دراسات وتحليلاتمختارات

بوصلة مصير الشرق الأوسط.. إذا فاز ترامب.. لو كسب بايدن

 

بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، اتجهت الأنظار إلى الشرق الأوسط باعتباره منطقة تهديد للأمن القومي الأمريكي، وفي عام 2003، قال الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن في خطاب له: “إن إﻨﺸﺎء ﻋراق ﺤرّ ﻓﻲ ﻗﻟب اﻟﺸرق اﻷوﺴط من ﺸﺄﻨﻪ أن يكون حدثًا ﻤﻔﺼليًّا ﻓﻲ اﻟﺜورة اﻟدﻴﻤﻘراطﻴﺔ اﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ”، ومنذ ذلك الحين والمنطقة تحتل مكانة مهمة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية، المقرر انعقادها نوفمبر/تشرين الثاني من العام الحالي، تتزايد التساؤلات حول مصير أبرز قضايا الشرق الأوسط، وإستراتيجية إدارات المرشحين المحتملين تجاه التحديات التي تنتظرهم، سواء في حال فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب لفترة رئاسية تالية، أو عودة الإدارة الأمريكية الديمقراطية بفوز جو بايدن، نائب الرئيس السابق باراك أوباما.

المناظرة الأخيرة بين ترامب وبايدن

الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط

التدخلات العسكرية الأمريكية في العراق وسوريا وأفغانستان كلفت كل دافع ضرائب أمريكي 7623 دولارًا خلال السنة المالية 2018 وفقا للبنتاجون.

بداية الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط كانت في النصف الثاني من القرن الماضي، لكنه شهد الذروة في عهد جورج بوش الابن بعد حادث تفجير البُرجين الذي أعقبه الانتشار الأمريكي في أفغانستان، ثم الانخراط في حرب أخرى 2003 على أرض العراق.

الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة بإرادتها لحماية مصالحها القومية، كلفت دافعي الضرائب الأمريكيين 6.4 تريليون دولار منذ بدايتها في عام 2001، وفقًا لدراسة أجراها معهد واتسون الأمريكي عام 2019، لذلك ظهرت مبادرات أمريكية تطالب بوقف استنزاف موارد البلاد في التدخلات العسكرية في الخارج.

ترامب يلقي التحية العسكرية لقوات أمريكية

بايدن

“بايدن لن يسحب القوات الأمريكية كلها”.. هكذا يقول عضو الحزب الديمقراطي الأمريكي، مهدي عفيفي، مشيرًا إلى مقالة نشرها بايدن في موقع “فورين أفيرز”، تحدث فيها عن ضرورة عودة “الدور القيادي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط”، والذي سيتحقق بالتوازن بين “الوجود العسكري المقتصر على القواعد العسكرية في الخليج أو القاعدة الموجودة في تركيا، والدبلوماسية الأمريكية المتمثلة في تحسين العلاقات مع دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، خاصة دول الخليج”.

ترامب

لا يتصور توم حرب، عضو الحزب الجمهوري، أن ترامب سيتمم وعده السابق بسحب القوات الأمريكية كاملة بحلول عيد الميلاد، ولكن وفقًا لحديثه، فإن الرئيس ترامب يؤمن بأن الجيش الأمريكي لا يجب أن يكون شرطيًّا بأي دولة لفك نزاعاتها، باستثناء القضايا التي تمس الأمن القومي والمصالح الأمريكية.

وفي العراق، “ربما يُبقي ترامب على بعض القوات لطمأنة المجتمع العراقي”، وفق حرب، لأن الجيش “استُنزف وأصبح أداة لمصالح مجموعات على الأرض خاصة في العراق”، كما يقول عضو الحزب الجمهوري.

ويرى محللون أن قضية الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط يتعهد بها دائمًا المرشحان من كلا الحزبين، قبل أن يصطدم الفائز بواقع “الأمن القومي” بعد دخوله البيت الأبيض، فيجد صعوبة في الوفاء بهذا الوعد.

عضو الحزب الديمقراطي الأمريكي مهدي عفيفي

القضية الفلسطينية

مطلع العام الحالي، كُشف الستار عن خطة السلام، التي وضعتها إدارة ترامب للشرق الأوسط، لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والتي تضمنت خريطة لحدود الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية، تآكلت فيها الأراضي الفلسطينية وفق حدود 1967، كما نصت على تجميد النشاط الاستيطاني لإسرائيل لمدة 4 سنوات، ليجري خلالها التفاوض على إنشاء دولة فلسطين، ولكن هذه الخطة قوبلت بالرفض الشديد من الفلسطينيين.

يرى بايدن أن حل الدولتين والمباحثات المباشرة مع الفلسطينيين، هما المخرج من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وفق مهدي عفيفي، كما يميل المرشح الديمقراطي لعودة التمثيل الدبلوماسي مع السلطة الفلسطينية، والتي قُطعت في عهد ترامب، لإضفاء التوازن على أي اتفاق مستقبلي، دون إغفال العلاقات الإسرائيلية الأمريكية القوية.

مظاهرات تطالب بحقوق الفلسطينيين في واشنطن

على جانب آخر، تصر إدارة ترامب على خطة السلام التي سبق وأعلنتها يناير/كانون الثاني الماضي، في حين يقول توم حرب، إن القضية لن تتقدم خطوة إذا تمسك الفلسطينيون برفض أي صفقة مع الإسرائيليين، كما فعلوا على مدار عقود سابقة.

ويراهن معسكر ترامب على دور التطبيع العربي الإسرائيلي في إحداث ميل للموقف الفلسطيني، ومن ثم رضوخهم للخطة الأمريكية، خاصة إذا طبّعت السعودية هي الأخرى مع إسرائيل، ما سيُفقد الفلسطينيين آخر أوراق دعمهم المادي.

الأزمة السورية

تحولت الاحتجاجات التي انطلقت في سوريا عام 2011 إلى صراع مسلح وحرب بالوكالة لقوى إقليمية ودولية، ودعمت الولايات المتحدة المعارضة المسلحة هناك، خاصة قوات سوريا الديمقراطية وغالبيتها من الأكراد، وفي 2014 شاركت الولايات المتحدة في الحروب ضد تنظيم داعش على الأراضي السورية.

جنود الولايات المتحدة في سوريا

في أكتوبر/تشرين الأول 2019، أعلن ترامب انسحاب القوات الأمريكية فجأة من شمالي سوريا، تزامنًا مع شن تركيا لعملية عسكرية ضد القوات الكردية، في حين أدان بايدن هذا الانسحاب ووصفه بأنه “خيانة للأكراد”.

تطمح إدارة بايدن المحتملة لخلق نوع من التوازن، بالتوصل إلى حل سياسي في سوريا، كما يقول مهدي عفيفي: “الانفصال وتأسيس دولة خاصة بهم”، هو أحد اقتراحات بايدن لمعالجة أزمة الأكراد شمالي سوريا، لكن في منظور عفيفي لن يكون بالحل اليسير، فما يحدث على أرض الواقع من فروقات أو اتفاقات بين الأكراد في أماكن مختلفة في هذه المنطقة، هو الذي سيوجه قرارات الإدارة الديمقراطية.

وانتقد عفيفي انسحاب ترامب من سوريا دون سابق تجهيز، الأمر الذي أدى، في نظره، إلى تراجع الثقة بالإدارة الأمريكية من جانب حلفاء كثيرين في المنطقة.

أما ترامب “فسينسحب” إن لم تتوصل دول الشرق الأوسط إلى تفاهم سريع، انطلاقًا من إيمان ترامب بأن “الجيش لا يجب أن يكون شرطيًّا في أي بلد”، ولوضع حد للاتكال على الوجود الأمريكي، كما يقول توم حرب.

الحرب في سوريا

ودعا المرشح الجمهوري، في بداية عهده، لإنشاء “ناتو عربي” والدخول إلى سوريا لحل الوضع هناك، لكن الدول العربية لم تستجب لدعوته.

وحال فوز ترامب بإدارة تالية، سيحث الدول العربية أكثر على اتخاذ مواقف لحل القضية السورية.

يقر توم حرب تعاون الأكراد مع الحكومة الأمريكية وإدارة ترامب، للتخلص من داعش، ولكنهم يحاولون إقامة دولة تمتد من سوريا والعراق لتركيا وإيران، والمجتمع الدولي –على حد قول حرب- يرفض إقامة دولة كردية بهذا الحجم، والبديل أن يضعوا صيغة جديدة للمجتمع الدولي والأمم المتحدة، وإدارة الرئيس ترامب ستكون شريكة معهم في هذا المثال.

أزمة ليبيا

في أعقاب الإطاحة بنظام معمر القذافي عام 2011، توغل الانقسام داخل الأراضي الليبية، وأصبحت بؤرة للجماعات الإرهابية، فمثلت تهديدًا أمنيًّا للدول المجاورة.

ووفقًا لمحللين تتبنى الولايات المتحدة سياسة الحياد السلبي، إلا أن سياسية الولايات المتحدة مؤخرًا قبلت على نحو ضمني بدور أكبر لمصر في ليبيا، لإيجاد حل سياسي للصراع الدائر هناك.

الوضع في ليبيا

المسألة الليبية من أعقد المسائل التي تواجه أي إدارة أمريكية جديدة، كما يعتقد مهدي عفيفي، فبايدن يميل لحل الأزمة الليبية سياسيًّا بالتعاون مع الدول الأوروبية، وبخصوص دعمه لطرف في الصراع الليبي، فيرى عضو الحزب الديمقراطي أن ذلك متوقف على ما يصدر عن هذا الطرف وعمن يدعمه، فإذا كان “ممن ارتمى في أحضان تركيا وروسيا ستكون هناك مشكلة”.
وانتقد عفيفي انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية، وتغاضيها عما قام به أردوغان في ليبيا، والذي –في رأيه- لم يكن في المصلحة الأمريكية العليا ولا حتى في مصلحة ليبيا.

من ناحية أخرى، ترفض إدارة ترامب سفك الدماء في سبيل تحرير طرابلس، كما يقول توم حرب، بل على العكس فهي تحاول الوصول لصيغة سياسية لحل الأزمة.

واستقبلت الإدارة الأمريكية أعضاء من البرلمان الليبي الرسمي، كما أرسلت وفودًا إلى ليبيا، ومنهم ممثلون عن الكونجرس اجتمعوا مع الجنرال حفتر، قائد الجيش الليبي، الذي ترى إدارة ترامب أنه تخلص من الجماعات الإرهابية، بحسب عضو الحزب الجمهوري.

توم حرب

ومن منظور أمريكي، فليبيا تحررت من الميليشيات التي انتُهكت حقوق الإنسان فيها، باستثناء ضواحي طرابلس التي توجد بها مجموعة مدعومة من أطراف دولية، قطر وتركيا، والتدخل التركي يصعد الموقف في طرابلس، لكنه ليس في مصلحة الأتراك التي تخوض توترًا مع دول أخرى شرقي البحر المتوسط، بحسب قوله.

وأشار حرب إلى إنشاء تحالف أمريكي أوروبي، خاصة فرنسي، عربي، لتحجيم الدور التركي في البحر المتوسط وشمال الساحل الإفريقي.

ترامب ومحمد بن سلمان

العلاقات الأمريكية السعودية

على مدار السنوات الماضية، انتقدت مؤسسات غربية، من بينها الكونجرس، ما وصفته بالمخالفات والانتهاكات السعودية خلال حرب المملكة في اليمن، وصوّت الكونجرس لوقف بيع الأسلحة للرياض.

في المقابل، تنفي السعودية، أكبر مستورد للأسلحة في العالم خاصة من الولايات المتحدة، ارتكابها أي انتهاكات، وتدافع عن دعمها للحكومة اليمنية المعترف بها أمميًّا، في مقابل حركة أنصار الله الحوثية المدعومة من إيران، والتي سيطرت على العاصمة صنعاء وأجزاء واسعة من اليمن في انقلاب عسكري عام 2015.

يقول بايدن إنه سيستجيب لدعوات الكونجرس لإنهاء المساعدة الأمريكية للجهود الحربية السعودية في اليمن، ولكنها خطوة ليس من السهل اتخاذها وفق تقدير مهدي عفيفي، عضو الحزب الديمقراطي، فالكونجرس هو صاحب القرار في معظم الأحوال في هذه القضايا، إلا في حالة استخدام الرئيس الأمريكي للفيتو، إن لم تكن هناك أغلبية في الكونجرس، مضيفًا أن ما سيحدث متوقف على كيفية نظر الكونجرس لهذه المساعدات، وإلى أين تتجه الحرب في اليمن، وكذلك فالمصلحة الأمريكية العليا هي التي ستحكم قرار بايدن، على حد قوله.

وأسلوب الإدارة الأمريكية الديمقراطية في التعامل مع الشرق الأوسط، حسب “عفيفي”، يختلف عن الإدارة الجمهورية، خاصة إدارة ترامب التي تتعامل بتعالٍ مع دول الخليج، الذي أدى بدوره إلى اتجاه دول الخليج للتعاون مع الصين وروسيا، وفق تقييمه، ويرى بايدن ضرورة عودة علاقات الشراكة طويلة الأمد مع دول الخليج.

وعقّب مهدي عفيفي على موقف الولايات المتحدة من قطر، فلم يصدر ترامب أي تحذيرات قوية تجاه دعم قطر لبعض الجماعات الإرهابية، وغاب الوضوح عن موقف الإدارة الجمهورية، بحسب وصفه.

أما ترامب فقد دعمت إدارته المملكة العربية السعودية في حرب اليمن، لأن الحوثيين اخترقوا الأراضي السعودية بدعم من إيران، ولكن سياسة ترامب تركز على إيران وشلها لتأتي إلى المفاوضات في الإدارة الثانية المحتملة لترامب، وحينها سيشترط إيقاف إيران دعمها للفصائل الموالية لها في الدول العربية، منهم الحوثيون في اليمن، وحزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، وغيرها.

علاقات السعودية مع إدارة ترامب ستتطور على نحو إيجابي، تصور يدعمه عضو الحزب الجمهوري، توم حرب، فالتغيرات الجذرية على مدار السنوات الثلاث الماضية في المجتمع السعودي جعلته أفضل حالًا مما كان عليه فترة إدارة أوباما، ولكن على المجتمع السعودي بذل جهد أكبر في سبيل تطويره.

الملف النووي الإيراني

في 2015، عقدت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما اتفاقا مع إيران للحد من أنشطة طهران النووية والسماح بعمل المفتشين الدوليين بمحطاتها، ولكن ترامب تبنى موقفًا مناهضًا للاتفاق، ووصفه حينها بأنه “اتفاق سيئ”، لذلك بادر بالانسحاب منه في مايو/أيار 2018، متهما إيران بخرقه، وهي الاتهامات التي لم تؤيدها بقية دول الاتفاق التي أبقت على التزامها به، لتجد واشنطن من حينها صعوبة في إعادة فرض العقوبات على إيران بقرار من مجلس الأمن.

منشأة نووية إيرانية

وانطلاقًا من المخاوف التي يصدرها ترامب حول ازدياد النفوذ الإيراني في المنطقة، يرى مهدي عفيفي أن بايدن يرغب في مسك العصا من المنتصف بـ”العودة إلى شروط أفضل في اتفاق نووي جديد، مع دول أوروبا وروسيا، والدول الضامنة لتأكيد الرقابة على المفاعلات النووية الإيرانية وتخصيب اليورانيوم”، ويوضح أن سياسة الانسحاب لم تؤتِ ثمارها.

وينتقد “عفيفي” انسحاب ترامب من الاتفاق النووي ما عزز مخزون إيران من اليورانيوم المخصب الذي يمكن استخدامه في صنع الأسلحة النووية، في حين لم يدافع ترامب عن حليفته المملكة السعودية التي استهدف حقولها موالون للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وقبل شهر، وفي أثناء توقيع اتفاق التطبيع، قال الرئيس ترامب إن إيران سوف تسعى للتوصل لاتفاق مع الولايات المتحدة، ووصفه بأنه سيكون “اتفاقًا عادلاً” لكلا الطرفين.

يعدد توم حرب شروط هذا “الاتفاق العادل”، أولاً أن يمنع إيران من امتلاك القنبلة النووية، كما يحول دون تطويرها صواريخ باليستية متوسطة وبعيدة المدى، بالإضافة إلى التخلي عن دعمها لمواليها في المنطقة.

وأشار إلى مفاوضات أسهل بالنسبة إلى إيران إذا ما جلست إلى طاولة المفاوضات قبل الانتخابات، في حين اتهم الدول الأوروبية بتغليبها مصالحها وغضها الطرف عن تهديدات الأمن القومي لمنطقة الشرق الأوسط التي يغذيها دعم إيران لحركات موالية لها في الإقليم.

 

 

هالة المليجي

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى