بمعايير خاصة للأقليات

قفزة "الأوسكار" لا تذهب لأي مكان

تتوجه صناعة السينما في العالم كله لسياسات دمج وشمول للفئات الأقل تمثيلًا بها. النساء والأقليات العرقية هم الفئات الأكثر استهدافًا لهذا. وبعد سنوات من المشاحنات داخل وحول أكاديمية فنون وعلوم السينما الأمريكية، التي تمنح جائزة الأوسكار، فوجئ الجمهور بقواعد جديدة ملزمة لترشيحات الأفلام في فئة أوسكار أفضل فيلم، لم يكن الأمر مفاجئًا داخل صناعة السينما الأمريكية، لكنه وضع الضوء على تناقضاتها التي يمكن أن تمثل فرصة لأقلية هامشية في هوليود مثل السينمائيين العرب.

ما هي معايير الشمول الجديدة لجائزة أفضل فيلم؟

تهدف المعايير الجديدة إلى زيادة نسبة المشاركة من النساء، والأقليات العرقية (من أصول إفريقية ولاتينية وآسيوية وشرق أوسطية ومواطنين أصليين من ألاسكا وهاواي وجزر المحيط الهادئ)، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمثليين والمتحولين جنسيًّا، وسوف يتم تطبيقها بداية من عام 2024.

وتضم هذه المعايير 4 أقسام، يحتاج الفيلم لتلبية متطلبات قسمين فقط لكي يمكن ترشيحه لجائزة أفضل فيلم:

  • فريق التمثيل والقصة.
  • الفريق المهني خلف الكاميرا.
  • فرص التدريب المهني في شركات التوزيع والتمويل.
  • فرق العاملين في التسويق والدعاية والتوزيع.
الانتخابات الأمريكية تحرك ردود الأفعال

معظم ردود الأفعال الأولية للقرار نشأت على طول الصدع السياسي العظيم الذي يسبق الانتخابات الرئاسية المقبلة في نوفمبر، وهي أكثر الانتخابات في تاريخ أمريكا تفجيرًا للاستقطابات الاجتماعية، سواء من حيث التنافس بين حزبي الديمقراطيين والجمهوريين، أو بين المحافظين والحركات الاجتماعية التي نشطت بسبب سياسات الرئيس الحالي “دونالد ترامب”.

الرئيس الأمريكي ترامب وأبرز منافسيه جو بايدن

المدير المكلف السابق بوكالة الأمن القومي الأمريكي “ريتشارد جرينيل”، وصف المعايير بأنها “من فعل الديمقراطيين المسيطرين على هوليود“، وأن الجائزة ستذهب إلى “أفضل فيلم صائب سياسيًّا”. “جرينيل” هو عضو بارز بالحزب الجمهوري، وأيضًا مثليّ ممن تستهدف معايير الشمول زيادة تمثيلهم.

الممثلة والمنتجة “كيرستي ألي”، وهي عضو بالأكاديمية منذ 40 سنة، ومعروفة بميولها المحافظة، كانت أشد المنتقدين حدةً للمعايير الجديدة، وعبر حسابها على تويتر وصفتها بأنها قوانين ديكتاتورية وضد الفن، وأنها نتاج تمايل هوليود نحو أقصى اليسار. لكن غالبًا لن تتأثر “ألي” بالمعايير الجديدة سلبًا، فآخر حضور سينمائي لها كان بعام 1999.

انتقاد آخر من جانب غير متوقع، وهو جانب حركة #MeToo (أنا أيضًا تعرضت لهذا) الهادفة لتشجيع النساء في صناعة الترفيه والإعلام على الإبلاغ عن حالات التحرش والإساءة الجنسية. مديرة الإعلام بالحركة “كيلي نيكول تيريل” ألقت الضوء على الجانب الواقعي للقرار، وفيه ستكون المخرِجات من أصول بيضاء أكثر استفادة من غيرهن، رغم النوايا الطيبة، كما أنه -في النهاية- تظل الخطوة الأكبر للفوز بالأوسكار هي الوصول للموارد التي تسمح بإنتاج فيلم روائي طويل، وهو ما لا يتوافر إلا لفئة قليلة من المبدعين.

ولماذا الصناعة صامتة؟
جيم جيانوبولوس

تصاعُدُ الجدل بهذه الصورة يوحي بأن المعايير الجديدة فاجأت صناعة السينما الأمريكية؛ إلا أن “جيم جيانوبولوس” -رئيس استديوهات باراماونت بيكتشرز، وأمين صندوق الأكاديمية- كشف أن عملية وضع المعايير الجديدة تضمنت جس نبض واسعًا للصناعة. “نوقشت المعايير مع المسئولين عن الصناعة تحديدًا للأخذ برأيهم لضمان تبنيهم لها، وهذا يعني كل الاستديوهات، كل الشركات المستقلة، كل النقابات، كل أصحاب المصالح بالصناعة… هذه ليست وصايا مقدسة نزلت من السماء”، قال “جيانوبولوس” لموقع “ديدلاين”.

وأوضح “داون هادسون” -الرئيس التنفيذي للأكاديمية- أن المعايير الجديدة مستوحاة من قواعد الشمول الاجتماعي المطبقة في بريطانيا منذ 2016 من خلال معهد السينما البريطاني، مع تعديلات تخص الاحتياجات في أمريكا، وحاليًّا تعمل الأكاديمية مع نقابة المنتجين في أمريكا لتحديد كيفية تطبيق المعايير الجديدة من النواحي الرسمية.

صحيفة “الواشنطن بوست” أجرت مراجعة للأفلام الفائزة بجائزة أفضل فيلم خلال آخر 15 نسخة من جوائز الأوسكار، لمعرفة ما إذا ما كانت الأفلام يمكنها التأهل تلقائيًّا أم تحتاج إلى تدخلات خاصة بمعايير الترشح الجديدة. ووجدت الصحيفة أن 73% من هذه الأفلام تلبي المعايير تلقائيًّا بدون تدخلات إضافية سابقة، لكون بعضها يناقش قضايا الأقليات، مثل Green Book أو Crash الفائزين بجائزة أفضل فيلم في 2019 و2005.

فيلم Green Book

النسبة المتبقية تتضمن أفلامًا لا تحتاج لتدخلات جوهرية، مثل Argo الذي لا تلبي قصته وشخصياته الرئيسية وأبطاله المعايير الجديدة، فقصته عن عملية استخباراتية لتحرير رهائن أمريكيين محتجزين في إيران. لكن يرى باحثو الصحيفة أن وقوع الأحداث في إيرن يغطي شرط التنوع العرقي بمجموع فريق التمثيل، كما أن شخصيته الرئيسية التي قدمها النجم “بن أفليك” ذات أصول مكسيكية، إضافة إلى وجود مدير التصوير “رودريجو برييتو”، وهو أيضًا من أصول لاتينية. وتستنتج هذه الدراسة أن المعايير الجديدة لن تغير كثيرًا في طريقة عمل الصناعة.

الأوسكار الأبيض يتحيز للأصول الإفريقية

نالت الأكاديمية في 2015 هجومًا عنيفًا عندما حصد ممثلون بيض كل العشرين ترشيحًا المتاحين بفئة التمثيل، ليطلق الناشط “أبريل رين” حملةً على وسائط التواصل الاجتماعي تحمل هاشتاج #OscarsSoWhite (أوسكار أبيض للغاية)، والتي سلطت الضوء على الطريقة التي تعمل بها ترشيحات جوائز الأوسكار، ويشوبها تحيز اجتماعي لصالح الفئة الغالبة من أعضائها.

كل عضو بالأكاديمية ينتمي إلى واحد من 17 قسمًا مهنيًّا، وعلى كل قسم من هذه الأقسام اختيار 5 مرشحين فقط في كل فئة مهنية تقدم لها الجوائز في الليلة النهائية (فيما عدا فئة أفضل فيلم تكون الترشيحات من 5 إلى 10 أفلام)، فمثلًا قسم التمثيل يختار الممثلين، وقسم التصوير يختار مديري التصوير، ثم في ليلة إعلان الجوائز تتشارك كل الأقسام في اختيار عمل أو شخص واحد فائز بكل فئة.

تنبع التحيزات من عضوية الأقسام نفسها، فلقبول عضو جديد بأي قسم يحتاج إلى تزكية عضوين له بالقسم ذاته، كما ينضم المرشحون للجوائز تلقائيًّا إلى عضوية الأكاديمية بالأقسام التي ينتمون لها مهنيًّا. وهكذا فإن التحيز الاجتماعي بالأكاديمية ظل يكرر ويرسخ نفسه لعشرات السنوات بدون حتى أن يدرك كل الأعضاء مشاركتهم في هذا.

وبعد الحملة الناجحة في 2015، بدأت الأكاديمية في زيادة الأعضاء الجدد وتنويع خلفياتهم الاجتماعية، فارتفع عدد الأعضاء بنسبة 35% بين عامي 2015 و2018 (928 عضوًا في 2018 وحده مقارنة مع 322 في 2015)، مع مراعاة زيادة تمثيل الفئات التي كان ينقصها التمثيل سابقًا. في 2020 وجّهت الأكاديمية الدعوة إلى 819 شخصًا للانضمام إلى عضويتها، 45% منهم نساء، و36% من أقليات عرقية في أمريكا، و49% منهم غير أمريكيين وينتمون إلى 68 دولة.

وهذا التوجّه ظهر سريعًا في قوائم الأفلام الفائزة بالسنوات التالية، مثل Moonlight (أفضل فيلم وممثل بدور مساعد وسيناريو في 2017) عن شاب من أصول إفريقية يكافح لاكتشاف هويته وميوله الجنسية، Get Out (أفضل سيناريو: 2018) وهو قصة إثارة عن عائلة بيضاء تستخدم السحر لاستعباد الشباب من أصول إفريقية، وGreen Book (جائزة أفضل فيلم في 2019) الذي تدور قصته حول صداقة بين موسيقي مثلي من أصول إفريقية مع سائقه الأبيض، ثم الفيلم الكوري Parasite (أفضل فيلم ومخرج وسيناريو وفيلم دولي: 2020). معظم هذه الجوائز تلقت انتقادات لكونها تمثل انحيازًا عكسيًّا لصالح الأقليات وليست مكافأة للتفوق الفني.

مأزق قانوني متوقّع

وقد تواجه المعايير الجديدة تحديات قانونية من جماعات الضغط واللوبيات المحافظة، ويرى قانونيون أن وضع نسب بالمعايير يمثل كوتة غير شرعية طبقًا لقانون الحقوق المدنية الأمريكي، وقرار سابق للمحكمة العليا في قضية أوصياء جامعة كاليفورنيا ضد باكي بعام 1978، وفيه قضت المحكمة بعدم دستورية اعتماد الجامعة على تحديد نسب عرقية في قبول الدارسين، مع قبول اتخاذ المؤسسة إجراءات إيجابية لقبول المزيد من أبناء الأقليات ببعض الحالات.

كيف يستفيد العرب من المعايير الجديدة؟
يسرا ومحمد حفظي وعمرو سلامة

ضمن فئة المنحدرين من أصول شرق أوسطية وشمال إفريقيا يأتي العرب ضمن الفئات المعنية بالمعايير الجديدة، وقد يعني هذا المزيد من فرص لهم في هوليود والأوسكار. بالفعل، استفاد العرب من إجراءات الأكاديمية بالسنوات الأخيرة، وبداية من 2016 تضاعف عدد العرب المنضمين سنويًّا للأكاديمية إلى 6 أعضاء (مقارنة بعضو واحد أو اثنين فيما بين 2012 و2015)، ليصل إلى 12 عضوًا في 2019، من بينهم 4 مصريين، هم: الممثلة يسرا، والمنتج محمد حفظي، والمخرجان عمرو سلامة وكريم عامر، إضافة إلى الحائزين على ترشيحات الأوسكار في 2019 مثل المخرج السوري طلال ديركي (الوثائقي “عن الآباء والأبناء”)، والممثل المصري رامي مالك الذي أصبح أول عربي يفوز بالأوسكار عن تجسيده شخصيةَ الموسيقي فريدي ميركوري في Bohemian Rhapsody، وقبلها حصد رامي أيضًا جائزتي التمثيل في حفلتي الجولدن جلوب وبافتا.

يحقق العرب نجاحات متوالية في هوليود على المستوى التجاري أيضًا. في 2019، قام الممثل الكندي من أصول مصرية مينا مسعود ببطولة فيلم ديزني الضخم Aladdin، واستمر رامي يوسف بنجاح في بطولة الموسم الثاني من مسلسل Ramy على شبكة هولو، وهو المسلسل الذي يقدم أزمة الهوية لشاب عربي مسلم يسعى للاندماج في مجتمعه الأمريكي. وبقصة من هذا النوع فإن المسلسل ضم ممثلين عربًا آخرين مثل الفلسطينية هيام عباس، والمصري عمرو واكد، لكن نادرًا ما تقدم هوليود دراما عن حياة أسرة عربية مثل هذا المسلسل.

المصري رامي مالك

التحدي الذي يواجه العرب في هوليود والأوسكار ليس من كونهم أقلية فقط، ولكن لأنهم أقلية ضمن الأقليات. المعايير الجديدة تضع الأقليات في منافسات بينية حادة، فالأمريكيون من أصول لاتينية يمثلون 18.5% من إجمالي تعداد المواطنين، ثم ذوو الأصول الإفريقية بنسبة 13.4% حسب أحدث إحصاء حكومي في 2019، وهو ما يجعلهما فئتين أكثر تفضيلًا في التمثيل بالعاملين بهذه الصناعة، حتى في قصص تدور عن العالم العربي، اعتادت هوليود توظيف ممثلين من أصول آسيوية ولاتينية كبديل.

تواجد العرب هامشي في هوليود، فداخل الأكاديمية ربما لا يزيد عدد السينمائيين العرب عن 40 عضوًا في أفضل تقدير بعد حفاوة السنوات الأخيرة، ويشكل هذا أقل من 0.4% من أعضاء الأكاديمية الذين يزيد عددهم على 10 آلاف عضو الآن. ربما تكون الفرصة الأكبر للعرب أشبه بمسلسل Ramy، فمع انتشار منصات العرض حسب الطلب عبر الإنترنت، مثل نتفلكس وديزني+، تجد المنصات أن عليها إرضاء جمهور المجتمعات المحلية بتوظيف المزيد من النجوم والقصص المعبرة عنهم، وهو ما قد يفتح نافذة للعرب على الأوسكار.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد حسين

باحث ومحلل في صناعة السينما

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search