تدوين

بقايا القدر

بالصدفة اخترت حبرًا أسودًا لأخط به هذه الكلمات. مقلتاي ترتجفان. كل شيء انزاح عن مكانه الأصلي. وأنا الآن، أختلس نظرات عابرة لانعكاس صورتي على المرآة المنشقة إلى نصفين؛ يبدو سواد عيني غريبًا اليوم، والأرق على محياي بادٍ، وأحمر الشفاه بات باهتًا. ظلامٌ يخيم على غرفتي الخاوية على عروشها.

مضى زمن طويل لم أكتب حرفًا، صرتُ أهاب القلم، فيما تمضي الأيام خيطًا صاروخيًا من الزمن، لم أستطع خلالها تدارك ما فات لأعيد تسجيله، وتخونني الذاكرة كلما أفشيت، وقد تركت الكتمان. لم أعد أكتم شيئًا، والدليل أنني لم أكتم ذلك الآن، ولن أكتم ما هو قادم، فقد رأت الشمس المطر لأول مرة وانهال عليها غزيرًا، فإذا بقوس المطر ينبثق من اللا شيء، لكن الريح أذهبته بعيدًا، ولم يعمر كثيرًا، لم يترك في نفوس الصبية إلا الندم، لن يروه مجددًا حتى يلتقي المطر شمسًا من جديد، ما لن يحدث الآن، فالغيوم تفرقت، وتكبدت عناء الرحيل وتجلت زرقة السماء في الأفق ولم يتبق على سطح البسيطة سوى أيادٍ مبعثرة لا تعرف أين تلوح.

برود، حيرة وجمود، قصة لوحة سريالية لن تُنسى لأنها ستكون محفورة في ذاكرتي للأبد. لا أعي ماهية ذلك الإحساس وكيفية حدوثه. لكن ليس لي فضول للتجربة؛ ما كان كان، جُفّت الصحف ورفعت الأقلام.

لم أضع في قهوتي سكرًا اليوم، لا بد أن كل الاحاسيس تجمدت، بعد أن ثارت أمس. وأنا أحتسي قهوتي أمام المرآة، مجددًا أختلس بعض النظرات إلى انعكاس صورتي عليها، أرشف من كوب القهوة، ثم أعود لقلمي، وبعض أحمر الشفاه لا يزال يُزيّن شفتَيّ الذابلتين كنَهرٍ جاف استوقف المارة فأعرضوا. صمت مهول، أكرهه، يعيدني ويقيدني بالتحدث إلى نفسي. هذا الحديث الذي أخشاه؛ قلبي مثقل بالأحاسيس، لكن فؤادي يُصر على ألا يرضخ.

بعد أن حدث ما حدث، لم يعد شيء يُحيي فيّ تلك الحركة، وتلك الروح المرحة؛ ذبلت وهزلت، وروحي أبت أن تحيى من جديد، وأحاسيسي لا تؤنسني ولا ترفق بي بل تميتني وتحييني.

بعد تلك الليلة الليلاء، كدت أفقد أنفاسي، كدت أغفو فلا أستفيق مجددًا، كدت أندثر، والآن أعاني في صمت، من عيني المتورمة، التي أصبحت تحجب عني الرؤية، فلا أكاد أبصر شيئًا.

وأنا الآن عظام نخرة، لم يعد لي حضور في عالمهم. لست أنا التي كنتها قبلًا، يقتلعون هيكلي من أرضي، وأنا أبصرهم من هوة عالمي الآخر، وكيف لي أن أمنعهم من لمس صغيري وقد تلاشيت ولم يعد لي وجود؟ وقد اختلطت بقاياي بباقة تراب. أسمع ثرثرات يتبدد صداها في آذاني ثم تندثر، موجات أكاد ألتقطها في الفضاء، وكأني أطفو في الفراغ، وكأن صيحاتي وأنيني محبوس في ولا هم ينصتون. رقعة أرضي فلاة، وأعشابها ذبلت، وتكسرت الأغصان.

أحط الرحال الآن في نعش أبدي، وإلى جانبي أطرافي الصغيرة في جو سلمي، بعد محطات من حياة أرهقت فؤادي وجوارحي، لا يؤرق سباتي الآن إلا ثرثراتهم وصيحات أجيال حلت في أرضي، مكاني، كنت أنصت لتمتماتهم، وحواراتهم الصغيرة وأنا أبكي بحرقة، حنينًا للماضي، لرؤية طفلَي أمامي ينعمان بالحياة، مفعمان بالبراءة، أستقي منهما الأمل.

إرادتي تضمحل أمام فؤوس أبت سوى اقتلاع أضلعي وأطرافي من نعشي، ولا ينفع تشبثي ولا تعلقي بهذه الأرض التي لم تعد ملكي ولا شأن لي بها، أرض عمرتها لسنون، احتوتني في سرائي وضراء أيامي.

الورود الحمراء الذابلة اندثرت ولم يعد لها أثر، وخُطى الجنود محت أثر لحدي. تاريخنا صفحة مطوية في كتاب رث وضع جانبًا في رف مكتظ ببنادق المقاومة، ولم يعد فيها رصاص؛ فُرّغ في جماجمنا الصغيرة. رف اهترأ في مكتبة مجهولة وبيت مهجور ضم عائلتي الصغيرة لسنوات، عقود من الزمن، احتمينا به من طاعون، ضم جوعنا وظمأنا، خلافنا وصراعنا، ضم أسرارنا، نجاحنا وإخفاقنا.

في خاطري بحر هائج، منارة لم تعد تنير الطريق لأمواجه حتى تبلغ بر الأمان، تظل هائمة تتصارع وتبتلع كل عاكس للتيار، حتى الجرف الصغير الذي كان محط كل راحل ومرتحل، ابتُلع وصار هشيمًا في أعماق غابرة، ظلامها رعب حقيقي، ورحمة لمن آلمه نور السطح الذي يعمي أبصار من لا بصيرة لهم.

جئته لأول مرة مذ رأيت النور، ذلك اللقاء الذي لم يكن في الحسبان يومًا، ولم أكن لأرغب به مهما حييت، لأنني بكل بساطة كنت أكرهه، أمقته بشدة، وألومه على كل الألم الذي قاسيته في حياتي، على الدموع التي تسللت من جفني في كل ليلة حزينة، وعلى كل كلمة ازدراء التقطتها أذناي. ألومه على الوحدة التي كابدت عناءها لسنوات مضت، وألومه على تركي هناك وراء الزجاج عندما صرختُ معانقة الحياة، فكيف له أن يفعل بي ما فعل؟ كيف سولت له نفسه أن يتخذ أرواحا أخرى فلذات كبد له من دوني؟ ويرمي بي للمجهول؟

تلك المرأة التي لم أعرفها، استقبلتني بحضن دافئ، لم تشأ أن أرى دموعها، أخفتها بسرعة، إلا أنني أدركت أنها تبكي، لكن لماذا؟ حتمًا ليس حنينًا، لأنها لم تعرفني قبلًا، وليس حزنًا، لأننا لم نكن نبكي شخصًا ولم نكن نلعن وضعًا، أدركت أن هناك سرًا، أمرًا لا أعرفه.

لقاؤنا حينها لم يكن أمرًا عاديًا، كان استثنائيًا، تخللته جلسة أدبية بامتياز، تبادلنا فيها أطراف الكلام، أدركت مدى ثقافته، أنه منفتح، أنه هنا لمساعدتي، لكنني لم أكن أطمع في الحصول على مثل هذه الجلسات المعرفية من وقت لآخر، وإنما كنت بحاجة إلى شخص مميز يؤنس وحدتي، يهتم لأمري، يحادثني باحترام، وثقافة.

اللقاء الثاني كان صعبًا، مُرًا، أدركت أن الأمر لا يستحق كل هذا العناء، قد أخطأتُ ربما في اختياري، حدسي وإحساسي خذلني، هل كل شيء سيكون بخير كما أخبرني ليلتها؟ لا أدري. كيف أثق بثرثرة شخص قذفت به أمواج القدر تجاهي، وقد تركني أقرب الناس إليّ.

بدأ فتورٌ يشوب علاقتنا بسبب اقتحامات أطراف خارجية. بدأت الأوضاع تتغير. كان جسدي يتهاوى من فرط الكافيين والنيكوتين والكحول، جاء إليّ شبح غريب، أمسك بيدي وأخبرني أن كل شيء على ما يرام، وأنه ليس هناك ما أخشاه. أدركت أن هذا قدري المحتوم، وأيامي الظلماء أعيشها فوق أساس هشّ متآكل قد ينهار في أي لحظة وتنهار معه أحلامي.

سأكتب اليوم بعربية جديدة، يملأها أمل، رغم إحباطي. لا أريد شيئًا من الدنيا سوى راحة البال، وسماء أنصت لوقع قطرات مطرها على أرض ستحتويني قريبًا. يا ليتها احتضنتني الآن.

ربما اخترت لنفسي شخصية جديدة، ومبادئ جديدة أيضًا، لكن ربما لا أكون مقتنعة بها تمامًا، بل ها أنا أتراجع عن بعضها الآن. حان وقت العودة للسلام الذي ألفته، حرقة الأسئلة تلازمني وضبابية المصير كذلك.

هل أقدارنا مسطرة ومحتمة علينا؟ مكرهون على عيشها، وهل الغوص في كل هذا كُفر؟ أرى أنني قد أفلح في تجاوز كل هذا، وقد لا أفعل؛ طاقتي دون كل هذا التعب ودون كل هذه المعاناة.

مشاهد صامتة، ألوانها باهتة، ضوضاء تعج آذاني رغم صممي. أتذكر المرآة المنشقة لنصفين، ليلتها، أتذكر كل شيء، لماذا غادرتُ غرفتي؟ لا أدري أية ضرورة في ذلك، لكنني فعلتها وليتني لم أفعل، ليتني لم أقدم على ما قمت به، وعلى حسب تقديري، فذلك الحدث كان فاتحة كل الأحداث الأخرى التي توالت دون أن أجد لها تفسيرًا مقنعًا تستند إليه. وما ذنب المرآة في كل هذا؟ لماذا لم أكبح نفسي عن الفعل، بل وأعدت الكرة، ولم آبه بعاقبة ما كنت أقوم به إلا بعد أن فات الأوان.

كان قد رحل عن البيت، وترك في أرواحنا حنينًا لا يقاوم، كنت قد كتبت له في غيابه كلامًا لم يتسن له أن يخيلني أبوح به، “كيف لك أن تواجه أمواج الموت لوحدك في ظلمات الليل، جرفتك بعيدًا وللأبد، لا حول لك ولا قوة، هل صرخت ولم يستجب لصراخك أحد؟ هل ناديت ولم يُلبَّ نداؤك؟ هل استنجدت ولم يُنجدكَ أحد؟ ما بها هذه الحياة قاسية ولا ترحم حنيننا واشتياقنا، ولا ضعفنا؟

ما حجم الفراغ الذي تحس به الآن؟ هل تحس بالبرد؟ هل ستسمع صيحاتنا المتبددة حجم الأفق؟ هل لك أن تعود لوداعنا؟ هل لي أن أرحل مكانك، لأن رحيلي لن يبكي إنسانًا ولن يحزن مخلوقًا؟ هل لا زالت الأحلام تداعبك؟ ما مآل أهدافك؟ هل ستدعها ترحل؟ هل ستتخلى عنها بعد أن وضعت الأساس؟ هل أرسل لك رسالة تذكير، معها وردة؟ أستعود لو فعلتُ؟ هل أشتري لك طعامك المفضل؟ أصلي من أجلك؟ أدعو لك بالرحمة خيرٌ لي ولك؟ هل يئست منك الحياة إلى هذا الحد؟ لم تقدر على تحملك بعد الآن؟ لكنت حملتك على كتفي ولن أتعب يومًا، لم تكن شقيًا ولا مخادعًا، هل الطيبون من يرحلون دائمًا؟ هل لك يا صديقي أن تحدثني عن طعم الموت وهو يداهم الأجفان؟ هل صحيح ما يقولون؟ هل شعرت بوخز أو ألم؟ هل طعمه كتجرع العلقم؟ ما بك لا تجبني؟ ألا ترى أنني أخاطبك! ألا ترى أنني فضولية أكثر من اللازم، أم أن دوري قد حان لألحقك بك؟!” كانت أمواج المتوسط قد عانقت جسده المترهل، ولم نصمد كثيرًا في غيابه، فقد وارت أجسادنا تربة حديقة بيتنا الصغير.

كل هذا الصخب لا يقضي على صرخات تنتشر في ذهني كبقعة زيت، لا تتلاشى أو تضمحل. وذلك الفراغ الذي يسيطر على لحدي، أتخيل كيف لهم أن يتقبلوا غيابنا فجأة، كما تقبلوا رحيلنا، وأتذكر لحظاتنا السعيدة التي قضيناها معًا، تسع سنوات بالتمام والكمال، أفراحنا وشجاراتنا. أتذكر طيبة قلبك، ذكاءك، سرعة بديهتك، جمال روحك وصبرك. لم أكن أقدر ذلك قبلًا، لم أستوعبه كل الاستيعاب، قابلته بالإهمال، فعذرًا، وكيف لعذري هذا أن يجمع شتات حياة غربت عنها الشمس؟ لقد تأخرتُ كثيرًا ولا تشفع لي أعذار الدنيا.

وفجأة توقفت عن الكتابة:

وضوء الشمس تبدد قبل أن ينير عتمتي

أقلامي جفت كلها،

ورفرفت في الفضاء أوراقي

وردي ذبل لونه،

وعطشى شتلاتي

والقمر ينوح في العالي،

رافضًا فراقي.


اقرأ/ي أيضًا:

نجاةٌ ما، فردوسٌ شخصيّ

النبق العظيم

خديجه بوفوس

كاتبه وصحفيه مغربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنظر أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى