بني شنقول - قمز

أهلًا بكم في أرض الفولكلور.. والذهب

الفولكلور (الثقافة الشعبية) هو حكمة الشعب. وهذه الثقافة شجرة وارفة تتفرع منها ثقافات شعبية فرعية تطل على حديقة من العادات والتقاليد والمعتقدات والخبرات والمعارف الخصوصية جدًّا. عندما نمشي رويدًا رويدًا مع هذه السطور نجد أنفسنا أمام حديقة إفريقية مكتوب على بوّابتها “أهلا بكم.. أنت في بني شنقول”.

في أولى خطواتنا ندرك أن بني شنقول هي تعريب لـ”بـلا شنقول”، والتي تعني صخرة شنقول باللهجة المحلية، وهي في معتقدات أهلها تدل على حجر مقدس يقع في جبال منكه، إحدى المناطق الّتي استوطنتها الجماعات عند وصولها إثيوبيا. في هذه المنطقة (إقليم بني شنقول – قمز الإثيوبي) يبنى سد النهضة (على بعد 40 كم فقط من الحدود السودانية).

إقليم بني شنقول - قمز الإثيوبي
مكان فريد

على مساحة 50 ألف كم يعيش 4 ملايين نسمة في جغرافيا وديموغرافيا متداخلة مع ولاية النيل الأزرق السودانية بحيث لا يستطيع أحد أن يفرق بين الإثيوبي والسوداني في تلك البقاع.

أول دولة سودانية

قوميات ذات أصول سودانية متنوعة كانت أسست عام 1504 أول دولة سودانية سميّت بالسلطنة الزرقاء، وعاصمتها سنار المدينة القائمة حتى الآن في شرق السودان. تمثّل مجموعات “الفونج، القمز، البرتا، الوطاويط، الشناشا، الكوما، والماو” أهم المجموعات العرقية التي تسكن الإقليم، علاوة على القبائل الإثيوبية الأخرى التي نزحت إليه من أعالي الهضبة واستقرت بين السكان المحليين.

في أحاديثهم الخاصة، يذكر أهل بني شنقول أن أصولهم تنتمي إلى شرق السودان في مناطق السلطنة الزرقاء (1521-1804). حدثت تحولات لاحقة. ففي أثناء القرن السادس عشر توسعت الدولة السودانية سالفة الذكر إلى غرب إثيوبيا حاليًا، في الإقليم الذي يعرف باسم بني شنقول-قمز.

مواطنو بني شنقول
سلاطين الفونج

تميز سلاطين الفونج بالمقدرة على اكتشاف السحر، وتعدد الزوجات. يعتقد أن التعويذات المكتوبة في سنار تتمتع بقوة حماية خاصة، سادت اللغة العربية في سائر المعاملات ومفاصل الحكم، وكان لشيوخ الصوفية اليد العليا في البلاط. مملكة قبائل الفونج الذين ينسبون أنفسهم لبني أمية، امتد نفوذها إلى وسط وشمال السودان، وجنوبًا على ضفاف النيل الأزرق ووسط وغرب إريتريا حتى البحر الأحمر، وقد بسطوا نفوذهم بمصاهرة رؤساء القبائل.

ورث يعقوباب بني شنقول الحكم إثر سقوط سلطنة الفونج، باستيلاء عبدالرحمن خوجلي السلطة ليصبح ملك بني شنقول، وأميرًا بعد أن بايع قائد الثورة المهدية الإمام المهدي، ثم سرعان ما تمرد على الخليفة عبدالله التعايشي، وقاوم غزو الأحباش.

بني شنقول إلى إثيوبيا

تحالف خوجلي الحسن مع الإمبراطور منليك الثاني ليتم تنصيبه ملكًا على الإقليم عام 1899 متوغلًا بالجيش الإثيوبي حتى فازوغلي والروصيرص. أجرت بريطانيا اتفاقية أديس أبابا عام 1902 ليتبع إقليم بني شنقول إثيوبيا، الذي كان يتبع السلطات الخديوية المصرية سابقًا. وأن تنسحب القوات الإثيوبية إلى الجنوب عند باردا–بمبدي وأن تنسحب كذلك من القلابات. اتفاقية الحدود أتت بدون معنى لمصالح ورغبة شعب المنطقة، وتمنح بموجبها السلطات البريطانية امتياز التنقيب عن الذهب والفضة وكل ما يستخرج من باطن الأرض في كامل الإقليم.

الإمبراطور الإثيوبي منليك الثاني
لوحة الحياة الشعبية

الفولكور حاضر في كل وقت. فالعوامل الثقافية المشتركة بين مكونات المجتمع تشكل رابطًا شعبيًا مهمًا. اللغة والدين والعادات والتواصل الاجتماعي ممتد على تخوم النيل الأزرق سواء في السودان أم في إثيوبيا. الشلوخ -ثلاث خطوط طولية على الحدود- التي تنتشر عند قبائل بني شنقول، ومعظم قبائل وسط وغرب إريتريا، والدناقلة في شمال السودان. الزي السوداني كاسح. يحترف السكان الصيّد والزراعة والرعي كما يعمل البعض في استخراج الذهب وهي من الحرف التقليدية المتوارثة.

الزواج من الأعراق الأخرى ليس بشائع، ومن يجرؤ يتم إدانته بشدة، ففي ثقافتهم الشفاهية يشبهون ذلك بتزاوج الضأن والماعز. المهر يقرره الشيوخ وتدفعه عائلة الزوج من أبقار، ماعز، بنادق، ومحاصيل زراعية.

العلاج خلال الشفاء الروحي والبدني بيد الشيوخ ويعزى لثقافتهم الاجتماعية التي تعتمد إلى حد كبير على الأعشاب الطبية التقليدية، ولا يزال استخدامها على نطاق واسع للوقاية والعلاج، ترتكز على الأعشاب البلدية والمنتجات الحيوانية والمعدنية. العلاج نوعان؛ بدني بالأعشاب، والروحي يرتكز على الممارسة الدينية السحرية (الزار). يجمع المعالجون التقليديون أجود أنواع النباتات الطبية التي تنمو على ضفاف وادي دورا ذي الأراضي المنخفضة والنيل الأزرق.

الوازا
الآلة الموسيقية الشعبية

الوازا؛ آلة نفخ موسيقية من أبرز الموروثات الثقافية لبني شنقول في مناطق النيل الأزرق في إثيوبيا والسودان. يستعملها الرجال في أغلب مناسباتهم السعيدة، الحزينة، وتعد وسيلة دعوة لعقد اجتماعاتهم. يتم تصنيعها من نبات القرع الجاف، وعيدان الخيزران.

تحرير بني شنقول

تمردت قبائل بني شنقول على السلطات الإمبراطورية الإثيوبية في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، حاملةً عددًا من المطالب كان من بينها المطالب التالية:

1- عودة الإقليم إلى السودان وقوبل بالعنف المفرط من قبل الإمبراطور “هيلي سلاسي”.

2- حكم ذاتي في إطار الدولة الإثيوبية جوبه برد فعل عنيف من قبل الإمبراطور “هيلي سلاسي” و”منقستو هيلي ماريام”.

واستمرت أمواج المقاومة تعلو حينًا وتخفت تارة أخرى، ويتم مواجهتها بالقوة المفرطة. وسط تغييب وتعتيم إعلامي كبير لقضاياهم.

الإمبراطور هيلي سلاسي
اتفاق سلام مع أديس أبابا

تأسست الحركة الشعبية لتحرير بني شنقول في مطلع تسعينيات القرن الماضي بدعم قوي من السلطات السودانية. وقد توصلت لاتفاق سلام مع الحكومة الإثيوبية عام 2005 إلا أنه انهار بعد عام، لتواصل الحركة الكفاح المسلح في عام 2013 وصولا لاتفاق نهائي، بموجبه تدير الحركة الإقليم منذ ذلك الوقت، وقد دخلت في تحالف مع الحزب الحاكم (الاهودق) العام المنصرم في تأسيس حزب الازدهار.

والحركة تسعى لانفصال الإقليم. وهي حركة يقودها السفير الإثيوبي السابق “يوسف حامد ناصر”. وقد أعلنت في أحد بياناتها الرسمية “رفضها القاطع لإقامة سد النهضة في الإقليم، واصفةً المشروع بأنه إهدار لثروات الإقليم، لا يستفيد منها المواطن، وسيؤدي إلى تهجير ما يقرب من خمسين ألفًا من المناطق المجاورة للسدّ. وإغراق ما يقدر بنصف مليون فدّان من الأرضي الزراعيّة”.

الحركة الشعبية تعتمد على السلاح. تقوم بعمليات بين حين وآخر للهجوم على الوحدات العسكرية لمقاومة ما تصفه بالاحتلال الإثيوبي للإقليم. وقد أعلنت الحركة مؤخرًا معارضتها لسد النهضة، معتبرة أنه “سيدمر مقدرات بني شنقول”. موقف يؤزم علاقة الإقليم مع إثيوبيا لكن يفتح الباب أمام تسليط الضوء أكثر على إقليم خاص جدًّا في موقعه الجيوسياسي.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

حسن إدريس طويل

صحفي أريتري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search