زواياقصص مصورة

بيت السحيمي.. عمارة معتّقة

بوابات الزمن في القاهرة

أثناء مروري العابر، لكن المتأنِّ، في شارع المعز بالقاهرة الفاطمية، متجهة نحو بيت السحيمي لأسأل عن شيء ما متعلق بالخط العربي، حيث خطاط أعلم أنه يتردد على المكان؛ وقعت عدستي على الكثير من التفاصيل، في الشارع، في البيت، وما يحيطه. تفاصيل طُمس بعضها، أو أخفي بأجواء المدينة المعاصرة وكهاربها. تفاصيل كامنة في كل خط بالعمارة المعتّقة.

شارع المعز

شارع المعز

قطعت مسافةً لا بأس بها في شارع المعز شبه الفارغ، على غير العادة، من الناس إلا قليلًا. كنّا نهار يوم سبت، وكانت أغلب المحال مغلقة، حين تفاجأتُ بمجموعة أجنبية محاطة بحراسة شبه مشددة. ظهر بطلها ولوح لنا؛ إنه السفير الفرنسي بالقاهرة ستيفان روماتيه. بدت على وجهه الحماسة، إما لقاهرة المعز، أو لنا!

شارع المعز

جذبتني أبواب المعز وشبابيكه المشربية. هنا تفاصيل غنية، وتحفيز للخيال أن يرى فيها بوابات زمنية. وبصورة ما هي كذلك بالفعل، فخلفها حجارة معتّقة، بنيت أحدثها قبل مئات السنين.

شارع المعز

شارع المعز

شارع المعز

شارع المعز

شارع المعز

وصلت بيت السحيمي. كما أخبرتكم، قصدته بهدف الوصول لخطاط يعرض أعماله في البيت. لم يكن موجودًا، لكن حوارًا سريعًا مع حراس البيت، انتهى بعرضٍ لتعويض عدم وجود الخطاط. قال أحد الحراس: “فيه حفلة لفرقة النوبة للفنون الشعبية، تحضريها؟”.

فرصة! أبديت موافقةً فورًا. كان الحفل لم يبدأ بعد، والفرصة سانحة للتجول داخل المكان.

بيت السحيمي

شارع المعز

يقع بيت السحيمي في شارع الدرب الأصفر، متفرعًا من شارع المعز. هنا، في بيت السحيمي أو بيت الشيخ عبدالوهاب الطبلاوي، كثافة لصور زُهُوّ الماضي: عمارة متقنة، تصميم يراعي الحاجة الاستخدامية ويفي بأغراض المعاش البشري، ما يستدعي بالضرورة مراعاة النفس البشرية، ومساحات كافية لمزاج رايق وخيال خصب.

بيت السحيمي

كان التجوال في البيت الفارغ بمثابة مغامرة في المكان والزمان معًا. الحجارة غير الإسمنتية، والخشب، يصنعان مزيجًا مسالمًا للطبيعة. والزمان هنا متفاوت: قديم جدًا، وحديث نسبي، فآثار التحديث حاضرة ولو بندرة تكفي ليكون المكان/البيت مزارًا سياحيًا، ومتحفًا لفنون العمارة الإسلامية، ومركزًا للإبداع الفني تابع لصندوق التنمية الثقافية، وزارة الثقافة المصرية.

بيت السحيمي

يمثل بيت السحيمي نموذجًا فريدًا لعمارة البيوت السكنية الخاصة في القاهرة خلال العهد العثماني. وتقول وزارة الثقافة المصرية، إنه يعد “البيت الوحيد المتكامل الذي يمثل عمارة القاهرة في العصر العثماني”.

وفي عام 1996، دخل البيت ضمن مشروع ترميم وتنمية منطقة الدرب الأصفر. استمرت أعمال الترميم نحو خمس سنوات، بكلفةٍ وصلت إلى عشرة ملايين جنيه مصري، تكفّل بها الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي.

بيت السحيمي

وصحيح أن بيت السحيمي أقيم في قاهرة المعز، بشارع المعز الفاطمي، لكنه شُيّد في العصر العثماني، على طراز معماري يجمع بين العربي التقليدي والمملوكي.

بيت السحيمي

شيد البناء على مرحلتين: الأولى عام 1648، بيد الشيخ عبدالوهاب الطبلاوي، والثانية بعد ذلك بأكثر من 100 عام، في 1796، بيد الحاج إسماعيل شلبي.

وسُمّي البيت بـ”السحيمي”، نسبة لآخر ساكنيه، العالم الأزهري الشيخ محمد أمين السحيمي، الذي حين وافته المنية، هجرت أسرته البيت إلى آخر.

بيت السحيمي

في مقابلة صحفية، تقول حفيدة السحيمي، إنه عند وفاة جدها، وجدت زوجته أن البيت أكبر من أن ترعاه، فهجرته إلى بيت آخر في شارع مصر والسودان بمنطقة حدائق القبة، قبل أن تُقدّم الحكومة المصرية عرضًا للعائلة، عام 1931، للتحفظ على البيت بهدف تسجيله كأثر إسلامي بكل ما يحويه، مقابل ستة آلاف جنيه مصري. “كان تعويضًا كبيرًا”، تقول مها، حفيدة السحيمي.

بيت السحيمي

يبلغ عمر البيت 373 عامًا، ويضم مشربيات وأبواب ومقابض وفسقيات رخامية، تطل كلها من الماضي. كما أنه يقع على بقايا أبنية تعود لما قبل ذلك بمئات السنين، حيث العهد الفاطمي الذي أسست فيه القاهرة القديمة.

بيت السحيمي

الآن، وباعتباره متحفًا للعمارة الإسلامية، ومركزًا للإبداع الفني؛ يمكنك زيارة البيت أي يومٍ، ما بين التاسعة صباحًا والخامسة مساءً. بجنيهات قليلة، ستدخل بوابة زمنية. تُمضي قدرًا كافيًا من القرن الـ17، قبل أن تعود مجددًا للقرن الـ21.


اقرأ أيضًا:

مقهى أندريا.. إطلالة خواجاتية على العقل

من هامبورج إلى التحرير.. حكومتهم متحف وأصغر شوارعنا مزارات

أميرة السواح

مصورة مصرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى