ثقافة وفنمختارات

بعد سعفة “ستاشر” الذهبية.. الأفلام القصيرة.. رهان مصر المغبون

 

في مفاجأة سارة، فاز الفيلم المصري “ستاشر” أوI’m Afradi to Forget Your Face – أخشى أن أنسى وجهكِ- من إخراج سامح علاء، بالسعفة الذهبية للفيلم القصير من مهرجان “كان” السينمائي في دورته الثانية والسبعين.

وظلت المشاركة في المهرجانات الكبرى مثل “كان” و”برلين” و”فينيسيا” حلمًا صعب المنال.. أفلام محدودة هي التي نجحت في الوصول إلى المسابقة الرسمية بهذه المهرجانات، وكان الفوز بإحدى الجوائز الرئيسة أمرًا نادرًا.

وفيما ينصب التركيز الأكبر على الأفلام الطويلة، أصبحت الأفلام المصرية القصيرة في السنوات الأخيرة تحقق مشاركات أكثر تأثيرًا، وفي العام الحالي كان الفيلمان القصيران، “ستاشر” لسامح علاء و”حنة ورد” لمراد مصطفى، هما أبرز ما في المشهد السينمائي المصري.

مشهد من فيلم “ستاشر”

كثير من النجاح قليل من الدعم

قد يظن البعض أن صناعة الأفلام القصيرة أمر سهل، إذ تكون مدة الفيلم في حدود 20 دقيقة، وتدور في عدد محدود من الأماكن ويشارك فيها عدد قليل من الممثلين، وهو ما يجعل المشاهد لا يدرك أن إنتاج الفيلم القصير، خاصة في مصر، يتطلب مجهودًا ضخمًا وفترة إعداد طويلة.

محمد تيمور، منتج فيلم “ستاشر”، يقول لـ”ذات مصر” إن “الاهتمام بدعم الأفلام القصيرة في مصر غير كافٍ، بل حتى صناديق الدعم المتاحة في الدول العربية لا تعطي مساحة جيدة للأفلام القصيرة وتطويرها، ومع ذلك قررنا أن تكون صناديق الدعم هي وسيلة إنتاج الفيلم الذي بلغت ميزانيته 200 ألف جنيه”.. مضيفًا: “قدمنا مشروع فيلم ستاشر في عدة صناديق أجنبية لتأمين ميزانية الفيلم”.

قيمة الدعم في هذه الصناديق، بحسب تيمور، حتى لو كانت صغيرة فهي تصنع فارقًا مع الفيلم القصير أكثر مما قد تصنع مع فيلم طويل تبلغ ميزانيته عدة ملايين.

استغرق إنتاج “ستاشر” نحو سنة ونصف سنة، وهي مدة غير قليلة بالتأكيد لصناعة فيلم قصير، وكان الجزء الأكبر منها للبحث عن تغطية تكاليف الإنتاج.

في المقابل تكلف فيلم “حنة ورد” نحو 40 ألف جنيه مصري واستغرق يومًا واحدًا لتصويره، بحسب ما قال مخرجه ومنتجه مراد مصطفى لـ”ذات مصر”.

يقول مراد: “رحلة صناعة الفيلم بلغت 9 أشهر، وكان الجزء الأكبر منها كذلك لتأمين الميزانية التي لا تعد كبيرة على الإطلاق”. ويضيف: “بداية التحكم في ميزانية الفيلم تكون من مرحلة كتابة وتطوير السيناريو، ففي هذه المرحلة يمكن التحكم في خروج الفيلم بميزانية محدودة”.

يتفق مراد مع تيمور في أن مساحات الدعم للأفلام القصيرة ضئيلة، ويرى أن تقديم المخرج لفيلم واحد قصير خلال سنة كاملة ليس أفضل شيء، كما تمكن صناعة المزيد خلال السنة لولا الصعوبات الإنتاجية.

مشهد من فيلم حنة ورد

الحق في الفُرجة

بخلاف المعوقات الإنتاجية، لا تجد الأفلام القصيرة، رغم نجاحها في السنوات الأخيرة على المستوى العالمي، مساحة كافية للعرض في مصر والدول العربية عمومًا.

محمد فوزي، مطور السيناريو في فيلم “ستاشر”، يقول لـ”ذات مصر” إن في السنوات الأخيرة مؤشرًا جيدًا، وهو الإقبال الواضح على الأفلام القصيرة في المهرجانات المختلفة التي تقام داخل مصر، مثل “القاهرة والجونة وزاوية” للأفلام القصيرة، إذ تباع غالبية تذاكر عروض الأفلام القصيرة بالكامل.

فوزي يرى أن هذا يعكس ازدياد اهتمام الجمهور بهذه الأفلام، التي قد يجد فيها تنوعًا يرضيه، مضيفًا أن طبيعة المُشاهد أيضًا اختلفت خلال السنوات الأخيرة، فبات يفضل الأعمال القصيرة، حتى المنصات الإلكترونية، صارت تتجه لتقليل مدة حلقاتها، مشددًا على أن مساحة العرض ما زالت غير كافية، لأن هذه الأفلام تعرض مرة أو مرتين في أحد المهرجانات الكبرى، ورغم الإقبال عليها فإنها تختفي بعد ذلك، فلا توجد لها عروض جماهيرية ولا توجد مساحة جيدة لها في المنصات الإلكترونية.

وسيط مختلف

يتعامل صناع الأفلام والمشاهدون على حد سواء مع الأفلام القصيرة على أنها فيلم طويل مضغوط، وقد يكون هذا التصور من جانب صناع الأفلام تحديدًا هو سبب عدم نجاح الكثير من الأفلام القصيرة في الخروج بصورة جيدة. يقول فوزي: “من الخطأ التعامل مع الأفلام القصيرة بهذه الطريقة، أو عبر تقسيم الفيلم القصير إلى ثلاثة فصول بالشكل التقليدي للأفلام الطويلة”.

في المقابل يرى أن تكثيف فكرة العمل حول موقف واحد هو النموذج الأفضل للأفلام القصيرة، وهو الشائع بين الكثير من الأفلام الأوروبية وفي السينما الإيرانية كذلك.

“الأفلام القصيرة لا يجب أن تكون مجرد مرحلة في مسيرة المخرج، فيصنع عدة أفلام قصيرة حتى يبدأ العمل في الأفلام الطويلة ولا يعود إلى القصيرة بعد ذلك”، هكذا يحكي صانع فيلم “حنة ورد”، مضيفًا أن النوعين مختلفان، فصناعة الأفلام الطويلة لا تعني انتهاء مرحلة الأفلام القصيرة، مستشهدًا بعدد من كبار المخرجين الذين قدموا أفلامًا قصيرة بعد مسيرة من الأفلام الطويلة، مثل بيدرو ألمودوبار الذي قدم العام الحالي فيلمه القصير “The Human Voice” (الصوت البشري).

مشهد من فيلم فخ لندى رياض

جيل جديد من المخرجين

لا يقتصر النجاح الذي حققته الأفلام المصرية القصيرة على “ستاشر” و”حنة ورد”، ففي السنوات الأخيرة نجحت عدة أفلام قصيرة في الوصول إلى مهرجانات كبرى، ففيلم “فخ” لندى رياض شارك في مسابقة أسبوع النقاد في مهرجان “كان” العام الماضي، كما شارك أيضًا في مهرجان “تورنتو”، ومن قبلها عُرضت أفلام عدة للمخرج شريف البنداري في مهرجانات بارزة مثل كليرمون فيران ومونبلييه.

هذا الحراك على مستوى الأفلام القصيرة يطرح سؤالاً عما إذا كنا نشهد جيلاً جديدًا من المخرجين سيصنع اختلافًا في السينما المصرية أم أنها مجرد مصادفة!

مارك لطفي، مؤسس شركة “فيج لايف ستوديو”، المشاركة في إنتاج “ستاشر”، يقول لـ”ذات مصر”: “نشهد حراكًا سينمائيًّا على مستوى عدة دول وليس مصر تحديدًا، فالسودان على سبيل المثال يشهد حضورًا سينمائيًّا شديد القوة في الأعوام الأخيرة”.

يضيف لطفي أنه من المبكر حاليًّا أن نطلق على الجيل الحالي من المخرجين المصريين أنه “الجيل الذهبي” للأفلام القصيرة، لكنه في الوقت نفسه يرى أن هذا الجيل يتفوق على الأجيال السابقة في معرفته بكيفية تسويق أفلامه لتشارك في مهرجانات كبرى، وهو أمر ربما لم تتقنه بالقدر الكافي أفلام الجيل الأسبق، رغم جودتها الفنية.

يشبّه مارك الأمر بأطفال الجيل الحالي الذي ولدوا ومعهم الهواتف الذكية والإنترنت، ما جعلهم أكثر قدرة على التعامل معها مقارنة بالجيل الذي سبقهم.

من جانبه، يرى مراد مصطفى أن الجيل الحالي من المخرجين لديه توجه مختلف وطموح أكبر، وأن ما نقص الجيل السابق تحديدًا هو إنتاج المزيد من الأعمال، فالفاصل الزمني بين أعمالهم كبير، مضيفًا: “إذا كان المخرج سيصنع فيلمًا قصيرًا واحدًا كل عام، فكم سيستغرق لصناعة فيلمه الطويل؟”

في العام الحالي، ومع إلغاء الكثير من المهرجانات الكبرى لبرامجها ومسابقاتها، أبقى بعضها على مسابقة الأفلام القصيرة، مثل مهرجاني كان ولوكارنو، ويعكس هذا اهتمامًا بنوع الأفلام القصيرة، كوسيط مهم ومختلف، بحسب مارك لطفي.

وحظي فيلما “ستاشر” و”حنة ورد” باحتفاء كبير من صناع ومحبي السينما، لكن هل يضمن هذا للأفلام القصيرة دفعة جديدة على مستوى الصناعة أو سُبُل العرض؟ الأيام المقبلة وحدها تحمل الإجابة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى