بيج رامي.. اعمل نفسك مهتمًّا!

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

قبل دقائق من حصول بيج رامي على المركز الأول في مسابقة “مستر أوليمبيا”، البطولة الأهم في رياضة كمال الأجسام، ربما لم يكن أحد من مقدمي البرامج الذين تهافتوا لاستضافته يعرف عنه شيئًا أو عن البطولة أو حتى عن الرياضة نفسها، وهو ما كان واضحًا في ما أجراه “رامي” من لقاءات.

نقلت الفضائيات مشاهد مسجلة من الحدث الرياضي، الذي لم يهتم أي منها ببثه مباشرة، لنبصر “رامي” يقف في ضخامة وتشريح جسدي فاق بهما أهم رياضيي العالم في “كمال الأجسام”، وإذا كان لهذه اللمحة أن تكشف عن معنى  فهو أهمية الصورة التي استكملت الحدث ولم تنقله فقط، ولولاها ربما لم يلاقِ “رامي” كل هذه الحفاوة أو على الأقل لكانت أكثر تواضعًا.

بالموازاة مع الاهتمام الإعلامي تحول بيج رامي على مواقع التواصل الاجتماعي من شخص مجهول للغالبية، باستثناء المهتمين بهذه الرياضة، إلى فخر العرب، وإن كان هذا ليس خاصًّا ببطلنا، فكثيرون ممن لم يتميزوا بإنجاز رامي أو يتفردوا بعمل، صاروا نجومًا معروفين بفيديو لا تتخطى مدته دقائق.

ينبه هذا إلى معنى أشارت إليه الكاتبة والمصورة سوزان سونتاغ بأن الصورة لا تكتفي بدور الوثيقة، أي أن تكون سجلاً للماضي، بل تفرض نفسها كطريقة جديدة للتعامل مع الحاضر.

لا تقف الصورة عند عتبة رصد الكاميرا لواقعة، فالتقاط الصورة في حد ذاته حدث يمكن أن يضخّم من الحدث الأصلي، أو يهون من شأنه، أو يتجاهل بعض تفاصيله أو يخصها بالاهتمام دون غيرها، يحرضنا حدث التصوير أيضًا على الاشتباك مع الحدث الأول والتفاعل معه بدرجة أكبر بكثير مما لو طالعنا تفاصيله مكتوبة أو مسموعة.

هذا التفاعل قد يصل إلى حد “تملك الواقع” من خلال الصورة أو أن تمتلك هي المرء، ولمعنى قريب من هذا خشي الأديب الفرنسي بلزاك طوال حياته أن تُلتقط  له صورة، وكان تبريره أن الفرد مركب من سلسلة طويلة من “الصور الشبحية” مرصوصة بعضها فوق بعض على هيئة طبقات لا نهائية، تضمها أفلام بالغة الدقة، وفي كل مرة يواجه المرء الكاميرا فإنها تقبض على واحدة من هذه الطبقات وتفصلها عن الأخريات لتستعملها، والمفارقة أن الروائي الكبير، وفق تصوره، صنع ما تصنعه الكاميرا وهو القبض على تفصيلة ما وتضخيمها.

لا تحتفي الصورة إلا بالسطح، والسطح ظاهر بلا باطن، علن بلا سريرة، مظهر بلا جوهر، وقد رصد فيورباخ مبكرًا جدًّا أن “عصرنا يفضل الصورة على الشيء، النسخة على الأصل، التمثيل على الواقع، المظهر على الوجود”، وإذا كان الفيلسوف الألماني حمل رصده على محمل سلبي، فالبقاء عند السطح -الذي تلتزمه الصورة- رآه نيتشه على أنه من “أسباب العيش” التي عرفها الإغريق، فوقفوا “عند القشرة والبشرة”، وعدّ نيتشه التزام السطح “يقتضي عبادة المظهر والإيمان بالشكل.. الإيمان بأولمب المظهر، ولكم كان الإغريق سطحيين من شدة عمقهم”.

ما يقوله نيتشه إن الإغريق لم يدركوا الظاهر مجرد قشرة لإخفاء الباطن، بل عرفوه جزءًا لا يتجزأ من الباطن، متمّمًا له، فالظاهر والباطن شيء واحد، “إنه سطح لا يخفي شيئًا سوى ذاته”.

وفي عالم السطح، الذي تحتفي به الصورة، ليس الواقع هو ما تبثه الكاميرا إنما الانطباعات الذهنية عنه، تعكس الكاميرا -بتعبير هيدجر- عالمًا للصورة أكثر من كونها صورة للعالم.

هو عالم الخفة في مقابل الثقل، خفة تتناسب مع الصورة التي لا يعوزها كلام: “أفليس الكلام شيمة أهل الكثافة والثقل”، كل شيء في هذا العالم “عليه أن يصير خفيفًا، وكل جسم راقصًا، وكل فكر طائرًا”، لكنها خفة قد تصل حد أن تكون “مثل الوبر، مثل غبار متطاير، مثل شيء سيختفي غدًا”.

في هذا العالم، الجميع -في عين الفيلسوف البريطاني جلبرت رايل- يتظاهر “كما لو..”، فمقدمو البرامج يتظاهرون كما لو أنهم يهتمون برياضة كمال الأجسام، وبالتعرف عليها، وبما بذله رامي من جهد وما تخطاه من عقبات ليصل إلى هذا الإنجاز، ويحتفي به ناشطو مواقع التواصل فخرًا للعرب كما لو عرفوا سيرته قبل ذلك وتتبعوا مشواره الرياضي، وهناك من لم يرَ في الحدث غير “عورة” رامي كما لو أن العالم عليه أن يخضع لحلالنا وحرامنا أو نقاطعه حتى يفعل ذلك.

 Mohamed.altanawy1@gmail.com

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram