ثقافة وفنحوارات

بودكاست| عمر طاهر: أكتب كما كنت أذاكر في ثانوي

عُرف الكاتب والصحفي المصري عمر طاهر بكتاباته عبر النوعية، الخارجة عن إطار تصنيفات الأنواع الأدبية. و”الكتابة عبر النوعية” تعني أن يتخطى الكاتب قواعد جنس أدبي ما إلى أجناس أخرى أدبية وفنية، والإفادة من تقاليدها، بما يفتح مساحات أوسع للكاتب، ويجعله أكثر حرية في التعبير.

يسبب هذا لعمر طاهر “مشكلة دائمة في التصنيف”، كما قال. وفي أغلب إنتاجاته يمكننا أن نرى كتابة لا يحدها نوع أدبي، منطلقًا من تعريف الأدب كإنتاج تخيّلي يستخدم اللغة استخدامًا خاصًا، وليس عبر تعريفه بالأصناف الأدبية.

لذا فإلى جانب إنتاجه الشعري على تعريفه، في: “عرفوه بالحزن” (2003)، و”وضع محرج” (2005)، و”قهوة وشيكولاتة” (2008)، والروائي كما في “كحل وحبهان” (2019)، ومؤخرًا في القصة القصيرة عبر مجموعة “بعد ما يناموا العيال” (2021)؛ يلجأ طاهر إلى ابتداع هوية نوعية جديدة يمكن تسميتها بـ”الألبوم”، وهي العلامة التجنيسية التي استخدمها في أعمال مثل: “كابتن مصر” (2007)، و”ما يحكمشي” (2010)، حيث يمزج بين الفنون البصرية والأدبية، في إشارة إلى التقاط صور من الحياة الاجتماعية والسياسية، وتوثيقها أدبيًا في بنية ساخرة، تناسب المفارقات والتناقضات الموجودة داخل المجتمع المصري.

ولد عمر طاهر في محافظة سوهاج عام 1975. وفي عام 1998 حصل على بكالوريوس التجارة وإدارة الأعمال من جامعة حلوان.

عمل صحفيًا ومحررًا في عدد من الصحف المصرية. كتب للسينما والتلفزيون، كما كتب في الأدب شعرًا ورواية وقصة قصيرة، وكتابة عابرة للتصنيفات. وصلت روايته “كحل وحبهان” للقائمة القصيرة لجائزة نجيب محفوظ للأدب من الجامعة الأمريكية.

أجرت “ذات مصر” مقابلة مع عمر طاهر حول الكتابة والأدب والمشهد الثقافي الراهن، وأزمات الكاتب والحالة الإبداعية. يمكنك الاستماع إلى الحوار في هذا البودكاست، أو قراءة نصه فيما يلي، أو الجمع بينهما:


المشهد الأول: عن عمر طاهر

عُرف عن عدد من الكتاب طقوسًا خاصة في الكتابة، مثلًا إرنست هيمنجواي كان يكتب بقلم رصاص منتعلًا حذاء أكبر من مقاسه. إبراهيم أصلان كان لا يكتب إلا على ضوء الشمس. ما هي طقوس عمر طاهر في الكتابة؟

لم تتغير طقوسي في الكتابة. هي نفسها منذ أيام المذاكرة وأيام الطفولة والمراهقة. تقوم طقوسي على فكرة بسيطة جدًا تتلخص في “تمرير الوقت”، وكأن محاولات التمرير بمثابة الفرن الذي تستوي فيه الأفكار على نار هادئة.

تشمل هذه الطقوس الاستماع إلى الموسيقى، ومشاهدة الأفلام، أو إشعال بعض أعواد البخور، أو ترتيب المكتبة أو المشي. جميعها محاولات لاستهلاك الوقت والتهيؤ لاستقبال الأفكار والاستعداد للكتابة.

وعند حضور فعل الكتابة نفسه، تختفي تلك الطقوس تمامًا، ويحضر فقط المكان ومكوناته المادية التي تتلخص في كرسي وطاولة.

هل تكتب وفق أجندة مسبقة خاصة بترتيب الأفكار وأولويات الموضوعات؟

لديّ طوال الوقت ملفات مفتوحة داخل رأسي أعمل عليها معًا بشكل متوازي أو متقاطع. كل يوم أضع في ملف منها قدر من الأفكار، وفي اليوم التالي قدر آخر من الأفكار التي تناسب ملفًا آخر.

تتصارع الأفكار جميعها، إلى أن تنتصر فكرة واحدة، وتفرض نفسها على كل الأفكار في الملفات الأخرى المفتوحة. حينئذٍ أتفرغ تمامًا للفكرة التي انتصرت وفرضت نفسها.

في هذه اللحظة أتعامل معها بشكل مختلف، قائم على وضع خطة عمل، وتحديد أهداف، وترسيم لنقطة البداية واستطلاع للحظة النهاية المناسبة.

يشبه الوضع تصميم “بترون” للعمل. وعند جاهزيته، تبدأ مرحلة التنفيذ والتفرغ للكتابة.

يتكلم الأدباء عن مشاريع خاصة في الكتابة. هل لديك مشروع أدبي خاص؟ وما الذي تريده في الأساس من الكتابة وما الذي تمثله لك؟

مشروعي الخاص في الكتابة هو الاستمتاع بفعل الكتابة نفسه. ليس لدي من المشاريع سوى محاولات تحقيق المتعة من الكتابة.

أستمتع بالكتابة وأستمتع بممارستها. بالنسبة لي، إذا تحققت المتعة أثناء الكتابة؛ أثق حينها بضرورة انتقالها ببساطة للمتلقي واستشعاره بها كذلك.

عمر طاهر: لا تمتلك الساحة الثقافية نقادًا، ولا توجد حركة نقدية من الأساس. لدينا فقط انطباعات، وقراء يعبرون عن آرائهم الخاصة

أما عمّا ما تمثله الكتابة بالنسبة لي، فيمكنني القول إنها كل شيء وعكسه: هي الجذور التي تربطني بالأرض، وهي الأجنحة التي تتيح لي التحليق بعيدًا. هي مصدر الشعور بالاستقرار النفسي والراحة والسكينة، وعلى النقيض هي مصدر الشعور بالقلق والتوتر والغضب والارتباك أحيانًا.

الكتابة هي الطريقة التي اكتشفت بها نفسي، ومن خلالها أتطور، وهي المرآة التي تكشف لي العيوب والنواقص.

كتبتَ القصة القصيرة مؤخرًا، وكتبت الشعر والرواية، وأعمال أخرى خارجة عن شروط النوع المتعارف عليها. ما موقفك من مسألة التصنيفات الأدبية والكتابية؟

أواجه دائمًا مشكلة في التصنيف. مقياسي طوال الوقت عند التعامل مع أي عمل أدبي، هو المقياس العام، المعتمد على إجابة سؤال: هل هذا العمل يحتوي على فن أم لا؟ إجابة هذا السؤال هي القاعدة  الأساسية التي أقيّم بها ما أقرأه وأكتبه.

بالطبع قضية التصنيف مهمة وأداة فارقة في تطور المهنة بأكملها. لكن أعتقد كذلك أن الأعمال العظيمة هي الأعمال التي كسرت مسألة التصنيف، وخرجت عن القواعد المألوفة، ومثلت إضافة جديدة ونقلة حقيقية في المسار.

هل تصنف نفسك صحفيًا أم شاعرًا أم روائيًا أم غير ذلك؟

أصنف نفسي كاتبًا. الكتابة هي مهنتي، وما سواها مجرد تنويعات. الكتابة هي البحث عن الأفكار ومحاولة نقلها لآخرين، والبحث عن وسيلة مناسبة للتعبير عنها، وبعد ذلك يبقى اختيار الشكل أو القالب الذي تنقل فيه الفكرة، سواءً قصيدة أو رواية أو سيناريو أو مقال؛ جميعها وسائط. المهم في الأساس هو النجاح في توصيل الفكرة للمتلقي.

هل هناك كاتب في الوقت الحالي لا يمكنك تخيّل المشهد الأدبي من دونه؟ ومن من الكتاب أثروا في كتاباتك وتصوراتك ودوافعك للكتابة؟

الوسط الأدبي مليء بالعديد من الأدباء والشعراء المؤثرين في المشهد، ولا يمكن تخيله بدونهم، وبالطبع غيابهم سيؤثر كثيرًا في الخريطة الثقافية والإبداعية.

اقرأ أيضًا: في أثر إيمان مرسال.. خلفَ من سقطوا معذبين

أما الأسماء التي أثّرت في كتاباتي وتعلمت منها، فهي كثيرة ولا تنتهي. أتعلم طوال الوقت ممن يقدم إنتاجه وأفكاره بشكل مختلف وبأسلوب جديد ومجهود حقيقي، حتى النماذج التي لا تتوافق مع ذوقي الفني والأدبي أتعلم منها طالما أنها نجحت في الوصول إليّ، فالمدرسة مفتوحة وأنا لا أتوقف عن التعلم طوال الوقت.

المشهد الثاني: عن القارئ

هل تختار قارئك؟ بمعنى أدق: هل تهتم بتحديد الجمهور المستهدف من القراء؟ وما نوع القارئ الذي تكتب له؟

لا أضع أمامي قارئًا محددًا أثناء الكتابة. لكن ذلك لا يمنع وجود محاولات انتقاء لمواصفات يجب أن يمتلكها القارئ بشكل عام، مثل: أن يمتلك القدرة على إدراك الجمال، وتثمين المجهود. أن يتخطى ما هو مكتوب لقراءة ما بين السطور، أن يتجاوز دائمًا انطباعات القراءة الأولى، وتكون القراءة الثانية لديه أكثر ثراءً واستكشافًا.

عمر طاهر
عمر طاهر: أبحث عن القارئ الذي يهتم بقراءة النص نفسه، بعيدًا عن محاولات قراءة الكاتب

أبحث عن القارئ الذي يهتم بقراءة النص نفسه، بعيدًا عن محاولات قراءة الكاتب والوقوف على شخصيته، القارئ غير المنشغل بأي تحفظات شخصية أو انطباعات أو “تريندات” على مواقع التواصل الاجتماعي، القارئ الذي يمتلك ذهنًا صافيًا، والذي تكون علاقته بالفن هي المحور الأساسي في تقييمه وطريقة قراءته، وفي علاقته بالثقافة عمومًا.

المشهد الثالث: عن النقد

كيف ترى راهن المشهد النقدي؟ ومَن من النقاد الذين تهتم بقراءة دراساتهم وأعمالهم؟

لا تمتلك الساحة الثقافية نقادًا، ولا توجد حركة نقدية من الأساس. لدينا فقط انطباعات، وقراء يعبرون عن آرائهم الخاصة في الكتب؛ قد تخيب وقد تصيب.

وكما نجد كاتبًا ضعيفًا، هناك أيضًا قارئ ضعيف. وكما يوجد كاتب لا يستطيع التعبير، هناك أيضًا قارئ لا يعرف كيف يقرأ. في المقابل، كما هناك كاتب قادر على الإبهار ويمتلك أدواته الفنية، فهناك قارئ يقدم قراءات مبهرة ومفيدة.

إذًا، نحن نتعامل مع قراء وليس مع حركة نقدية أو نقاد يتناولون الأعمال علميًا وأدبيًا وفنيًا وجماليًا، بما يفيد الكاتب قبل أي أحد. لكننا نمتلك مراجعات وانطباعات و”نجوم” على جود ريدز وغيره من مواقع تقييم الكتب والكتاب.

ما الذي تعتقد أنك حققته في الكتابة ولم ينتبه له النقاد؟ وهل تتابع ما يكتب عنك نقدًا؟

نظرًا إلى أنه لا توجد حركة نقدية عظيمة، فلا أشعر أن هناك كتابات كان من المفترض أن يلتفت إليها أحد.

أريد الإشارة إلى مشكلة من نوع آخر تتعلق بالصحافة الثقافية: هناك تجاهل واضح لظروف العمل التي يعشها الكاتب في مصر عام 2021؛ هناك تجاهل لأزمات كفيلة بالقضاء على أية مهنة، مثل أزمة تزوير الكتب، وحقوق الملكية الفكرية، لدينا مشكلة في حقوق الترجمة مثلًا، هذا غير العلاقة بين الناشرين والمؤلفين، وكذلك الجوائز وطبيعتها ومستحقيها.

اقرأ أيضًا: كافكا مرحًا.. الحياة الأخرى لأيقونة السوداوية

الحركة الأدبية والوسط الثقافي، لا يتعامل مع هذه المشاكل، ولا يوليها أي اهتمام حقيقي. لا أقول عدم التعامل بجدية، وإنما عدم التعامل مطلقًا.

الوسط الثقافي في مصر، متغافل عن الأزمات من هذا النوع.

عبدالفتاح فليفل

كاتب وشاعر ومترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى