سياسةمختارات

بوليفيا “نحو الاشتراكية”.. تصالُح مع الجميع أم لجان الذاكرة؟

 

إنّ انتصار حزب “الحركة نحو الاشتراكية” Movimiento al Socialismo ((MAS، حزب الرئيس البوليفي السابق إيفو موراليس، في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، هو انتصار للديمقراطية، وتوبيخ لمخططي الانقلاب اليميني، ولكن، تواجه بوليفيا الآن بعض الأسئلة الجادة: كيف ستتعامل البلاد مع هذه الفظائع الأخيرة التي ارتكبها اليمين؟ وماذا سيحدث لمن ارتكبها؟

مثّل الانتصار الأخير لحزب (MAS) في انتخابات بوليفيا انتصارًا للتنظيم الاشتراكي وحركة السكان الأصليين، في أعقاب الانقلاب الغاشم الذي قام به الجناح اليميني والجيش.

تحقّق الانتصار بهامش واسع، لم يستطع قادة الحكومة الانقلابية الطعن فيه، لذلك سوف يعود حزب الرئيس المخلوع “موراليس” إلى الحكم تحت قيادة خليفته لويس آرسي، حيث احتفل الاشتراكيون والنشطاء الديمقراطيون والسياسيون في جميع أنحاء العالم بهذا الانتصار.

وبالطبع لم تتشابه هذه الاحتفالات، فالعديد من المُعلقين الليبراليين في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، أشادوا بانتصار MAS باعتباره “نهاية سعيدة”، بينما أشادت بعض المنافذ اليسارية، بالنتيجة باعتبارها انتصارًا مُبينًا على الفاشية واليمين والإمبريالية، ولكن تكمن المشكلة في أنّ كلا المنظورين يؤطر الانتخابات على أنها نهاية قصة “الطريق إلى الديمقراطية”، لكن البوليفيين أنفسهم يُذكروننا بأنّ الحال ليست كذلك إطلاقًا.

هذا الانتصار ليس سوى بداية صراع آخر: العودة إلى الحكم الديمقراطي بعد الانقلاب، وهي عملية طويلة ومعقدة في أفضل الظروف.. هذا النوع من النضالات -للأسف- ليس جديدًا على البوليفيين أو الأمريكيين اللاتينيين أو على العديد من البلدان في جميع أنحاء العالم، حيث يصعب التغلب على الانقلابات وعواقبها.

وهذه الانتخابات الأخيرة هي نتيجة أزمة انتخابية في العام الماضي، عندما فاز الرئيس السابق “موراليس” بولاية رابعة، بفضل قرار من المحكمة الدستورية البوليفية في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، وبعد فوزه انضمت الأصوات المحافظة في بوليفيا إلى النُقّاد، الذين زعموا أنّ الانتخابات “مزوّرة” أو “منتقدة على نطاق واسع” داخل البلاد -تلك الادعاءات دُحِضَت تمامًا منذ ذلك الحين- ثم انضمّ الجيش إلى الأزمة ودعا الرئيس إلى الاستقالة.

الرئيس البوليفي السابق إيفو موريس

وردًّا على ذلك، عرض موراليس إجراء انتخابات مرة أخرى، ولكن بعد فوات الأوان، إذ فقد ولاء الجيش والشرطة، وأُجبِر على الفرار من البلاد بعد نومه لعدة أيام في فناء خلفي لمنزل صديق قديم، ليصبح موراليس بعد ذلك منفيًّا مُقيمًا بين المكسيك والأرجنتين.

في أثناء ذلك، كان نفي موراليس يعني أيضًا الإطاحة بنائبه وأعضاء آخرين في حزبه، ومنح الرئاسة لـ”جينين أنيز تشافيز”، وهي سياسية غير معروفة وممثلة عن حزب مسيحي محافظ صغير، شهدت رئاستها المؤقتة مضايقات، وصلت إلى قتل مسؤولي MAS، وحرق مكاتبهم، واضطهاد السكان الأصليين من جانب الجيش والفروع الأخرى للدولة. أي في عبارة واحدة: العودة إلى المظالم التي عمل موراليس على تغييرها.

ورغم الانتصار الساحق الذي حققه حزب “الحركة نحو الاشتراكية”، فإنّ الوضع السياسي في بوليفيا لا يزال في حالة تغير مستمر، وعندما اختارت الرئيسة المؤقتة، أنيز، عدم المشاركة في الانتخابات، احتشدت الحركة التي دعمتها حول الرئيس السابق كارلوس ميسا، كمرشح محافظ بارز، ولكنه خسر الانتخابات لصالح الرئيس القادم لويس آرسي، والزعيم الحالي لحزب MAS.

وبالإضافة إلى فوزهم في الانتخابات الرئاسية، يبدو أن مرشحي حزب (الحركة نحو الإشتراكية) حققوا أداءً جيدًا في مجلسي الكونجرس البوليفي، رغم أنّ فوزهم في تلك الانتخابات ليس بنفس القوة.

وفي حين أنّ هذه الانتخابات قد أدت إلى تغيير كامل في بوليفيا، فإنها لم ولن تُغيِّر قيادة الجيش البوليفي الذي دعم الانقلاب، ولم تعزل قادة الشرطة في المدن البوليفية الكبرى من مناصبهم، ولن تتسبب بالضرورة في أي مشكلات أو عوائق دائمة للسياسيين الذين شاركوا في حكومة أنيز، فلا يوجد مثلًا حتى الآن ما يضمن أنّ أفراد الشرطة والجيش الذين ارتكبوا أعمال عنف ضد المدنيين والسياسيين البوليفيين خلال الانقلاب سيُواجهون اتهامات، ووفقًا للرئيس القادم آرسي، فإنّ حكومة بوليفيا المستقبلية لن تضم موراليس.
إذًا، حتى بعد هذا الفوز الانتخابي، بقيت بوليفيا و”الحركة نحو الاشتراكية” أمام أسئلة مروعة: كيف ستتعامل مع هذه الفظائع الأخيرة؟ وماذا سيحدث لمن ارتكبها؟

نساء من السكان الأصليين على الأرض لدعم موراليس – 18 نوفمبر 2019 في لاباز

العدالة بعد الانقلاب

كل هذه الأسئلة والقضايا لها سابقة تاريخية في أمريكا اللاتينية وبوليفيا نفسها، فبعد إنهاء حكومة غير شرعية وعودة الديمقراطية، يُطالب الناس بأن يتحمل المسؤولون عن الجرائم جزاء ما اقترفوه في أثناء حكمهم، والتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، ومعاقبة من نفّذوا الانقلاب.

وتُظهر سلسلة التحولات الديمقراطية في أمريكا اللاتينية في الثمانينات والتسعينات طريقة واحدة يمكن من خلالها اجتياز هذا النوع من الانتقال إلى الديمقراطية: لجنة “الحقيقة والمصالحة” أو لجنة “الذاكرة”، ولهذه اللجان نتيجتان محتملتان: فتمكنها معاقبة المسؤولين عن العنف والإطاحة بالحكومة، وإضعافهم بما يكفي حتى لا يهددوا الديمقراطية مرة أخرى، أو تمكنهم تهدئة هذه القوى لإقناعهم بأنّ النظام الديمقراطي الجديد ليس معاديًا لهم، للحيلولة دون تورطهم في انقلاب آخر أو مزيد من العنف.

إنّ شعب بوليفيا ليس غريبًا عن هذه العملية بالتحديد، فبعد ما يقرب من 40 عامًا على استعادة الديمقراطية في عام 1982، أنشأت حكومة بوليفيا Comisión de la Verdad la، أي لجنة الحقيقة، والتي نشأت من أجل التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، وعمليات القتل خارج نطاق القانون، والاختطاف، وغيرها من الجرائم التي ارتكبتها مختلف الحكومات العسكرية والمتحالفة مع الجيش، التي حكمت البلاد من 1964 إلى 1982.

كانت لجنة الحقيقة خلفًا لـ”اللجنة الوطنية للتحقيق في الاختفاء القسري”، والتي تشكّلت بعد نهاية الديكتاتوريات، ولم تكن فعّالة في إجراء التحقيقات، ناهيك بمقاضاة من شاركوا في مثل هذه الجرائم أو التنديد العلني بهم، فلم تؤتِ هذه الجهود إلا القليل من ثمارها، وهو ما لا يبشر بالخير للعدالة بعد الانقلاب الأخير.

يُظهر تاريخ بلدان أمريكا اللاتينية الأخرى، التي تخلصت من الديكتاتوريات العسكرية، مشكلات مماثلة، فبعد استعادة الديمقراطية عام 1983، شهدت الأرجنتين سلسلة من لجان الحقيقة، ولجان الذاكرة، وغيرها من الهيئات التي تهدف إلى إحياء ذكرى الجرائم التي ارتُكِبت خلال الحكم الديكتاتوري أو ملاحقتها قضائيًّا.

نجحت هذه اللجان في البداية، ما أدى إلى اعتقال وسجن العديد من القادة العسكريين، ولكن إداناتهم أُلغِيَت وصدر العفو عن كل من شارك في أي نوع من أنواع العنف، ثمّ أُلغيت هذه الإعفاءات في وقت لاحق، إذ قطع هذا الصراع بين الملاحقة القضائية والعفو، طريق العدالة، ما سمح للعديد ممن ارتكبوا جرائم الاعتقال والتعذيب والقتل في أثناء فترة الديكتاتورية، بأن تنتهي حياتهم على نحو طبيعي دون المثول أمام العدالة.

“دانيال سيسبيديس”، يساري مشتبه به، في الملعب الوطني في سانتياجو، تشيلي، 1973

عاشت الجارة تشيلي تجربة مماثلة بعد انقلاب عسكري دموي، بقيادة “أوجستو بينوشيه”، وبعد الانتقال إلى الحكم المدني الكامل عقب استفتاء عام 1988، الذي أنهى رئاسة “بينوشيه”، ثمّ انتخابات عام 1990 التي جاءت بـ”باتريسيو ألوين” إلى السلطة، لم يحدث شيء تقريبًا لمرتكبي أعمال العنف أو الانتهاكات الأخرى خلال النظام العسكري.

وبعد 8 سنوات، طُلِب بينوشيه رسميًّا للعدالة بسبب جرائمه.. حدث ذلك، عندما قدّم قاضٍ إسباني لائحة اتهام ضده في أثناء إقامته في المملكة المتحدة، لإجراء جراحة في الظهر، وبعد سنوات، أُلغِي العديد من القوانين التي تضمن له الحصانة الدائمة، وأصبح تحت الإقامة الجبرية وذلك قبل وقتٍ قصير من وفاته عام 2006.

دولة أخرى في أمريكا اللاتينية، جواتيمالا، وهي ليست جارة لبوليفيا ولكنها قابلة للمقارنة بطريقة مختلفة، فكلا البلدين لديه غالبية من السكان الأصليين، وكان تاريخيًّا يحكمهما سياسيون من البيض أو الميستيثو الممزوجين: وهم مجموعة عرقية ناتجة عن تزاوج المستعمرين الأوروبيين والإسبان على وجه الخصوص بالسكان الأصليين لقارة أمريكا الجنوبية، وذلك انعكاس لقرون من السياسات الاستعمارية والعنصرية، وشهدت عودة جواتيمالا للحكم الديمقراطي في التسعينات جهدًا مشابهًا، للجان التوضيح التاريخي، وذلك لفهم وتوضيح ما حدث من جرائم وإبادات جماعية.

ولكن نفس التجارب التاريخية تتكرر، فقد كان الهدف الأول للجان التي أُنشئت لـ”التوضيح التاريخي” هو منع الصراع في المستقبل من خلال استرضاء كلا الجانبين، فبدلاً من مقاضاة أو معاقبة المسؤولين عن الإبادة الجماعية، كما هي الحال مع تشيلي، لم تتم محاكمة وإدانة بعض المسؤولين إلا بعد سنوات، مثل الرئيس السابق إفراين ريوس مونت.

وإذا أردنا أن نتعلم من التاريخ، يمكننا توقع أن تتكرر هذه العملية في بوليفيا في السنوات المقبلة، فالأحداث الأخيرة والتهديد الضمني بانقلاب آخر قد يمنع الحكومة القادمة من السعي لتحقيق العدالة الحقيقية لضحايا الانقلاب، أو قد تتآكل تلك الجهود بسبب صعوبة إثبات ما حدث خلال الفترة المضطربة من المسيرات والقمع التي أعقبت رحيل موراليس.

فمن الممكن أن تُقرر حكومة “آرسي” أنه من مصلحتها، أو مصلحة البلد ككل، تجاوز مرحلة الانقلاب وعنفها.

وماذا بعد؟

لويس آرسي

ما سيأتي بعد ذلك في بوليفيا سيعتمد بقدر كبير على كيفية التعامل مع الانقلاب ومنفذيه. فمثلاً، قال الرئيس السابق موراليس إنه ينوي إحضار رئيس منظمة الدول الأمريكية، لويس ألماجرو، أمام المحكمة الجنائية الدولية لدوره في الترويج للانقلاب، ولكن ماذا عن البوليفيين الذين نفذوه بالفعل؟ هل سيُحاكَمون؟ هل يُسجنون؟ هل يُعفى عنهم؟ هل يتلقون ترقيات؟ ماذا سيحدث لآلاف المسؤولين الآخرين الذين لم يكونوا جزءًا من قيادة الانقلاب ولكنهم شاركوا فيه أو استفادوا منه؟ وماذا عن الملايين من البوليفيين الذين دعموا بجدية الانقلاب والحكومة اليمينية التي شكّلها، وبالتالي يمكن أن يصبحوا جنود مشاة في المحاولات المستقبلية للإطاحة بحكومة MAS الجديدة أو تعطيلها؟

لقد أجاب الرئيس القادم آرسي ضمنيًّا، حين أوضح أنّه سيحكم نيابة عن “جميع البوليفيين”، ولأنّ معارضة MAS هي المسؤولة عن الانقلاب، فإنه يعتزم أن يفعل ما في وسعه للتصالح معهم من أجل المنفعة العامة.
قد يكون هذا بالفعل في مصلحته كرئيس قادم، مع العلم بما حدث لسلفه، لكن هذا قد يعني المضي قدمًا دون إجراء فحص دقيق للجرائم التي ارتكبتها الحكومة المؤقتة، وربما ترك بعض الفظائع الوحشية المُرتكبة في حق الشعب البوليفي دون مراقبة حتى فوات الأوان.

 

المصدر
Jacobin

عمرو جمال صدقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى