وجهات نظر

بيكاسو يهزم فرانكو مجددًا

محمد حربي

الشهداء يجيدون الثأر لأنهم قريبون من الله

انتبه لسوطك

يشهد عليك الرصاص

فيرتد الصدى

***

في مشهدٍ دالٍّ بثّته وكالة رويتزر للأنباء مؤخرًا، شنق عمال إسبانيون تمثال الطاغية فرانكو، وجرّوه إلى شاحنة نقلته إلى الفراغ، وإلى مزبلة التاريخ.

بفلاش باك طويل للمشهد، يمكن قراءة تاريخ جنرال إسبانيا فرانشيسكو فرانكو (1975 -1982)، الذي أقام له الإسبان تمثالًا  بعد ثلاث سنوات من رحيله، عند بوابات مدينة مليلة، ذات الحكم الذاتي في التصور الإسباني بحكم الواقع، والمحتلة من إسبانيا  في التصور المغربي والواقعي بحكم التاريخ.

أقيم التمثال تخليدًا لمشاركة الجنرال في حرب الريف الشهيرة، التي خاضتها إسبانيا بالتعاون مع فرنسا ضد المغرب، وكانت سببًا في صعود نجم فرانكو في الجيش الإسباني، قبل أن يقود انقلابًا عسكريًا ضد الجمهورية في 1936، ويشعل حربًا أهلية، وينصب نفسه زعيمًا فاشستيًا لإسبانيا.

في التفاصيل أيضًا، ونحن نعود بالزمن، يمكن أن نرى في مشهد بالأبيض والأسود، بابلو بيكاسو، الفنان الإسباني الأشهر، في مرسمه بباريس، يجرب تقطيع الجثث والصور، ويمزق الأجساد إلى أشلاء، لتوازي لوحته فظاعة المشهد الذي عرفته قرية الجورنيكا في إقليم الباسك، عندما دكتها الطائرات الألمانية في 1937 دعمًا للديكتاتور فرانكو في الحرب الأهلية المندلعة عام 1936.

أفلت الجنرال بجريمته من العقاب، فظل رئيسًا لإسبانيا حتى منتصف السبعينيات. إلا أنه عوقب العقاب الأشد عندما رسم بابلو بيكاسو المجزرة، وخلدها في لوحة باسم القرية ذاتها، طافت العالم وفضحت العدوان الغاشم على القرية الباسكية.

ونعود بالمشهد إلى ينارير 1937، عندما طلبت حكومة الجمهورية الثانية في إسبانيا من بيكاسو رسم لوحة تشارك بالجناح الإسباني في المعرض الدولي للفن بباريس. فبدأ بيكاسو الرسومات الأولية للوحته، لكن في 26 أبريل ضربت طائرة ألمانية حربية القرية الإسبانية دعمًا لفرانكو، وخلفت 1400 قتيل بحسب إحصائيات حكومة الباسك آنذاك.

عندما زار بيكاسو صديقه الشاعر الأسباني خوان لاريا، ابن إقليم الباسك، في باريس، أشار عليه الأخير بضرورة رسم ما جرى في الجورنيكا، فعدّل مشروعه، وبدأ في رسم المجزرة.

رفضت إسبانيا فرانكو -الذي حقق انتصارًا في الحرب- الاعتراف بلوحة بيكاسو، كما رفضت الاعتراف بالمجزرة نفسها، فضلًا عن الاعتذار عنها. وظلت رائعة بيكاسو بأشلائها النبيلة في المنفى، تطوف العالم منددة بالطغيان والحروب، وتدعو بكل هذه الصور الممزقة بعناية، إلى السلام، حتى مات فرانكو في 1975، فدخلت اللوحة أخيرًا الأرض الإسبانية، وباتت من علامات الفن التشكيلي العالمي، وإحدى علامات موقف الفن من الطغيان ومناهضة الحروب.

ومنذ دخول الجورنيكا إلى إسبانيا وهي تحقق الانتصار على الطاغية، وتخلد الأشلاء في جدارية الذاكرة الوطنية الإسبانية والذاكرة الإنسانية.

ومن الأساطير الشائعة حول اللوحة، أن ضابطًا ألمانيا قابل بيكاسو، وشاهد الجورنيكا، فسأله: “أأنت فعلت هذا؟”، فأجاب بيكاسو: “بل أنت من فعل!”. ربما لو مددنا عبارة بيكاسو لوجهها أيضًا لفرانكو: أنت، فرانكو، من فعل.

كان بيكاسو صادقًا عندما رأى جحافل النازية تغزو باريس، فقال ساخرًا: “كل هذه المعدات العسكرية لدخول مدينة غزوناها بلوحة!”. هذا المعنى الذي عبر عنه بيكاسو، ترجمه بعد ذلك بسنوات، المفكر الإستراتيجي الأمريكي جوزيف ناي، عندما صك المصطلح الشهير “القوة الناعمة”، والذي يعني ضمن ما يعني: “قوة النموذج في مقابل نموذج القوة”.

صحيح أن ترجمة ناي كانت معنية بوضع دليل للقوة الأمريكية الغاشمة لترشيد بطشها العسكري، واللجوء للقوة الناعمة لتحقيق الغزو الخارجي، إلا أن المصطلح نفسه، وبعد أن نهرب به بعيدًا عن موطن إطلاقه وسياقه الزمني، فنستطيع إعادة تعريفه واستخدامه بالإشارة غلى أن القوة الناعمة لها منطقها أيضًا في الانتقام من البطش والقوة الخشنة، كأن تعلق رأس الطاغية في جدارية، كما فعلت لوحة بيكاسو.

اللافت أن لوحة بيكاسو التي عادت لإسبانيا، لم تستطع، على مدى سنوات طويلة، أن تخلص الجسد الإسباني من عاره، رغم انتصارها على الجنرال الميت؛ حيث صنع الإسبان في أرض مغربية تمثالًا للطاغية لتخليد حربه ضد المغرب.

ومنذ أيام فقط، بدا وكأن التاريخ يصحح أخطاءه، وأن الأرض تتخلص من عارها القديم. فهل كان العمال، الذين شنقوا رقبة فرانكو الحجري في هدوء دون ضجة -كما تقول رويترز في تغطيتها للحدث الرمزي الصغير- يدركون أنهم يكتبون التاريخ، ويعيدون الاعتبار للرمز، وينتصرون مجددًا مع بيكاسو، لأشلاء الجورنيكا؟!

في تعليقها على الإزالة، قالت إيلينا فرنانديز تريفينو، المسؤولة عن قطاع التعليم والثقافة في مليلة: “لقد صوّت المجلس المحلي على إزالة التمثال. هذا يوم تاريخي لمليلة”. ربما تقصد يومًا تاريخيًا لإسبانيا وللإنسانية، إذا أحسنا الترجمة، لأن إزالة تمثال الديكتاتور انتصار للذاكرة الإنسانية، التي خلدها بيكاسو بأشلاء صور طلعت من مجرزة.

ظلّ فرانكو جاثمًا برفاته على جثث الشهداء في المقبرة التاريخية، إلى أن قررت الحكومة الإسبانية في 2019 فقط، نقل رفاته من المقبرة التاريخية التي تضم ضحاياه إلى مقبرة عادية، محققة النصر الثاني لبيكاسو وللشهداء.

ويبقى أن ترد إسبانيا علي السؤال المسكوت عنه وراء المشهد الصغير: لماذا ظل هذا التمثال كل هذه السنوات عند بوابات مليلة، مخلدًا جراز الجورنيكا؟ ولماذا تظل مليلة نفسها معلقة في رقبة الثور الإسباني حتى الآن؟

***

كتبتُ يومًا تعليقًا شعرًا على لوحة بيكاسو الشهيرة:

لو كنتُ رسامًا

لأطلقت ثور بيكاسو من اللوحة

فمن العار أن يموت الميتة نفسها كل يوم

***

اليوم تحرر الثور من التاريخ، وسقط الطاغية، وبقي أن يشفى من إثم الجغرافيا المغتصبة عند البوابات.

محمد حربي

صحفي وشاعر مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى