زوايا

بعد سقوطه المخيف: كم “كريستيان إريكسن” موجود في مصر؟

بعد عام من التأجيل، عادت الجماهير الدنماركية إلى مدرجات ملعب “باركن ستاديون” بمدينة كوبنهاجن، حيث افتتح منتخبها الوطني مشواره في بطولة كأس الأمم الأوروبية “يورو 2020” أمام نظيره الفنلندي، في أجواء اتسمت بالحماسة. لكن وسط ارتفاع وتيرة اللعب، وتصاعد هتافات الجماهير تشجيعًا لمنتخبها، تبدلت الأحوال سريعًا في بضع ثوان، فتحول الضجيج إلى سكون، والهتافات إلى دموع، والتهليل إلى دعوات، بمجرد سقوط اللاعب الدنماركي “كريستيان إريكسن” دون مقدمات، وفقدانه للوعي.

هذا السكون، دام لـ 20 دقيقة كاملة، انتهت بترقب الحضور للحظات نقل اللاعب إلى المستشفى، وسط صعوبة في الاطلاع على حالته من أرض الملعب، نتيجة لالتفاف زملائه من حوله.

لحظة-سقوط-اللاعب-الدنماركي-كريستيان-إريكسن.
لحظة-سقوط-اللاعب-الدنماركي-كريستيان-إريكسن.
لاعبي فريق الدنمارك يحيطون الفريق الطبي أثناء علاجهم لزميلهم إريكسون
لاعبي فريق الدنمارك يحيطون الفريق الطبي أثناء علاجهم لزميلهم إريكسون

ماذا حدث؟

هذه الأجواء المضطربة، انتهت بإعلان بقاء كريستيان إريكسن على قيد الحياة، وعليه، تم استئناف المباراة، التي حققت فيها فنلندا فوزًا بهدف نظيف. لكن ظل السؤال الدائر في الأوساط الطبية والجماهيرية: ماذا حدث لـ “كريستيان”؟

هذا السؤال، أجاب عنه طبيب المنتخب الدنماركي “مورتن بوسن”، الذي صرّح، بأن اللاعب تعرّض لسكتة قلبية مفاجئة على أرض الملعب، قبل أن ينجح المُسعِفون في إنقاذ حياته باستخدام جهاز الإنعاش القلبي الرئوي، ومزيل الرجفان.

لكن الطبيب علّق مُندهشًا على عودة قلب اللاعب للحياة مرة أخرى في تصريحه، المنشور بصحيفة “ديلي ميل” البريطانية:

“كريستيان رحل عنَّا وقتها. حتى الآن ليس لدينا تفسير لسبب حدوث هذا الأمر”.

مع هدوء الأوضاع، بادر كثيرون إلى توجيه الشكر لقائد المنتخب الدنماركي “سيمون كايير”، الذي سارع إلى التأكد من عدم بلع إريكسن للسانه وقت سقوطه، كما حظي الطاقم الطبي بثناء كبير، من منطلق سرعة تدخلهم وإنقاذهم لحياة اللاعب، لكن في المقابل، تذكر المصريون وقائع مأساوية عاشوها في الماضي.

فقد عاد المصريون بذاكرتهم إلى عام 2006، وبالتحديد في نهاية شهر أغسطس، حينما استيقظوا على نبأ مفاجئ، يُفيد بوفاة لاعب النادي الأهلي “محمد عبد الوهاب”، الذي لم يكمل وقتها عامه الـ 23.

وحسب ما رواه زملائه، في تصريحات تليفزيونية، فقد سقط اللاعب الراحل على أرضية الملعب خلال التدريبات دون مقدمات، قبل أن يُفارِق الحياة خلال نقله إلى المستشفى.

الأزمة عالمية

أزمة كريستيان إريكسن فتحت المجال مجددا للحديث عن الوفيات المرتبطة بالأزمات القلبية، خصوصا الشباب منهم، حتى في الدول الغنية، حيث تعاني الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية من ويلات الأزمات القلبية، فخلال السنوات الأخيرة، ارتفعت أعداد ضحايا هذه السكتات المفاجئة بشكل كبير.

ففي تقرير، أصدرته مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة (CDC)، أشار بأنه مع كل 36 ثانية يموت شخص أمريكي بسبب أمراض “القلب والأوعية الدموية”. ونوّه التقرير، إلى أن حوالي 655 ألف أمريكي يموتون من أمراض القلب كل عام، وهو ما يُمثِّل -تقريبًا- ربع الوفيات السنوية في الولايات المتحدة.

فيما كشفت إحصائية، أجرتها مؤسسة القلب البريطانية (BHF)، وأعلنت عنها في مارس الماضي (2021)، أن عدد الوفيات بأمراض القلب والدورة الدموية في المملكة المتحدة، في ارتفاع لأول مرة منذ 50 عامًا.

بينما استعرضت دراسة، نشرها موقع “Web MD“، إحصائية بأكثر الدول التي يصاب مواطنيها بالنوبة القلبية، باعتبارها سبب الوفاة الرئيسي للبشر في عام 2019. وجاءت الصين في مقدمة الترتيب، تلتها كل من الهند، وروسيا، والولايات المتحدة، وإندونيسيا. بينما تذيل الترتيب كل من فرنسا، وبيرو، واليابان.

الوضع في مصر

أمّا في مصر، فتشير التقديرات إلى أن نسبة الشباب الذين تعرضوا للسكتات القلبية زادت في السنوات الأخيرة، وهو الأمر الناتج عن عدد من العوامل، ساهمت في ارتفاع أسهم هذا الخطر.

حيث ذكر الدكتور “محمد أسامة”، عميد معهد القلب، إنه كان يُفاجأ بكثرة استقبال الطوارئ لشباب أصيبوا بالسكتة القلبية، حيث قال:

“في السابق كان يأتي إلى الاستقبال 100 مريض مثلًا جميعهم في عمر الأربعين فيما فوق، الآن منهم 15 على الأقل تحت هذا السن، كما ظهر منْ هم دون الـ 20 عامًا. النسبة أصبحت في خطر”.

وينوه “أسامة”، خلال تصريح خاص لـ “ذات مصر”، إلى أنه تعذر عليه تقدير عدد الحالات التي أصيبت بالسكتة القلبية في صفوف الشباب، بسبب تفشي فيروس كورونا الذي غطى على الوضع، وهي نفس المشكلة التي تعاني منها الدول في الخارج حسب قوله.

ويُفسِّر “أسامة” سر عدم حصر عدد الحالات بأن “طبيب التخدير حينما يبدأ عمله مع مريض القلب يُفاجأ بأنه مصاب بفيروس كورونا، فينقله إلى مستشفى العزل مباشرةً”.

الدكتور محمد أسامة عميد معهد القلب بالقاهرة
الدكتور محمد أسامة عميد معهد القلب بالقاهرة

عوامل زيادة إصابات الشباب بالسكتات القلبية

فيما يؤكد الدكتور “محمود سليمان”، استشاري القلب والأوعية الدموية، على أن نسب إصابة الشباب بالسكتات القلبية ارتفعت في الآونة الأخيرة، نتيجة 3 عوامل عدّدها لـ “ذات مصر”.

يتعلق العامل الأول، حسب “سليمان”، بالأمراض الوراثية التي تُؤثِّر على نبض القلب، وهو ما يعززه عدم إجراء الأشخاص لفحوصات طبية للاطمئنان على أنفسهم، ومن ثَمَّ تحدث الحالات المفاجئة.

أمّا العامل الثاني، يرتبط بـ “معاناة البعض من الضغط المتزايد، بسبب ظروفهم الخاصة ومتطلبات الحياة التي يواجهونها”، وهو ما ساهم في رفع نسبة الموت المفاجئ، وفق “سليمان”.

وأخيرًا، يُعتبر انتشار المواد المخدرات من الأمور التي تُسبِّب اضطراب في ضربات القلب، ما ينتج عنه وفاة المتعاطي بشكل مفاجئ، فحسب “سليمان”: “يعتبر الكوكايين أكثر ما يتسبب في هذا الأمر”.

ما الأسباب التي تؤدي للإصابة بأزمة قلبية؟

في حين، تابع الدكتور “محمد أسامة” تصريحه لـ “ذات مصر”، بتأكيده على أن ارتفاع عدد الحالات يعود إلى ممارسة كثير من الشباب للرياضة بدون أخذ الاحتياطات والاحترازات الكافية قبل إجراء ممارستهم لتمارين بعينها تناسب أجسادهم، أو  الأمر النقيض تماما، وهو ركون الآخرين منهم للجلوس في المنزل دون أي نشاط.

ويشرح “أسامة”، أن مُمارِس الرياضة يتعرض لهذه الأزمة، نتيجة المجهود الكبير الذي يبذله القلب في هذا الوضع، وبالتالي تظهر عيوب صحية، قد لا يكتشفها الطبيب حال إجراء كشف طبي قبل أداء التدريبات.

ويتابع: “حال اجتياز الرياضي للفحوصات الطبية، فهذا يعني أنه سليم بنسبة 90% فقط، أمّا الـ 10% المتبقية كلها غير مرئية وتحدث فجأة، ويكون الانقاذ فيها من خلال فريق طبي يتواجد في كل فعالية رياضية”.

فيما يحيط خطر السكتة القلبية حول غير الممارسين للرياضة حسب “أسامة”، بسبب ارتفاع نسبة الكوليسترول والدهون في الجسم، مع زيادة الوزن ونسبة السكر في الدم، إضافةً إلى تناول الوجبات السريعة: “هذا كله يؤدي إلى تصلب مبكر في الشرايين، وقصور في الشريان التاجي”.

على النقيض، يعتبر الدكتور “شريف حسين”، استشاري القلب والأوعية الدموية والقسطرة التداخلية، أن نسب إصابة الشباب بالسكتة القلبية ثابتة لم تزد، لكن ما حدث فقط هو ملاحظة هذه الحالات فقط حسب إشارته.

ويضيف “حسين”، لـ “ذات مصر”، أن هذه المشكلة موجودة في الدول الغربية كذلك، لكنها تختلف من بلد لآخر حسب العوامل الوراثية

هل توجد علامات أولية؟

في هذا الصدد، يكشف الدكتور “شريف حسين”، أنه في بعض الأحيان، تكون هناك علامات تدل على قرب إصابة الشخص بسكتة قلبية، يعد على رأسها التاريخ الوراثي للعائلة.

ويردف “حسين”: “من بين العلامات أيضًا التعرض للإغماء المتكرر، وسرعة ضربات القلب بشكل مفاجئ، وهبوط متكرر في ضغط الدم، والشعور بآلام متكررة في الصدر مع بذل المجهود”.

ما سبق، أكد عليه الدكتور “محمود سليمان”، الذي يتابع تصريحه لـ “ذات مصر”: “هناك أمراض تستشعر منها المشكلة، وإن كانت أعراضها بسيطة جدًا، ويصعب على الإنسان التفاعل معها”.

ويكشف “سليمان”: “البعض يشعر باضطراب ضربات القلب حال الاستماع لصوت عال، أو أثناء اشتمام رائحة بطريقة معينة. لكن المشكلة تتمثل في صعوبة تمييزها، وعليه، يجب معرفة التاريخ الوراثي في العائلة، فقد يكون هناك من تُوفي وهو صغير في السن”.

السر وراء بلع اللسان

يُكمِل “سليمان” حديثه، بإيضاح موجز عمّا يلم بمريض السكتة القلبية وقت الإصابة المفاجئة بها. ويشرح:

“يلجأ القلب لضرب ضربات شديدة التسارع كما الكرباج، فلا يقدر الشخص على المشي أو حتى الوقوف. بالإمكان أن تصل ضربات القلب لـ 320 نبضة في الدقيقة. رغم هذا العدد لا يضخ القلب دمًا، الذي بدوره لا يصل إلى المخ، وخلال 3 دقائق يفقد الإنسان وعيه، ومن ثَمَّ يتحول اللسان إلى كتلة لحمية يسهل بلعها”.

يشدد “سليمان” على أن التدخل السريع في هذه اللحظات ضروري: “بعد 3 دقائق يفقد المخ وظيفته. فالصعوبة تكمن في الحفاظ على سريان الدم للمخ، مع العلم أنه من الممكن أن يعود المصاب إلى الحياة لكن بمخ متوقف، ويصبح غير قادر على الحركة”.

مواجهة الأزمة

على أرض الواقع، تُدرِك الدولة المصرية مدى خطورة الإصابات المفاجئة بالسكتة القلبية، مما دفعها لشحذ أدواتها لمجابهة هذا الأمر.

فعبر موقعها الرسمي، تعلن جمعية الهلال الأحمر المصرية، عن تقديمها دورات تدريبية مكثفة، نظرية وعملية، باللغتين العربية والإنجليزية، بغرض تعليم أساسيات الإسعافات الأولية.

وحسب المنشور، تستهدف هذه التدريبات “جميع فئات الشعب”، من طلبة المدارس والجامعات، مرورًا بشباب النوادي والموظفين في مختلف الشركات، وحتى ربات المنازل.

وتهدف هذه الدورات إلى إسعاف المصابين بـ: الأزمات القلبية، وانسداد مجرى الهواء المفاجئ، وإنعاش القلب والتنفس (CPR)، والغرق، والجروح، والنزيف، والحروق، والكسور، وغيرها.

ويستطيع المُتقدِمون الحصول على هذه الدورات من خلال 10 مراكز تدريبية منتشرة في أنحاء الجمهورية. فيما تعمل الجمعية على تقديم هذه الدورات لعدة جهات، منها: القطاع الحكومي، ومنظمات المجتمع المدني، والمنظمات الدولية.

واستمرارًا لهذه الجهود، دشّنت وزارة التضامن الاجتماعي، في مايو من عام 2019، مبادرة “بينا مصر بكرة أحلى”، بالتعاون مع جمعية الهلال الأحمر المصري. واستهدفت هذه المبادرة، تنظيم دورات تدريبية لتعليم أساسيات الإسعافات الأولية لـ 800 ابن وابنة، في 100 دار للرعاية، على نطاق محافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية.

إقرأ أيضا: عن متلازمة “شوغرن”.. ألسنة جافة وعيون بلا دموع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى