قانون بناء الكنائس بين “الخط الهمايوني” والشروط العشرة

رامي شفيق

كاتب مصري

جاء صدور قانون بناء وترميم الكنائس، في العام 2016، ليضع حدًا فاصلًا ونهائيًّا من الناحية القانونية والإجرائية للعلاقة المتجذرة بين أزمات العنف الطائفي التي تحدث على خلفية محاولات بناء كنيسةً جديدةً، أو ترميم كنيسةً قائمة، ففي يناير 2014، صدر الدستور المصري الحالي، وجاء في نص المادة 235 من الأحكام العامة والانتقالية منه ينص على أنّ يُصدر مجلس النواب في أول دور انعقاد له بعد العمل بهذا الدستور قانونًا؛ لتنظيم بناء وترميم الكنائس بما يكفل حرية ممارسة المسحيين لشعائرهم الدينية، وتفعيلًا لهذه المادة، صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 80 لسنة 2016 بإصدار قانون بشأن تنظيم بناء وترميم الكنائس.

يعدُّ القانون بمثابة بداية، وخطوة جادة لجهة تطبيق منظومة المواطنة المصرية، ومن ثمَّ تثبيت قاعدة قانونية ودستورية على الأقل من الناحية التنظيمية، بغض النظر عن الملاحظات، التي يُمكن رصدها وتطويرها؛ بهدف ضرورة السير قدمًا نحو مواكبة المجتمع لهذا التطور الإجرائي والقانوني، فضلًا عن ضرورة متابعة القرارات والإجراءات التنفيذية لمواد القانون، وعليه اختبار الأمر بتفاصيله وعناصره المتباينة على أرض الواقع، باعتباره بطاقة المرور الحقيقية لنجاح تطبيق هذا القانون.

تُشكل المسألة القبطية في الفضاء المصري، عبر العقود الماضية، حيزًا مهمًا على أكثر من مستوى، وذلك على خلفية إشكاليات عدة ترتبط جميعها بالسياق السياسي والمجتمعي، فضلًا عن السياق الأمني الذي يضطلع منذ عقود طويلة بمهام خاصة في وأد الأزمات بين جماعات العنف والأقباط، بواسطة الجلسات العُرفية التي تبتعد بالأزمة عن الانفجار، بينما تترك كل مفاعيلها رهينة زمن آخر؛ لتعلن من جديد عن نمط حضورها.

ثمّة اشتباك بين عدد من العوامل السياسية والقانونية، وكذا، الظروف التاريخية التي تتماس وقضية بناء الكنائس وترميمها، منذ لحظة صدور قرارات الخط “الهمايوني” في عهد السلطان “عبدالمجيد الأول”، في العام 1856؛ إذ جاء الغرض منه تنظيم بناء دور العبادة في جميع الولايات التابعة للدولة العثمانية، ويُطبق على كل المِلل والأديان غير الإسلامية، ويضاف إلى ذلك قرارات وكيل الداخلية المصري آنذاك، “محمد العزبي باشا” في فبراير العام 1934، إبان وزارة “عبدالفتاح باشا يحيى”، والأخير قام بوضع 10 شروط لبناء الكنائس، جاءت جميعها على الجانب المواجه لكل المبادئ الدستورية الخاصة بحرية العبادة والمساواة بين المواطنين المصريين، وقد ارتبط الأمر كله بمدى العلاقة بين القديس والرئيس.

صدر الخط “الهمايوني” من الباب العالي بعد عامين من تولي “سعيد باشا” الحكم، والذي امتد حكمه بين عامي 1854 وحتى 1863، وذلك إبان حبرية “البابا كيرلس” الرابع المعروف بـ”أبو الإصلاح”، والذي اعترض على مساواة بنود الخط “الهمايوني” للطوائف والملل كافةً في بناء وترميم الكنائس، كما صدر في عهده “فرمان” الباب العالي باعتبار البروتستانت طائفة مستقلة، ومن ثمَّ بدأ توافدهم إلى مصر، فتم تدشين أول مجمع مشيخي إنجيلي في العام 1860.

مثلت قرارات الخط “الهمايوني” نقطة ارتكاز مهمة لقرار بناء وترميم الكنائس، واستقرارها في قبضة الدولة، والتي امتدت لعقود طويلة تتحكم فيها السلطة دون مراعاة للأبعاد الاجتماعية والثقافية وما يعتريها من تغيرات.

بعد وفاة “البابا كيرلس” الخامس في العام 1927، اختارت الكنيسة القبطية “الأنبا يوأنس التاسع عشر” قائم مقام للكنيسة، ثم تبوأ “يوأنس التاسع عشر” الكرسي البابوي بترحيبٍ من “الملك فؤاد” وبعض رجال الدين، بينما اصطف آخرون بجانب الأنبا “مكاريوس أسقف أسيوط”، الذي وافق على مطالب المجلس المِلّي، وقد امتدت حبريته خلال عصر “الملك فؤاد” وبعض سنوات “الملك فاروق”، وخبرت تلك الفترة مشاهد اتصلت بشكلٍ مباشر بتاريخ مصر والتغيرات السياسية التي تركت آثارًا واضحةً.

اصطف “الأنبا يوأنس التاسع عشر” داخل خندق “الملك فؤاد” والحكومة في مواجهة حزب الوفد من ناحية، والمجلس المِلّي من ناحية أخرى، خاصةً وأنّ المجلس أرق حبرية “البابا كيرلس الخامس”، ووضعه مع “الأنبا يوأنس التاسع عشر” بالمنفى؛ وعلى خلفية ذلك الاصطفاف، رحب “الأنبا يوأنس” بدستور “إسماعيل صدقي”، المعروف بدستور 1930، ووافق على الشروط العشرة لبناء وترميم الكنائس.

تبدو التفاهمات التي انعقدت بين مؤسسة الرئاسة في زمن الرئيس الراحل “جمال عبدالناصر” وبطريرك الكنيسة القبطية “البابا كيرلس السادس” على استلام عدد معلوم من تراخيص الكنائس يتحرك في تشييدها بالشكل والزمن الذي يراه ملائمًا، يعكس طبيعة العلاقة الجديدة والمتميزة التي بدت عليها الأمور عقب ثورة 23 يوليو 1952.

 بيد أنّ الأمور اتخذت مسارًا مختلفًا عقب تولي الرئيس الراحل “محمد أنور السادات” حكم مصر، وجلوس “البابا شنودة” على كرسي الباباوية؛ إذ شهدت مدينة الخانكة أطراف العاصمة في نوفمبر العام 1972، حادث حرق جمعية الكتاب المقدس أثناء تأدية الشعائر الدينية، وعلى إثر ذلك بدا للجميع أنّ ثمّة أزمة تتجمع وقابلة للانفجار، وعلى خلفية ذلك الأمر، استجاب الرئيس “السادات” لنصيحة الكاتب الكبير الراحل “محمد حسنين هيكل”، بمنح “البابا شنودة الثالث”، تصريحًا ببناء 50 كنيسةً، الأمر الذي يرهن الأمر كله مرة أخرى في قبضة الرئيس، دون الالتفات إلى قدرات ورؤية الأجهزة التنفيذية حيال تنفيذ القرارات الخاصة بالبناء أو الترميم.

ربما كانت تلك اللحظات ترسم بدايةً جديدةً للمشهد السياسي المصري، ومدى تداخل الإسلام السياسي على تخوم أحداثه وتفاصيله المعقدة، خلال العقود التالية من حكم “السادات” و”مبارك”؛ حيث أسس الأخير علاقته مع “البابا شنودة الثالث” بعدما خرج من مقر الإقامة الجبرية بدير “الأنبا بيشوي” في مطلع العام 1985، على أنَّ السبيل بينهما يسير دومًا في خطوط متوازيّة؛ ما يفرض بالضرورة البُعد عن مقدمات الصراع وسيناريوهات الصدام؛ وهو الأمر الذي تمثل في  صدور القرار الجمهوري رقم 13 لسنة 1998 في 11 يناير 1998، بتفويض المحافظين بسلطات ترميم وتدعيم الكنائس، ثم صدور القرار  الجمهوري  رقم 453 في 28 ديسمبر العام 1999، بنقل اختصاص المحافظين في الموافقة على قرارات تدعيم وترميم دور العبادة نحو إدارات التنظيم والمباني بالمحليّات؛ لتمسك بسلطة بناء الكنائس الجديدة.

أسهمت التطورات الإقليميّة والدوليّة، التي جرت مع السنوات الأولى في الألفية الجديدة، في حدوث انفراجه شملت قطاعات عديدة في مفاصل الدولة، تركت أثرها على أزمة بناء وترميم الكنائس؛ إذ جاء قرار الرئيس الراحل “محمد حسنى مبارك” رقم 291 لسنة 2005، بحصر الأمر برمته عند سلطة المحافظين في الموافقة على بناء أو إقامة أو إجراء تعديلات أو توسعات في كنيسة قائمة، ووجوب البت في طلب الترخيص، بعد أخذ رأى الجهات المعنيّة، خلال 30 يومًا من تاريخ تقديمه مشفوعًا بالأوراق اللازمة، ولا يجوز رفض الطلب إلا بقرار مسبب.

ويضاف إلى ذلك، ضرورة أنّ يكون ترميم أو تدعيم منشآت كنسية قائم بموجب إخطار كتابي من مسؤولي الكنيسة إلى الجهات الإدارية المختصة بشؤون التنظيم في كل محافظة، والقرار بهذا الشكل يُلقي بكرة اللهب بعيدًا عن سلطة الرئيس، وتضمن أنّ تسير وفقًا للإطار الكبير الذي ترى فيه السلطة السياسيّة حدود العلاقة بين البابا والرئيس، وضرورة أنّ تسير داخل خطوطها المتوازيّة وبعيدًا عن حدية المواجهة.

وإلى ذلك، فإنّ المسافة التي ينبغي على قانون بناء وترميم الكنائس أنّ يقطعها على أرض الواقع، هي محاولة لتجسير علاقات متينة تسقط عندها التوترات الطائفية الناتجة عن بناء الكنائس، وهي الكفيلة بوضع الأسس واللبنات الاولى لدولة المواطنة الكاملة التي تكفل لمواطنيها كافة حرية العقيدة والحق في العبادة. 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram