سياسةمختارات

بعيدًا عن هُوية الفائز بالانتخابات.. الأمة الأمريكية “منقسمة”

 

تتجه أنظار العالم حاليًّا، ولأيام مُقبلة، صوب الولايات المتحدة الأمريكية متابعةً تطورات انتخابات الرئاسة الأمريكية التي ستقرر ساكن البيت الأبيض للأعوام الأربعة المقبلة، وتختلف هذه الانتخابات عن سابقتها في مناحٍ عدة، فهي كما تصفها حملة المرشح الديمقراطي جو بايدن “معركة لإنقاذ روح الأمة“.

نظام الانتخابات والمجمع الانتخابي

على عكس السائد في مختلف النظم الانتخابية حول العالم، فإن حصاد أحد مرشحي الرئاسة الأمريكية لغالبية أصوات الناخبين لا يترتب عليه بالضرورة فوزه بالانتخابات، والذي لا يتحدد بمجموع الأصوات وإنما بأصوات ما يعرف بـ “المجمع الانتخابي” الذي تُمثَل فيه كل ولاية بعدد من الأعضاء يتناسب تقريبًا مع عدد سكانها، ويساوي عدد ممثلي كل ولاية في المجمع الانتخابي مجموع ممثليها في الكونجرس الأمريكي بغرفتيه مجلس النواب ومجلس الشيوخ.

يحتاج مرشح الرئاسة إلى حصد 270 من أصوات المجمع الانتخابي ليُعلَن رئيسًا للولايات المتحدة، وهو ما دفع البعض لتسمية الانتخابات الرئاسية الأمريكية بــ “الطريق إلى 270”، وتتفاوت الأوزان النسبية للولايات في المجمع الانتخابي بدرجة كبيرة، فنجد على سبيل المثال ولايتي مونتانا ووايومنج في الشمال الغربي تمثل كل منهما بثلاثة أصوات فقط، وتمثل جورجيا بـ16 صوتًا، وفلوريدا بـ29 صوتًا، وصولاً إلى كبرى الولايات الأمريكية، كاليفورنيا، والتي يمثلها في المجمع الانتخابي 55 صوتًا.

ترامب وبايدن

وفي ما يتعلق بالانتخابات الرئاسية تنقسم الولايات الأمريكية إلى 3 فئات: الولايات الزرقاء، والولايات الحمراء، والولايات المتأرجحة/الحاسمة، ويقصد بالولايات الزرقاء تلك المعلوم عنها دعمها لمرشح الحزب الديمقراطي، والولايات الحمراء هي التي تميل لدعم مرشح الحزب الجمهوري، أما الولايات المتأرجحة فهي الولايات التي لا يستطيع أحد التنبؤ بتفضيلاتها، والتي تختلف من انتخابات إلى أخرى، وتكون ساحة المنافسة الفعلية في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ويستهدف كل مرشح حسم عدد من تلك الولايات ليصل بقاعدته المستقرة إلى حاجز الـ 270 صوتًا في المجمع الانتخابي المطلوب للفوز بالانتخابات.

انتخابات 2020 بين القديم والجديد

تشهد الانتخابات الحالية العديد من الملامح الجديدة نسبيًّا على المشهد الانتخابي الأمريكي، فهي أولاً الأكثر من حيث الإقبال على التصويت في تاريخ الانتخابات الأمريكية كافة، كما شهدت هذه الانتخابات كذلك تزايدًا غير مسبوق في “التصويت عبر البريد” وكذلك “التصويت المبكر“، وهذا تماشيًا مع الاجراءات الاحترازية لمواجهة فيروس كورونا، والتي دفعت العديد للتصويت المبكر أو عبر البريد لتجنب زحام يوم التصويت. وقد ترتب تعامل مسؤولو الانتخابات في الولايات المختلفة مع 3 أنواع من الأصوات (أصوات يوم الانتخابات، التصويت المبكر، والتصويت بالبريد) إلى تأخر العديد من الولايات في فرز الأصوات، وكذلك إلى فتح الباب أمام منازعات قضائية حول نزاهة العملية الانتخابية خصوصًا في ظل تغير المؤشرات بين الليلة الأولى والثانية لفرز الأصوات.

خريطة من (BBC) للمنافسة بين المرشحين في الولايات المختلفة

وقد أثبت الديمقراطيون في العديد من الولايات –كما توقعت استطلاعات الرأي– تقدمهم في الأصوات المرسلة عبر البريد، في حين تقدم ترامب في أصوات يوم الانتخابات، وقد انعكس هذا في المؤشرات الخادعة لتقدم ترامب في اليوم الأول لفرز الأصوات في ولايتي ميتشجان وويسكونسن على سبيل المثال، وهو التقدم الذي سرعان ما اختفى لصالح حسم بايدن للولايتين في اليوم الثاني، مع بدء فرز الأصوات البريدية بعد الانتهاء من فرز أصوات يوم الانتخابات نفسه.

وعادة ما يبدأ كل مرشح للرئاسة الأمريكية حملته الانتخابية بقراءة للمجمع الانتخابي للانتخابات السابقة، ويصمم كل مرشح إستراتيجيته الانتخابية بحيث يحافظ على الولايات الداعمه لحزبه في الانتخابات السابقة، ويقتنص عددًا آخر من ولايات المعسكر الآخر أو الولايات المتأرجحة التي صوتت للحزب الآخر في آخر انتخابات. وليس بمستبعدٍ أن يحسم أحد المرشحين الانتخابات في إحدى الولايات المنتمية إلى المعسكر الآخر كما حدث حين حقق ترامب انتصارات -وإن كانت بهامش محدود- على هيلاري كلينتون في ولايات ميتشجان وبنسلفانيا وويسكونسن، وهي المعلوم عنها تصنيفها ضمن ما يعرف بالحائظ الأزرق الذي يضم 18 ولاية أمريكية بالإضافة إلى واشنطن العاصمة (وتعادل 242 صوتًا في المجمع الانتخابي) دأب مرشحو الحزب الديمقراطي للرئاسة على الفوز فيها جميعًا منذ 1992 وحتى 2012.

وبالتالي عند النظر في نتائج المجمع الانتخابي لعام 2016 نجد أن ترامب قد حاز غالبية مريحة بإجمالي 306 أصوات مقابل 232 صوتًا لكلينتون، رغم خسارته للتصويت الشعبي لصالح كلينتون بفارق 3 مليون صوت تقريبًا. وبناء على ذلك كان على بايدن أن يستهدف استعادة الولايات الزرقاء التي اقتنصها ترامب في 2016 وهو ما نجح فيه في ولايتي ميتشجان وويسكونسن حتى الآن، واستهداف الفوز في عدد من الولايات المتأرجحة التي صوتت لترامب عام 2016 كولاية أريزونا أو جورجيا على سبيل المثال ليتخطى حاجز الـ270 صوتًا داخل المجمع الانتخابي.

عمليات فرز الأصوات لا تزال مستمرة في عدد من الولايات الحاسمة

وقد نجح كلا المرشحين في الانتخابات الحالية حتى الآن في حسم معظم الولايات المعلوم ميلها إلى حزبه، ولا تزال المنافسة قائمة في 5 ولايات حاسمة هي نيفادا وأريزونا وجورجيا ونورث كارولينا وبنسلفانيا، وجميعها ولايات متأرجحة تتغير ميولها التصويتية من دورة انتخابية إلى أخرى، ويكون الحسم فيها لصالح أحد المرشحين بفارق أصوات ضئيل للغاية. ومع وصول الأصوات المتوقعة لبايدن داخل المجمع الانتخابي إلى 253 صوتًا وفقًا لتوقعات شبكة سي إن إن الإخبارية، لا يحتاج بايدن إلا إلى أن ينتصر في ولايتي أريزونا ونيفادا (17 صوتًا في المجمع الانتخابي) ليصل إلى حاجز الـ270 صوتًا المطلوبة للفوز بالانتخابات. وعند الأخذ في الإعتبار تقدم بايدن بالفعل على ترامب في هاتين الولايتين حتى هذه اللحظة وإن كان بهامش صغير، يكون بايدن أقرب كثيرًا للبيت الأبيض من الرئيس الحالي ترامب.

ماذا يتبقى؟

تبقى أمامنا إذًا ولايات بنسلفانيا ونورث كارولينا وجورجيا، وهي أيضًا ولايات متأرجحة ويتقدم فيها ترامب حاليًّا على بايدن بفوارق مريحة في بنسلفانيا ونورث كارولينا، وبفارق محدود في جورجيا، ومع الاعتبار بأن الأصوات التي تُفرز الآن هي الأصوات البريدية والمعلوم إقبال الديمقراطيين عليها بنحو أكبر، تبقى الاحتمالية قائمة بأن يقتنص بايدن إحدى تلك الولايات (جورجيا مثلاً) ليحقق بذلك فوزًا مريحًا في المجمع الانتخابي، قد يغلق الباب أمام ترامب للمنازعة في نتيجة الانتخابات.

ترامب يعلن فوزه بالانتخابات ونيته تقديم طعون للمحكمة العليا

سيناريوهات ما بعد إعلان النتيجة

يتوقع الجميع ألا يسلم ترامب بسهولة في حال إعلان هزيمته، نظرًا إلى تصريحاته المتكررة التي تشكك في نزاهة العملية الانتخابية برمتها، وخصوصًا أصوات البريد التي يتقدم فيها غريمه بايدن بنحو ملحوظ. وبدأت بوادر منازعة ترامب لنتائج الانتخابات في الظهور بالفعل، فقد أعلنت حملته تحركات قضايئة لوقف فرز الأصوات أو للطعن في النتائج في عدد من الولايات المتأرجحة التي تحسم المنافسة مثل ميتشجان وبنسلفانيا ويسكونسن وجورجيا. وفي ضوء الإقبال المتزايد على شراء الأسلحة منذ بدء أزمة كورونا، وتزايد التوترات بين أنصار الحزبين الرئيسين مع الجوّ المشحون للانتخابات، لا يستبعد عديد من المتابعين احتمالية اندلاع عنف بين أنصار كلا المرشحين، وخصوصًا حال خسارة ترامب الذي أعلن مرارًا أنه لن يقبل الهزيمة.

أخيرًا يمكن القول بأن الانتخابات الرئاسية الحالية جاءت لتؤكد وتقوي من الانقسام الشديد الذي يعصف بالمجتمع الأمريكي منذ تولي ترامب سدة الحكم عام 2016، فقد تمكن كلا المرشحين من حشد داعميه للتصويت بنحو غير مسبوق في الانتخابات الأمريكية، ورغم كل الانتقادات التي تعرض لها ترامب في الشهور الأخيرة حيال سوء إدارته لأزمة كورونا، أو تراجع الاقتصاد الأمريكي في عهده، أو توجهاته العنصرية فإن قاعدته التصويتية تزايدت بقدر بالغ الدلالة على شعبية أفكاره “اليمينية” داخل أوساط الشعبويين والمحافظين خصوصًا في الضواحي والريف الأمريكي، وهو ما ينذر بعملية سياسية أكثر انقسامًا بصرف النظر عن فوز ترامب أو هزيمته في الانتخابات، فلا يزال الكونجرس منقسمًا بين غالبية للجمهوريين في مجلس الشيوخ، وغالبية للديمقراطيين في مجلس النواب، وبالتالي فإن مهمة الرئيس القادم -أيًّا كان- ستكون صعبة للغاية في إدارة هذا الاستقطاب المتزايد ليس فقط على مستوى المؤسسات الرسمية، وإنما كذلك على المستويين الإعلامي والشعبي.

 

 

أحمد حمدون

مدرس مساعد العلوم السياسية جامعة القاهرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى