بيزنس الليزك

دقيقة قد تفقدك البصر

أغلق “أحمد” عيادة العلاج الطبيعي الخاصة به، ورفض المشرف على رسالته الجامعية استكمال البحث، وكاد يفقد حياته في حادث قيادة. كان هذا جانبًا مما انتهت إليه رحلة الطبيب الشاب للتخلص من نظارته، التي بدأها قبل أربعة أعوام، ولا تزال فصولها المزعجة تؤرقه. 

“سمعت عن دكتور مشهور بيعمل الليزك بـ٢٢٠٠ جنيه، وكانت تكلفتها في الوقت ده ٧٢٠٠ جنيه، رحت المركز بعد ميعاد انتهاء العمليات لمعرفة التفاصيل، ولكن طبيب الليزك كان متعجلًا جدًّا”.. بهذه الكلمات وصف “أحمد عاشور” (طبيب العلاج الطبيعي) أولى خطواته مع عملية تصحيح الإبصار المعروفة بـ”الليزك”.
يقول “أحمد” (29 عامًا): “قابلني الفني وعمل الفحوصات، وقاللي يالا عشان تعمل العملية الدكتور متعقم ومستنيك”.

بحكم تخصصه الطبي، سأل “أحمد” عن سُمك قرنيته وحالة الشبكية، وهل تسمح حالته بإجراء الليزك، فأجابه الفني: “كله تمام والجهاز ببصمة العين، ومفيش أي خطورة”.
وخلال دقائق معدودة، خضع الشاب العشيريني للعملية، لكن معاناته امتدت لسنوات لاحقة. 

بدأ “أحمد” يعاني من مضاعفات منذ الأسبوع الأول، لكن مساعد الطبيب أخبره بأنه يعاني من جفاف بالعين، وبعد عام من العملية، بدأت الأمور تزداد سوءًا.

يتابع: “الرؤية بدأت تتدهور، وزمايلي اعتقدوا أن السبب مذاكرة الماجستير أو الإجهاد لأني مكنتش بشوف بالليل، وفي الوقت ده عملت حادثة عالدائري وربنا كتب لي عمر جديد، واستمر التدهور مبقتش أشوف لا العربيات ولا الكلام في الكتب ولا الموبايل.. سقطت في امتحانات الماجيستير لأني مكنتش شايف الأسئلة”.

تم تشخيص “أحمد” بالإصابة بقرنية مخروطية في مرحلة متأخرة بسبب ضعف سمك قرنيته الذي وصل ٣٥٠ و٣٧٠ ميكرون نتيجة عملية الليزك، ولاحقًا أجرى عمليات لتثبيت القرنية وتركيب حلقات لعلاجها، ولكنها فشلت، واضطر مؤخرًا لإجراء عملية لزراعة قرنية في إحدى عينيه، وينتظر تحسنها ليقوم بزراعة قرنية للأخرى.

يقول “أحمد”: “حياتي المهنية والدراسية والاجتماعية اتدمرت.. مشرف رسالة الماجيستير رفض استكمال البحث بعد ما عرف حالتي، وقفلت عيادتي، وناس كتير حواليا ما اتحملوش ده ومقدروش يفهموه، ودخلت في حالة اكتئاب.. كل ده بسبب عملية خدت ٣ دقائق”. 

الربح مقدم على المريض

يؤكد الدكتور “محمد عبدالحميد”، استشاري طب وجراحة العيون، أن هناك ضوابط لإجراء عملية الليزك، منها التأكد من أن سمك القرنية يجب ألا يقل عن ٥٠٠ إلى ٥٥٠ ميكرون، وألا يزيد مقاس النظر  عن ٧- ٩ درجات، لتقليل خطر التعرض للمضاعفات.

ويوضح “عبدالحميد”، أن المكاسب المادية الكبيرة وقلة الجهد المبذول تدفع بعض الأطباء لإقناع المرضى بإجراء جراحات الليزك دون أن تكون مناسبة لهم وإخفاء المضاعفات عنهم.
ويفسر “عبدالحميد” انخفاض تكلفة جراحات الليزك بتنافس الأطباء لتحقيق مكاسب مادية، واستخدامهم أجهزة وتقنيات قديمة، وتقليل المستهلكات وإعادة استخدام المخصص للاستعمال مرة واحدة، والاستعانة بطواقم طبية غير مؤهلة لتقليل أجورهم.

ويحذر استشاري طب وجراحة العيون من مضاعفات عمليات تصحيح الإبصار، خاصة عند إجرائها لمريض لا تناسبه، معتبرًا أنها جريمة ومغامرة بنظر المريض، لافتًا إلى أنه قد يعاني من عدم تحسن القدرة على الإبصار، والإصابة بعتمات في القرنية، واستجماتيزم غير منتظم، وقد تصل المضاعفات للعمى، كما أن ٦ من كل ١٠ آلاف مريض يُجرون الليزك مهددون بجحوظ القرنية وتلفها خلال عشر سنوات، وبالتالي سيحتاجون لزراعة قرنية.

"ميادة".. جلوكوما واكتئاب ورهاب اجتماعي

كانت “ميادة” (٢٤ سنة)، تعيش حياتها اليومية معتمدة على عدساتها اللاصقة لتعويض ضعف نظرها، إلى أن قام بعض أقاربها بإجراء عملية الليزك، ورشحوا لها طبيبًا. 

أصبح التخلص من عبء تطهير العدسات وارتدائها يوميًّا حلمًا ممكنًا وقريبًا للشابة العشرينية، وبالفعل أجرت الفحوصات الخاصة بالعملية، وأخبرها الطبيب بأنها تناسبها تمامًا.

تقول “ميادة” لـ”ذات مصر”: “بعد ما قاللي إن العملية مناسبة فاجأني يوم العملية أن قياساتي كبيرة وأنه سيقللها فقط، وما اتكلمش عن أي مضاعفات للعملية”.

أصيبت “ميادة” بعد العملية بالتهابات شديدة بعينيها، وأخبرها الطبيب بأنها قد تستمر أسبوعًا أو اثنين، ولكنها استمرت لأكثر من شهرين، وصف خلالها علاجات تحتوي على الكورتيزون، ما أدى لارتفاع ضغط العين. 

تتابع “ميادة”: “جات لي جلوكوما بسبب ارتفاع ضغط العين نتيجة لطول فترة العلاج، ومكنتش أعرف إنها من مسببات العمى، والدكتور مقالش إن عندي جلوكوما، ووصف لي علاج لأكتر من ٦ شهور.. كانت حالتي بتسوء”. 

أصيبت “ميادة” بنوبة اكتئاب استمرت شهرين، وتوقفت خلالها عن العلاج، وتمكنت الجلوكوما أكثر من عينيها، ثم لجأت لطبيب آخر، أخبرها للمرة الأولى بإصابتها بالجلوكوما، وبأن حالتها متأخرة، ولم تنجح العلاجات مجددًا، ليخبرها في النهاية بحاجتها لعملية عاجلة. 

تتذكر “ميادة” تلك الفترة: “في الوقت ده كنت خلاص مباشوفش تحت رجلي.. أهلي كانوا بيجروني، الدكتور قال إنه هيعمل العملية عشان يلحق النور الموجود بعيني، ولكنه ميضمنش هاشوف كويس تاني ولا لأ”.

لاحقًا، أجرت الشابة عملية المياه الزرقاء، واكتشفت بعدها الضرر الذي لحق بعينيها: “عيني الشمال فقدت ٩٠% من القدرة عالإبصار، واليمين فقدت ٢٠% وكانت تشبه عمى بالأطراف، أما الشمال عمى أكبر”.

لم تعد “ميادة” ترى بشكل جيد، وتتمكن -حاليًّا- بعد عامين من العلاجات من السير بمفردها نهارًا، ولكنها ليست قادرة على الرؤية ليلًا، وتحتاج دومًا لمرافق أو استخدام وسيلة نقل خاصة، ولكنها لم تفكر في اتخاذ أي إجراء قانوني ضد الطبيب، حتى إنها لم تخبره بما حدث لعينيها لأنها كانت في حالة نفسية سيئة ولم ترد الدخول في صراع. 

أُصيبت الشابة العشرينية بحالة من عدم الثقة: “مش متأكدة من حاجة، الرصيف خلص ولا لا، في عربيات ولا لا.. وده انعكس على حياتي مش واثقة في أي حاجة، وعانيت من الرهاب الاجتماعي، لكن باحاول أتغلب عليه بإني أحقق نجاحات في حياتي وأرجع ثقتي في نفسي تاني”. 

يؤكد الدكتور “محمد عبدالحميد” أن مقولة “كل عملية لها مضاعفات يجب تقبلها” لا تنطبق على الليزك لأنه عملية اختيارية وليست ضرورية كجراحات القلب أو الأورام مثلًا والتي يتحمل المريض مضاعفاتها لإنقاذ حياته، وذلك خلافًا لليزك الذي يمكن اعتباره عملية تجميلية. 

ويشير “عبدالحميد” إلى أن هناك نوعين من عمليات تصحيح الإبصار، الأول: يتم العمل فيه على قرنية العين وهي المعروفة بالليزك، والثاني يكون العمل على عدسة العين وهي إجراء مشابه لعملية المياه البيضاء، ويتم خلالها زرع عدسة على العدسة الأصلية للعين أو بعد إزالتها.

ويردف استشاري طب وجراحة العيون، أن الفارق بين عمليات تصحيح الإبصار المختلفة التي تعمل على القرنية يعتمد على نوع التقنية المستخدمة في تقليل أو زيادة تحدب القرنية، حيث يتم في عمليات الليزر أو prk إزالة طبقة من منتصف القرنية أو أطرافها لعلاج قصر أو طول النظر.

ويكمل: عمليات الليزك يتم خلالها رفع طبقة رقيقة من القرنية، والعمل على الجزء السفلي من القرنية بتغيير تحدبها، ثم إعادة الطبقة التي تم رفعها مرة أخرى ويتم رفعها جراحيًّا باستخدام مشرط. أما السمايل فهو التقنية الأحدث، ويتم خلالها شق جزء من طبقة رقيقة من القرنية على شكل وجه مبتسم باستخدام الفيمتو ليزك، وتغيير تحدب القرنية دون رفع الطبقة بالكامل.

"عمرو".. ذبابة وهالات ونظارات من جديد

أثناء سيره في إحدى الطرقات، شاهد “عمرو” (٣٢ سنة) إعلانًا على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” عن خصم كبير على عملية الليزك، أغراه التخلص من نظارته السميكة كما فعل الرقم الزهيد الذي سيتكلفه. اتصل برقم المعلن فحدد له اليوم التالي مباشرة لإجراء العملية.

في اليوم التالي تفاجأ المحاسب الشاب بعدد المرضى المنتظرين والذي قدره بـ١٥٠، وعقب ساعات الانتظار خضع “عمرو” لفحص قياس النظر وفحص سمك القرنية بواسطة مساعد للطبيب، ورد على تساؤله بخصوص نوع العملية بأنها تقنية حديثة وتناسب حالته تمامًا، ولم يُشر لأي مضاعفات محتملة.

قامت ممرضة متعجلة بوضع قطرة له قبل أن يبدأ الطبيب العمل على عينيه وينتهى خلال دقائق، كانت تلك المرة الأولى والأخيرة التي يرى فيها الطبيب، بينما يتكفل مساعدوه بالفحص قبل العملية، والمتابعة إذا ما تعرض المريض لمضاعفات.

قضى الشاب العشريني الأسبوع الأول جالسًا في الظلام لتجنب تحسس عينيه من الضوء، ويضع القطرات الموصوفة له، كان متحمسًا رغم ذلك لرؤية عالمه الجديد بلا نظارات، خرج مع أصدقائه مساء، وفاجأته هالات الأضواء حول أعمدة الإنارة وفي مقدمة السيارات، كان مترددًا في عبور الطريق حتى ساعده أحد أصدقائه.

يقول “عمرو” لـ”ذات مصر”: “خلعت النظارة وكنت باشوف بالنهار، ولكن الألوان كانت مش حلوة ومش منورة، وبدأت ألاحظ خيالات زي خطوط رفيعة بتتحرك قدامي، وفضلت مباشوفش كويس بالليل بسبب الهالات”.

حاول الشاب الاتصال بالطبيب، وكان رد المساعد أن ما يشعر به طبيعي وسيتحسن مع الوقت، ولكنه لم يتحسن ولاحقته الخطوط الرفيعة وهالات الأضواء، وعرف لاحقًا أن الأولى تُعرف بالذبابة السوداء وأنها بلا علاج، ومع الوقت شعر بتراجع قدرته على الرؤية أيضًا.

بعد عدة أشهر من التوتر والانفعال الدائم، راجع “عمرو” طبيبًا آخر أخبره أنه يحتاج لارتداء نظارة مجددًا لعلاج تدهور الرؤية، وأن ما يعانيه هو من مضاعفات العملية التي خضع لها.

يشبه “إيهاب سعد”، أستاذ طب وجراحة العيون بجامعة القاهرة، عروض عمليات الليزك بـ”مضاربة الأسعار”، داعيًا المرضى لاختيار الطبيب بحسب الكفاءة وليس السعر الذي يعرضه مقابل الخدمة، لأن الطبيب الجيد يستطيع اتخاذ القرار الصحيح للعملية ونوعها، كما يستطيع التعامل مع المضاعفات، وهو ما لا يستطيع القيام به الطبيب المبتدئ بحكم عدم كفاية خبرته.

ويفسر أستاذ طب وجراحة العيون، تصاعد الشكاوى من مضاعفات الليزك بأن التكلفة في مصر عامل حسم كبير عند اختيار المريض للطبيب الذي يجري له العملية، وأن بعض الأطباء يحاولون توفير بعض المال للمريض، ولكن ذلك يؤثر على جودة الخدمة المقدمة له، ويسبب زيادة المضاعفات، مضيفًا: “الطب خدمة وليس سلعة، وخبرة الطبيب وكفاءته لها ثمن”.

"أسامة".. حاول التخلص من النظارة ففقد عينيه

لم تكن والدة “أسامة عبدالكريم”، تتخيل أن رحلتها المتكررة من الشرقية (شمال العاصمة المصرية) للقاهرة، لتساعد طفلها، البالغ ١٦ عامًا في ذلك الوقت على خلع نظارته ستنتهي بمأساة. 

تروي “خلود”، شقيقة “أسامة”، أنه ووالدته زارا طبيبًا شهيرًا بهدف إجراء الليزك. أجرى الشاب الصغير فحوصاته واطلع عليها الطبيب، وأخبرهم بأنه سيجري نوعًا آخر من الليزك يناسب حالته أكثر، دون أن يخبرهم بنوع العملية التي سيجريها أو مضاعفاتها المحتملة. 

تقول “خلود” لـ”ذات مصر”: “الدكتور مقالش إنه هيعمل خلع للعدسة الأصلية للعين ويزرع عدسة مكانها، ومقالش إن العملية لها مضاعفات، وحتى الإقرار اللي مضيناه مش مكتوب فيه نوع العملية ولا المضاعفات ولا إنه هيخلع العدسة”. 

لسوء الحظ، أجرى “أسامة” العملية قبل عيد الأضحى بيومين فقط، وحينما شعر بالألم الشديد في عينه اليمنى ولاحظت أسرته أنها ملتهبة بشدة وبها تجمعات دموية، لم يستطيعوا التواصل مع طبيبه الذي كان في إجازة. 

بعد خمسة أيام من العملية، أخبرهم الطبيب بأن عينه مصابة بالتهاب بسيط نتيجة دخول ميكروب، وسيشفى مع العلاج، تتابع “خلود”: “صدقناه، دكتور كبير ومشهور، وبييجي في التليفزيون”.

بعد أربعة أشهر من التردد على الطبيب لم يتحسن “أسامة”، وكان يؤكد في كل مرة أنه لا يرى شيئًا بعينه المصابة، فزار طبيبًا آخر للاطمئنان، تتابع “خلود”: “الدكتور الجديد قالنا إن العين مفيهاش أمل، وإن الدكتور اللي عمل العملية بيكذب علينا”.

أصر طبيب العملية أنه يعرف حالته جيدًا، وأن “أسامة” بحاجة لإجراء حقن في العين سيتحسن بعده، وواصل تجربة علاجاته، بينما واصل الشاب تأكيداته أنه لا يرى شيئًا، ليخبرهم الطبيب بأنه سيحتاج لزراعة قرنية.

بعد أشهر من الانتظار أجرى الطبيب زراعة القرنية، وأخبرهم بأنه سيستطيع الرؤية مجددًا، ولكن عين “أسامة” بقيت على حالها لا ترى نورًا، وبدأت بالضمور.

أضافت شقيقة “أسامة”: “زار ستة أطباء آخرين، أجمعوا على أن عصب العين مات، وأن العين والقرنية مصابة بالضمور، وضغط العين صفر، ولا أمل في شفائها، ويجب أن يتم تفريغها”.

انتهت رحلة “أسامة” التي امتدت عامين ونصف وبدأها طفلًا للتخلص من النظارة بالتخلص من عينه، بعد أن أجمع الأطباء على عدم وجود بديل لعملية التفريغ.

* الرسوم البيانية نتائج استبيان أجراه "ذات مصر" على عينة عشوائية من ١٠٠ مصري خضعوا لجراحات تصحيح الإبصار.
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

سارة جمال

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram