أضرار، مثلما حدث في الصوما وكينيا، والآن مع مصر والسودان. وأضاف أن كل ما تفعله إثيوبيا مخالف لما تحاول الترويج له بأنها مركز الاستقرار ودعم السلام والإصلاح السياسي في الإقليم حولها.

أما بشأن مصر، قال رسلان إن ما يعنينا في أمر السدود الـ3 المخطط بناءهم بعد سد النهضة والذي يسبب أحدهم أزمة جديدة، مستطردًا: “ولكن هذا التصريح من آبي أحمد يعد استباقًا للأحداث، لأن أزمة النهضة لم تنته بعد. وموقف إثيوبيا في هذه الأزمة تدهور بشكل كبير وأصبح ضعيف. وليس من المتوقع أن تحقق إثيوبيا إنجازات في هذه الأزمة، بالتالي لن تستطيع أن تبني السدود الأخرى طالما لم تنته من سد النهضة”.

محمد الليثي

صحفي وباحث في الشؤون الإسرائيلية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى