وجهات نظر

بودي جارد.. الزعيم لا يزال “يُهيّس”

لاثنين وعشرين سنة، ظلت مسرحية “بودي جارد” كالأسطورة العظيمة التي لا تكاد تجزم بصحتها، ولكن لا ينفك الناس يتحدثون عنها، كحكاية سحرية من ألف ليلة وليلة، يؤكد البعض أنها حدثت بالفعل، كحدث ما ورائي يُقسم بعض المريدين أنهم شهدوه بأم أعينهم، إنها آخر الأعمال المسرحية للزعيم عادل إمام، التي رغم عرضها لأكثر من 10 سنوات متتالية، فإنه لم يجرؤ أحدهم أن يلتقط لها مقطع فيديو صغيرا، ولو حتى 10 ثوان، ليرفعه في المستقبل على موقع متخصص في عرض الفيديوهات اسمه “يوتيوب”.

ولكنها اليوم بين أيدينا، الأسطورة التي كان يحكي الناس عنها، ويتحاكون بها، تم تسجيلها وعرضها أخيرا على منصة “شاهد”، لقد أصبحت مجرد مسرحية من ضمن المسرحيات المعروضة على المنصات، فقدت جلالها وهيبتها التي اكتسبتها ربما من اختفائها طوال سنين عجاف، توقف فيها الزعيم عن التمثيل المسرحي، وحسنا فعل، ربما كان من أسباب تأجيل عرضها هو أن تحافظ على صورتها الذهنية العظيمة لدى المتلقي الذي لم يشاهدها.

الزعيم، ذلك الرجل العجوز

تم عرض مسرحية “بودي جارد” لأول مرة عام 1999، وظل العرض مستمرا حتى عام 2010، وهو أطول عرض مسرحي تم في الوطن العربي على الإطلاق. الزعيم عادل إمام من مواليد 1940، أي إنه قام بتمثيل المسرحية خلال العقد السابع من عمره، وهي سنٌّ لا تسمح بتقمص أدوار شبابية، فيلزمه بناء مخصوص يتماشى مع السن الكبيرة، البشرة المجعدة، الظهر المنحني..

لكن يأتي الزعيم في “بودي جارد” ليمثل دور سجين له شخصية قوية، وبدن قوي، “صايع”، يهابه الناس، ويعملون له ألف حساب، شجاع، لا يخاف، متهور، طائش، شره ومهووس جنسيا، “كالعادة”، قد يكون قد أخطأ في حياته لكنه طيب القلب لا يظلم أو يؤذي أحدا، ولديه مبادئ وخطوط حمراء وتابوهات لا يمكن أن يكسرها “كالعادة أيضا”، وكلها صفات لا تتماشى أبدا مع رجل في السبعين من عمره، سيطرت عليه الشيخوخة، ولم يعد يستطيع إخفاءها. (تم التسجيل في السنوات الأخيرة من عرض المسرحية، بعد عام 2007، حيث قال الزعيم للفنان “مصطفى هريدي” في أحد المشاهد: “إنت مش طلعت معايا في مرجان أحمد مرجان!؟”)

ربما افتقد الزعيم إلى أدوار تناسب عمره ومظهره السبعيني، الذي لا يكذب ولا يستطيع أن يتجمَّل، وأصبح على المسرح أشبه برجل عجوز أصابه الخرف، يهابه الناس ربما لأنه يتصرف تصرفات جنونية لا تليق برجل في مثل سنه، ويقوم بضرب الجميع وطرحهم أرضا بينما لا يستطيع أن يوقفه أحد.. وربما نستطيع أن نقوم بتعميم تلك الحالة، ليس فقط على مسرحية “بودي جارد”، بل على أعماله السينمائية المتأخرة على حد سواء.

التكنيكات الكوميدية للزعيم

عادل إمام، سيظل هو عادل إمام، إنه ظاهرة قائمة بذاتها، لا يعتمد في موهبته سوى على الدفعة الأولى التي خلقها الله فيه منذ “مدرسة المشاغبين” حتى “بودي جارد”، فالزعيم غير قابل للتطور، إنه أشبه بحجر كريم مشع، يعمل بذاته، لا يحتاج إلى اكتساب أي طاقة جديدة كي يعمل، ولن يتوقف عن الإشعاع إلا إذا حان الأجل.

لهذا نجد الزعيم لا يكتسب مهارات جديدة، ففي كل مرة نجد عادل إمام يقوم بنفس الشخصية، نفس “الإفيهات”، نفس الطريقة الكوميدية في التمثيل، نفس النظرات والضحكات والإيماءات، نفس كل شيء.. الأمر أشبه بسلاح ذي حدين، الأول قد يقنعك بتمثيل الزعيم المتشابه، وتضحك حتى تسقط من كرسيك، في كل مرة.. والثاني، قد يصيبك بالضجر، فتنطفئ لديك حالة الإبهار التي أوقدها فيك ذلك الحجر الكريم المشع، فلا تأبه له، وتضعه في درج المكتب، وتنساه.

يعتمد الزعيم، في “بودي جارد”، على نفس التكنيك الذي خُلق به، وهو “الارتجال”، قد يكون خروجا عن النص كما يقول الجميع، أو كما أكد ابنه رامي إمام بنفسه، مخرج المسرحية، ولكن في أغلب الأحوال، يتحول ذلك الارتجال شيئا فشيئا من كونه خروجا عن النص، إلى نص مكتوب، فالارتجال الذي يحدث اليوم، قد يعتمده المخرج في المستقبل ويقوم بإضافته إلى النص، وهكذا.

كان لذلك التكنيك وجود بالقوة في “المشاغبين” ولكن بصورة هادئة، حيث قام الزعيم بصقله تدريجيا بينما يكتشف إمكانياته خلال مسيرته الفنية، خاصة في المسرح، حتى وصل ذروته وأصبح له وجود بالفعل في “شاهد ما شافش حاجة” و”الزعيم”، وهو ذلك التكنيك المتعلق بالحكي عن أمور غير معقولة طوال الوقت، يستفيض الزعيم بالحديث عنها خلال المسرحية، ويسترسل في الحكي عن أمور غريبة عن أشخاص مجاهيل، يقومون بأفعال عجائبية، بينما الأبطال المستمعون إلى حكاياته ينظرون إليه مندهشين بأفواه مفتوحة، وأحيانا يقومون بتعقيب صغير غالبا ما يكون على هيئة سؤال، ينتهي بإجابة كوميدية صادمة من الزعيم…

في العامية المصرية عندما نقوم بمثل تلك الأمور، نسمي ذلك بـ”الهَسّ” أو “التهييس”، فإن فعل شخص ما في إحدى جلسات السمر، مثلما يفعل الزعيم، وتكلم في أمور ليس لها أي منطق، نقول إن فلانا “بيهِس” أو “بيهيّس”، وكتطبيق على الزعيم، فإن الزعيم هو ملك “الهَسّ” بلا منازع، ولا يستطيع الزعيم أن “يهِس” إلا في مسرحياته، التي تعطيه المساحة الأكبر من الارتجال وتطويره يوما بعد يوم، حتى يتحول ذلك “الهَسّ” إلى نص مكتوب، الشيء الذي لن يستطيع ضبطه كما يريد في الأفلام ذات الطابع المغلق، حيث السيناريو وطاعة أوامر المخرج، والالتزام بالسكريبت.

ما يميز ذلك التكنيك أنه صُنع خصيصا للضحك من أجل الضحك، فليس له في الغالب أي علاقة بأحداث الرواية، أو المسرحية، فإن اقتطعنا كل ذلك “الهَسّ” من المسرحية، فلن تتأثر الرواية بأي شيء، إنه “هَسّ” خارج عن النص بالمعنى الحرفي للكلمة، هو بالأحرى خروج عن الحبكة والأحداث الرئيسية، لذا، فالمتلقي لمسرحيات الزعيم، لا يجب أن ينتظر أي قيمة معينة قد تأتي لاحقا، وإن كان الزعيم قد وقع مرارا في ذلك الفخ، بحيث يريد أن يعطي قيمة لما يقدمه في قالب من “الهس” الدائم، فتأتي القيمة – غالبا في نهاية العمل – بطريقة مباشرة، وتبدو كنتوء ليس له أي علاقة بكل ذلك الزخم والكم الهائل من “الهَسّ” الذي تعج به المسرحية ككل.

الأسلوب الثاني في الكوميديا، والذي يضطلع به الزعيم في كل مسرحياته، هو تكنيك التكرار والمقاطعة، كأن يهم أحدهم بقول أو فعل، فيستفزه الزعيم، أو يقاطعه، فيرد عليه نفس الشخص بنفس الشيء، فيستفزه الزعيم بطرح نفس التساؤل، ويتمادى في ذلك، إلى الحد الذي تعتقد أحيانا كمتلق أننا وقعنا في دائرة لن ننجو منها طوال المسرحية، بالطبع تتزايد حدة رد الفعل في كل مرة يمارس فيها الزعيم استفزازه، حتى يصل بحالة التكرار أو المقاطعة إلى الذروة التي لا يمكن أن نصل أبعد منها في هذا المقام، وأنه لا بد من أن يسترسل الآخرون في الحديث كي تكتمل المسرحية على خير. (من النماذج المشهورة في “مسرحية الزعيم” عندما كان يقاطع الفنان الراحل مصطفى متولي مرارا، حتى قال له الأخير بعدما طفح الكيل “ياعم ما تسيبنا نشتغل بقى!”)

كل ذلك نجده في “بودي جارد”، بالإضافة إلى الكوميديا الجنسية، التي اشتهر بها الزعيم في مجمل أعماله تقريبا، ويقوم بالتركيز عليها دائما دون غيرها.

القصة باختصار

في السنة الثانية لعرض “بودي جارد” رحل الفنان مصطفى متولي، والذي كان يقوم بدور المحامي، وأبى الزعيم أن يعتذر عن عدم العرض، بل أقامه في نفس الليلة قائلا: “المسرح لا يعوقه إلا القبر”.. تلك الليلة التي تحولت فيها مسرحية “بودي جارد” إلى مأساة، بدلا من ملهاة، حيث خرّ طاقم العمل باكيا، وعلى رأسهم الزعيم.

حل الفنان محمد أبو داوود مكان الراحل مصطفى متولي، ولكن الملاحِظ للأمر، يفطن إلى أنه قد تم تقليص دور “متولي” تماما، حتى أن “أبو داوود” يكاد لا يكون له دور فعال في المسرحية، وربما أسهم ذلك التعديل وإعادة كتابة الرواية (تأليف يوسف معاطي) في جعلها مفككة، ليس بها قصة قوية، بل ضعيفة جدا.

عصابة أموال عامة حاولت الإيقاع بـ”أدهم” (الزعيم)، عيّنه “سعد” (عزت أبوعوف) “بودي جارد” لزوجته “عائشة” (رغدة)، كي يتمكنوا من تلبيسه التهمة، وفي النهاية يخرج “أدهم” بكفالة دفعها أولاد “سعد”، وهم من جماعة “عبدة الشيطان”، الذين أقنعهم “أدهم” بأن الله موجود بكلمة واحدة، فوقفوا في طريق أبيهم ومنعوه من الهرب بالأموال.

قصة بسيطة، مفككة، غير مترابطة، وغير منطقية، أبدع فيها الزعيم و”زوّدها” بكم هائل من “الإفيهات” و”الهَسّ” والتكرار والمقاطعة والكوميديا الجنسية، التي انتهت بدعوة إلى الإيمان بالخالق والتمسك بفضيلة الحب والسلام.

أحمد الصادق

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى