سياسة

روس وأمريكان في بورتسودان.. من يحسم صراع السيطرة؟

للمرة الأولى منذ 25 عام، ترسو في السودان، المدمرة الحربية الأميركية “يو إس إس ونستون تشرشل” المحملة بصواريخ موجهة، بعد يوم واحد من رسو فرقاطة روسية في ميناء بورتسودان الرئيسي، المطل على البحر الأحمر، كجزء من اتفاقية مشتركة بين موسكو والخرطوم، يُسمح بموجبها للبحرية الروسية بالاحتفاظ بما يصل إلى أربعة سفن في الوقت نفسه، في القاعدة البحرية بالسودان.

والسفينة الحربية الأميركية هي الثانية التي ترسو في السودان خلال أسبوعٍ واحد، بعد أن شطبت الخرطوم، الخرطومَ من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ليدعم هذا التحرك سعي الولايات المتحدة لترسيخ نفوذها في القارة الأفريقية التي تمتلك فيها قاعدة دائمة وحيدة في ميناء جيبوتي، على بعد ألف كيلومتر إلى الجنوب، تطل على المضيق بين البحر الأحمر وخليج عدن الذي بدوره يشكل ممرًا هامًا للشحن البحري العالمي.

ما هي أهمية الموانئ السودانية بالنسبة لواشنطن وموسكو؟ وكيف تحاول كلتا العاصمتين الاستفادة سياسيًا وعسكريًا من هذا التواجد؟ وهل ستقبل واشنطن بالوجود العسكري الروسي في الخرطوم؟

كيف فعلتها موسكو قبل واشنطن؟

فعلتها موسكو قبل واشنطن، بفتح قناة اتصال مع النظام الجديد في الخرطوم، ممثلًا في قادته العسكريين، عبر اتصالات سرية، وتنسيق عسكري مع السودان، الذي احتل المرتبة الثالثة في قائمة مستوردي الأسلحة الروسية أفريقيًا بعد الجزائر ومصر.

تُوج هذا السعي الروسي في توطيد علاقاته مع القادة العسكريين، بزيارة رئيس مجلس السيادة في السودان، عبد الفتاح البرهان، لموسكو، في أكتوبر 2019، ليلتقي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال القمة الروسية الأفريقية بسوتشي، والتي وضعت الأسس لإحياء المفاوضات بشأن قاعدة بحرية روسية في السودان.

وعلى مدار العقود الماضية لعبت موسكو دورًا رئيسيًا في دعم المؤسسة العسكرية السودانية، خلال سنوات الحظر المفروضة على تصدير الأسلحة من جانب واشنطن وأوروبا. وكانت أبرز محطات المساعدات الروسية للسودان، في 2008، بإرسالَ دبابات “تي-72” القتالية، وقاذفات القنابل اليدوية، وأسلحة خفيفة، رغم الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة في 2005 على تصدير السلاح لأطراف الحرب الأهلية في دارفور.

الدعم الروسي كان له الأثر الكبير في انتزاع موافقة سريعة من القادة العسكريين بمجلس السيادة السوداني، على تأسيس قاعدة “عسكرية دفاعية”، دون علم السلطات المدنية، ستستخدمها موسكو كمحطة إمداد للسفن الحربية الروسية، في مقابل مساعدات عسكرية يتلقاها الجيش السوداني، وذلك بحسب ما ورد في نصوص الاتفاقية.

هذه الاتفاقية ستسمح لموسكو أيضًا بـ”إضفاء الشرعية” على وجودها العسكري في السودان، ما سيساعدها على الانتقال من علاقة قائمة مبيعات الأسلحة، إلى شراكة أمنية أكثر شمولًا.

أما ما يؤكد تجاوز موسكو والقادة العسكريين السودانيين، لموافقة الحكومة المدنية، ما صرح به وزير الخارجية السوداني آنذاك، عمر قمر الدين لبلومبيرغ، من أنه لم يطلع على الاتفاقية، ما يعني أن “روسيا تجاوزت القيادة المدنية للبلاد في إبرام الاتفاقية”.

ولم يمر الكثير من الوقت على إتمام الاتفاقية الروسية، حتى لحقت واشنطن بموسكو في تعزيز النفوذ العسكري بإرسال ثاني سفينة حربية أمريكية لميناء بورتسودان من أجل “تعزيز الشراكة بين البلدين”.

بورتسودان.. هنا تتنافس موسكو وواشنطن

تستمد الموانئ السودانية أهميتها عند واشنطن وموسكو من محورية الموقع الجغرافي لها، حيث تطل مباشرة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم المضايق المائية في العالم.

وتزداد هذه الأهمية خلال الفترة الجارية، في ظل القرب الجغرافي للموانئ السودانية من مناطق الصراع في الشرق الأوسط كالحرب في اليمن، والصراع في ليبيا، حيث يتوسط الميناء الرئيسي في السودان، بورتسودان، البحر الأحمر، ويعد ممرًا رئيسًا للبحر المتوسط عبر قناة السويس.

ولتأسيس الميناء قصة تعود إلى عام 1900، حين أصدر أول قنصل عام بريطاني في مصر، اللورد كرومر، قرارًا بتوسيع المكان الذي كان معروفًا آنذاك باسم مرسى الشيخ برغوت، وتحويله إلى ميناء بحري حديث، وتغيير الاسم إلى بورتسودان.

ويتكون ميناء بورتسودان -الذي استقبل الفرقاطة الروسية والمدمرة العسكرية الأمريكية مع سفينة استطلاع- من عدة موانئ مختلفة الاختصاصات، كالميناء الشمالي، والميناء الجنوبي، والميناء الأخضر، وميناء الخير، وميناء سواكن.

وبحسب بعض التحليلات السياسية، فإن ميناء بورتسودان، يكتسب أهمية مضاعفة للأطراف الدولية المتنافسة، كونه يعد معبر استراتيجي هام لإطلالة على منافذ حيوية على البحر الأحمر، وأهمية موقعه الاستراتيجي في عمليات الاستطلاع الاستخباراتية والعسكرية في نطاق البحر الأحمر والمحيط الهندي.

من يكسب الحرب؟

يثير تجاور السفن العسكرية الروسية إلى جانب المعدات العسكرية الأمريكية، في ميناء بورتسودان، تساؤلات حول قدرة واشنطن على حصار النفوذ الروسي في هذه المنطقة من البحر الأحمر، والتي تعتبرها العاصمة الأمريكية ضمن مناطق نفوذها الرئيسية، ففي عام 2014 نجحت واشنطن في تقويض محاولة روسية لبناء قاعدة بحرية بجيبوتي، عقب ضغط أمريكي على مسؤولي جيبوتي، الأمر الذي تكرر مع إريتريا في 2018، عقب مساعٍ روسية لإنشاء مركز لوجستي في الساحل الإريتري على البحر الأحمر.

وكان القائد السابق لأسطول البحر الأسود الروسي، فلاديمير كومويدوف، قد صرح بأن القاعدة البحرية الروسية تهدف إلى تحدي تفوق الولايات المتحدة على المحيط الهندي، خاصة مع سعي موسكو لأن تحل محل التدخلات الأوروبية لمكافحة القرصنة عبر السفن الروسية المتمركزة في السودان.

من جهته، قال الباحث السوداني، عبدالفتاح عرمان، في حديث لـ”ذات مصر”، أن سعي موسكو لوجود عسكري لها بالخرطوم، يعود لسنوات نظام الرئيس المعزول عمر البشير، حيث حاولت روسيا مرارًا تعزيز حضورها العسكري في السودان، بالاستفادة من إدراج واشنطن للخرطوم على قوائم الإرهاب.

وبعد سقوط نظام البشير، تسارعت المساعي الروسية، عبر توطيد العلاقات مع القادة العسكريين السودانيين، لاستباق أي تحرك أمريكي قد يقوض تأسيس قاعدة روسية بالسودان.

ويرى عرمان، أنه في المقابل ستسعى واشنطن، عبر قنوات اتصال مع الخرطوم سواءً القادة العسكريين أو الحكومة المدنية، أن تضع قيودًا على تحركات السفن الروسية. وقد تلجأ الولايات المتحدة للضغط بورقة المساعدات العسكرية والمالية، لوضع خطوط حمراء للقوات الروسية المتمركزة في بورتسودان. ومع ذلك يستبعد الباحث السوداني بلوغ الضغوط الأمريكية حد إلغاء الخرطوم للاتفاقية الموقعة مع موسكو.

أكرم الصباغ

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى