دراسات وتحليلات

بعد مقتل “أبو بكر شيكاو”: هل تستحوذ “داعش” على إرث “بوكو حرام”؟

مع إعلان زعيم تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا “ولاية داعش في غرب أفريقيا”، أبو مصعب البرناوي، في 7 يونيو الجاري مقتل “أبو بكر شيكاو” زعيم حركة بوكو حرام في 18 مايو 2021، بعد مواجهات عسكرية مع مقاتلي داعش؛ يُسدَل الستار حول حقبة شيكاو، التي استمرت لمدة عقد كامل من سيطرته على الحركة، مما يفتح الباب أمام المزيد من التكهنات والتنبؤات حول مستقبل الحركة وتنظيم داعش في شمال شرق نيجيريا والمنطقة، وانعكاسات ذلك على المسرح العملياتي في غرب أفريقيا.

دلالات مقتل شيكاو

دار جدل واسع حول ما أوردته وكالات الأنباء الدولية بشأن مقتل شيكاو على مدار أكثر من أسبوعين دون أي تأكيد للخبر، حتى أن الجيش النيجيري قد تردّد في البداية بشأن الإعلان عن مقتله قبل التأكد من المعلومات الاستخباراتية وغيرها، تحسبًا لظهوره مرة أخرى على غرار ما حدث خلال السنوات الأخيرة.

وقد تباينت الروايات المحلية حول مقتله، حيث أشار البعض إلى تفجير شيكاو لنفسه خوفًا من السقوط في يد مقاتلي تنظيم داعش، فيما أشار البعض إلى أنه أطلق الرصاص على نفسه حتى لقي حتفه بعد مواجهات مع عناصر داعش بعد محاصرته في أحد مخابئ بوكو حرام في غابة سامبيسا شمالي شرق البلاد.

داعش في غرب إفريقيا

ويحمل مقتل شيكاو دلالاتٍ عدة على المستوى التنظيمي لكل من بوكو حرام وداعش:

  1. احتدام السباق بين التنظيمات الإرهابية في غرب أفريقيا:

فقد فتح مقتل أبو بكر شيكاو الباب أمام سيطرة تنظيم داعش على معاقل حركة بوكو حرام في شمالي شرق البلاد، مع إمكانية استيعاب معظم مقاتليها، خاصةً في ضوء حالة التدهور التي تعاني منها الحركة خلال السنوات الأخيرة، وبعد مقتل شيكاو -تحديدًا- الذي استطاع الحفاظ على كيان الحركة طوال السنوات الست الماضية.

الأمر الذي قد يسهم في توسع نفوذ تنظيم الدولة في شمال شرق نيجيريا، ما يعني استمرار العمليات الإرهابية بتكتيكات جديدة، مما قد يُنذِّر بالمزيد من الخسائر المدنية وفي صفوف الجيش النيجيري.

  1. استحواذ تنظيم داعش على إرث حركة بوكو حرام:

وذلك من مخازن الأسلحة والمعدات والأموال وجباية الضرائب من المدنيين في المناطق المُسيطَر عليها. بالإضافة إلى السيطرة على معسكرات التدريب وإقامة معسكرات جديدة، وتوفير تدريب مكثف لعناصر التنظيم في الداخل النيجيري، واستقطاب عناصر محلية جديدة للتنظيم، بما يُعزِّز احتمالية تصدير تلك العناصر المقاتلة مستقبلًا إلى مناطق الصراع في دول الجوار الجغرافي.

وقد نجح تنظيم داعش -بالفعل- في إحداث اختراقات مهمة في صفوف حركة بوكو حرام، حيث أفادت بعض التقارير أن داعش كانت ترصد تحركات شيكاو من قبل عناصر موالية لها داخل بوكو حرام، وهو ما أدى في النهاية إلى محاصرته ثم قتله. الأمر الذي قد يُسهِّل من عملية انشقاق عناصر الحركة وانضمام معظم مقاتليها إلى ولاية غرب أفريقيا، مما قد يُمهِّد لنهاية حقبة بوكو حرام في المشهد الأمني الإقليمي بغرب أفريقيا.

  1. تغيير المعادلة وموازين القوى بالنسبة لحركة بوكو حرام في المنطقة:

حيث يضفي مقتل زعيم بوكو حرام المزيد من الضعف على الحركة، التي تعاني سلسلة من التراجع خلال السنوات الست الأخيرة بسبب العمليات العسكرية التي يشنها الجيش النيجيري ضدها، والاقتتال مع تنظيم داعش منذ عام 2016 بسبب الخلافات على المبايعة التي نشبت بينهما.

وفي نفس الوقت تظل احتمالات إعادة ترتيب صفوف بوكو حرام من جديد واردة، مع تعيين قائد جديد خلفًا لشيكاو من أجل الانتقام لمقتل الأخير.

مسلحون من حركة بوكو حرام
  1. تخفيف حدة الأعباء الأمنية عن كاهل الجيش النيجيري:

حيث أن اندماج عناصر بوكو حرام في ولاية غرب أفريقيا لتنظيم داعش، ربما يمنح الجيش النيجري فرصة التركيز على محاربة جبهة واحدة وليس جبهتين، مما يُكثِّف من العمليات العسكرية ضد عناصر داعش لاحتواء مخاطرها في المناطق التي تسيطر عليها في الشمال الشرقي للبلاد.

  1. ظهور داعش كلاعب مهيمن على المسرح الإرهابي في نيجيريا ودول المنطقة:

حيث تمنح سيطرة تنظيم داعش على المناطق الواقعة تحت سيطرة بوكو حرام مساحة حركة له على الصعيد الإقليمي، بحيث يُوسِّع رقعة سيطرته الجغرافية، ويواصل تمدده إلى مناطق إقليمية ساخنة مثل تشاد والنيجر والكاميرون وبوركينا فاسو ومالي، وهو ما يُعزِّز من العلاقات الارتباطية بين عناصر داعش في المنطقة وصولًا إلى ليبيا، مما يعني أن هناك حزامًا مُفخخًا يُهدِّد دول المنطقة في ضوء تنامي نشاط وتمركز تنظيم داعش هناك.

سيناريوهات محتملة

تبرز عدة سيناريوهات محتملة حول مستقبل تنظيمي بوكو حرام وولاية غرب أفريقيا في ضوء المعطيات السابقة، وارتدادات ذلك وانعكاساته على الوضع الأمني على الصعيدين الداخلي في نيجيريا والإقليمي في منطقة غرب أفريقيا والساحل والصحراء.

  1. مستقبل حركة بوكو حرام:

برغم حالة الضعف التي تسيطر على بوكو حرام خلال السنوات الست الأخيرة، وفي ضوء التطور الراهن بمقتل زعيمها، ثمة سيناريوهين محتملين حول مستقبل التنظيم في المشهدين النيجيري والإقليمي:

السيناريو الأول: تفكك حركة بوكو حرام وتشتت مقاتليها. ويرجع ذلك إلى نجاح تنظيم داعش في إحكام السيطرة على معظم معاقل الحركة في شمال شرق نيجيريا، فضلًا عن نجاحه في اختراق الحركة بهدف التجسس على زعيمها وتحركاته حتى مقتله، وانضمام عدد كبير من عناصر بوكو حرام للتنظيم سواء سرًا قبل مقتل شيكاو أو إعلان ذلك عقب مقتله خلال الفترة المقبلة. أضف إلى ذلك، احتمال انقسام القيادات الجديدة للحركة، مما قد يُسفِر عن انشقاقات جديدة بين صفوف الحركة واحتمالية ظهور تنظيمات وليدة في المنطقة.

السيناريو الثاني: دخول حركة بوكو حرام في مرحلة مؤقتة من الكمون التكتيكي بهدف إعادة ترتيب صفوفها واستعادة قوتها قبل العودة للمشهد مرة أخرى. وهنا قد تسعى حركة بوكو حرام إلى إقامة تحالفات جديدة لإعادة ترتيب الأوضاع، مع إمكانية الانتقال إلى بؤر جديدة في بعض دول الجوار أو الانخراط وسط المدنيين في الداخل النيجيري، لإيواء عناصرها خلال الفترة المقبلة، حتى تستطيع العودة ومواجهة تنظيم داعش مرة أخرى.

ويُعزِّز هذا السيناريو بعض المراحل التاريخية التي مرت بها حركة بوكو حرام بحالة من الضعف، خاصةً بعد مقتل زعيمها المُؤسِّس “محمد يوسف” في عام 2009، قبل أن يتم تصنيفها كأحد أخطر التنظيمات الإرهابية في العالم خلال السنوات التالية.

  1. مستقبل ولاية غرب أفريقيا:

يلقي مقتل أبو بكر شيكاو بظلاله على المشهد الإقليمي والمسرح العملياتي في غرب أفريقيا، وسط تكهنات مُبالَغ فيها حول مستقبل هذا تنظيم داعش بالإعلان عن إقامة دولة الخلافة في غرب أفريقيا بعد التخلص من عقبة أبو بكر شيكاو.

شيكاو
شيكاو

ويبرز في الأفق السيناريو الأكثر ترجيحًا بالنسبة لمستقبل ولاية داعش في غرب أفريقيا في توسع نفوذ وسيطرة تنظيم داعش في غرب أفريقيا. ويُقوِّي هذا الطرح تعزيز قدرات التنظيم بالوافدين الجدد من مقاتلي حركة بوكو حرام، والسيطرة على الأسلحة والأموال التي كانت تمتلكها الحركة، بالإضافة إلى احتمالية انضمام عناصر محلية وإقليمية جديدة، وسط حالة من الإحباط لدى معظم الرأي العام النيجيري بسبب ضعف القدرات العسكرية للقوات النيجيرية في القضاء على تلك التنظيمات.

هذا كله يأتي في إطار سياق إقليمي مضطرب، يشهد حالة من الاستقطاب الأمني والسياسي في بعض دول المنطقة، مثل تشاد ومالي، على خلفية الأحداث التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الماضية.

اقرأ أيضًا: كيف تطورت “البيعة” عند الجماعات الجهادية؟

أحمد عسكر

باحث مختص في الشأن الإفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى