بلاد بلا ضفاف

الأرض والسماء تُغرقان السودان

تنفتح سماء العاصمة السودانية الخرطوم كما لم تفعل من قبل. تقترب من الأرض. تدنو وتتدلى على رؤوس المباني الواطئة والبيوت الفقيرة، مُزمجرة بهزيم رعودها وضاربة ظلمة ليلها الحالكة ببروقٍ تخطف الأبصار وتخلع القلوب.

بلغ معدل منسوب النيل الأزرق القادم من الهضبة الإثيوبية ارتفاعًا قياسيًّا، لم يُشْهد مثله منذ 1902، بحسب الخبراء والمسئولين.

على الأرضِ تتحالف الأنهار الجارية ببطء تحت المدينة الفقيرة، الخارجة لتوِّها من ثورةٍ شعبيةٍ أطاحت باستبدادِ ثلاثة عقود من حكم الإخوان المسلمين، خلّفت حالة من السيولة السياسية والاقتصادية مع نثيث المطر؛ فيصبح السودان كله -وليس عاصمته فحسب- “صعيدًا زلِقًا”.

مشهد لمنازل صارت أثراً بعد عين

تذوب بيوت اللبن في الماء، فتتذكر “علويِّة عباس” بيت الشعر القديم “طينٌ أنا وهو ماءٌ * والطينُ في الماء ذائب”، وهي ترى بيتها الصغير المُكوّن من غرفتين وصالة يذوب بفعل الفيضانات والأمطار غير المسبوقةِ كفص ملح.

كانت الطبيعة تَعُد عدتها وعديدها وعتادها لاكتساح البلاد وتدميرها منذ يوليو المنصرم، فيما كانت حكومة “عبدالله حمدوك” ومعارضوها منصرفين إلى جدل فوقيّ حول علمانية الدولة وإسلاميتها، حينها كانت أطراف البلاد القصيّة؛ خاصة شرقها، تُدير معارك قبليّة مماثلة لـ”داحس والغبراء”، وكانت أنفاس المواطنين في المدن والقرى على طول البلاد وعرضها تتقطع من أجل الحصول على خبز ودواء ومقعد في وسائل مواصلات متهالكة وأكثر قسوة من أسنمة النوق وصهوات الخيول.

حكومةٌ في وادٍ وشعبٌ في آخر

الحكومة والنخبة السياسية في شغلها الشاغل عن هموم الناس اليومية، مترفعة عنها إلى جدل لا يُسْكِتَ جوعًا ولا يقي بردًا أو حرًّا أو مطرًا أو ريحًا. الأرض والسماء أعلنتا ثورتهما على الجميع. هطلت السماء وفاضت الأنهار بسخاءٍ فأوقفت الحياة.

عبدالله حمدوك، رئيس وزراء السودان

وجد آلاف الأشخاص أنفسهم بلا مأوى، فيما تسببت الفيضانات بمقتل نحو 100 شخص، وانهيار 100 ألف منزل، بحسب المصادر الحكومية الرسميِّة، وأكثر من ذلك بحسب مصادر أخرى، الأمر الذي أجبر مجلس الأمن والدفاع على إعلان حالة الطوارئ لثلاثة أشهر ابتداءً من الجمعة 4 سبتمبر الجاري.

وكان الدفاع المدني أعلن الاثنين المنصرم؛ أنّ الفيضانات أسفرت عن وفاة 102 وإصابة 46 شخصًا، وأدت إلى انهيار أكثر من 64 ألف منزل بشكلٍ كلي أو جزئي، فضلًا عن نفوق أكثر من 5 آلاف رأس من الماشية.

وفي حديثه لـ”ذات مصر”، قال خبير الأرصاد “عبدالخالق آدم”، إن “الأمطار الغزيرة مرشحة للهطول بشكل مستمر خلال الأسبوعين القادمين في حوالي 16 ولاية من مجموع 18 ولاية سودانية”.

وأضاف: “كما أن النيل الأزرق وفرعيه الدندر والرهد ربما يحملان المزيد من المياه، حيث لا تزال تهطل بغزارة في الهضبة الإثيوبية حيثُ منابعها”.

كما أكدت لجنة الفيضانات بوزارة الري والموارد المائية، أن منسوب النيل تجاوز أعلى ارتفاع مسجل في الوقت نفسه من العام السابق بـ(39) سم.

دولة تكتفي بالتضامن

“لم يعد يأسرني الخريف، لم أعُدْ أرتب أنفاسي على رائحة الأرض المُبللة بزخات المطر الأولى كما كنت أفعل، فقد صار الخريف كما النيل يتآمران علينا كل عام”. هكذا تحدث “نور الدين عبدالتوّاب”، من منطقة شرق النيل، قرب العاصمة الخرطوم، عن معاناته وأسرته مع فيضانٍ وسيولٍ يتجددان كل خريف.

امرأة سودانية تتأمل أطلال بيتها

وأضاف “عبدالتواب” لـ”ذات مصر”: “لا أثر لجهود الحكومة، فهي لا تفعل شيئًا غير التضامن المعنوي مع المتضررين، هكذا تعوّدنا من كافة الحكومات المتعاقبة، أن تنتظر وقوع الكارثة، ثم تقُدِّم تعازيها ودعواتها بالحيطةِ والحذر، وتناشد الدول الصديقة تقديمَ المساعدات التي تتسرب إلى الأسواق مباشرةً، ولا تصل لمستحقيها إلا استثناءً”.

يواصل: “الآن يعيش آلاف السودانيين النازحين جراء انهيار منازلهم في مراكز إيواء مؤقتة، أغلبها مدارس شِبه منهارة، هؤلاء هم سكان ولاية الخرطوم. أما المتضررون من الولايات الأخرى فلا مُغيثَ لهم، يعانون ظروفًا إنسانية بالغة الحرج والتعقيد، نتيجة نقص الطعام والدواء وتلوث الماء وتفشي الأمراض، خاصة في مدينة توكر، شرق السودان، حيث انهارت مئات المنازل بعد أن غمرتها فيوض نهر بركة”.

"المدينة الملكية" مُهددة بالغرق

يضرب النيلان الأبيض والأزرق. تضرب فروعهما. تنهار المُدن والقُرى الواقعة على ضفافهما. تُرسِل السماء وابلًا متواصلًا من الأمطار، تتوقف قليلًا لتلتقط أنفاسها ثم تعود لتضرب من جديد، فتنهار المدن والقرى البعيدة عن الضفاف.

يمضي النيل في مسيرته شمالًا نحو مصر هادرًا ثائرًا، هائجًا يضرب بجنونٍ ذات اليمين وذات اليسار، فيغادر الحاضر متوغلًا في التاريخ، مهددًا الآثار التاريخية شمالي السودان بغمرٍ وطمر شاملين.

جدول التنبؤ بالفيضان

يُحذّر علماء آثار من أن ارتفاع منسوب النيل يهدد بغمر وتدمير مواقع أثرية قديمة. وبحسب خبير الآثار “مارك مايو”، رئيس وحدة الآثار الفرنسية في السودان، في تصريح صحفي، الاثنين الماضي، فإنّ متطوعين سودانيين بنوا جدرانًا من أكياس الرمل لمنع تمدد النيل نحو بلدة “البجراوية” التي تحوي “المدينة الملكية” (مملكة مروى) التي تعود إلى نحو ألفي عام، وتشمل أهرامات تصفنها اليونسكو ضمن التراث الإنساني العالمي.

وتقع المنطقة الأثرية المهددة بالغرق والدمار على بعد نحو 200 كم شمال شرق العاصمة الخرطوم، وحضر وزير الثقافة والإعلام “فيصل صالح” للمدينة الملكية في “البجراوية” للوقوف على الأوضاع الراهنة، وبحث التدابير اللازمة لحمايتها من خطر الفيضان؛ إلا أن “مارك مايو” حذّر من أنّ الإجراءات الحالية لحماية الموقع لن تكون ذات جدوى إذا ما استمرت مناسيب النيل في الارتفاع أكثر مما هي عليه.

نهاية المطاف

لا أحد يعرف ماذا تُخبّئ السماء للسودان في الأيام القادمة، وما هي خطط النيل وفخاخه المقبلة؟ وما مصير المتضررين بعد انحسار الفيضان؟ وهل تمتلك الحكومة السودانية خططًا لدرء ومكافحة آثار تفشي الأوبئة والأمراض المتوقعة؟

دون جدوى يحاول حماية منزله من الانهيار

الجميع ينتظرون أقدارهم، فيما تتوالى المساعدات الإغاثية من الدول الصديقة، وعلى رأسها مصر والإمارات، حيثُ أقلعت طائرتا نقل عسكريتان من القاهرة وطائرة من أبوظبي إلى مطار الخرطوم وعلى متونها مواد غذائية ومستلزمات طبية وأدوية وخيام مقاومة للأمطار، وغيرها.

فيما قالت بريطانيا إنها تعمل مع الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكوميِّة من أجل الاستجابة الفورية لتخفيف آثار الفيضانات والسيول.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

عبدالجليل سليمان

صحفي سوداني

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search