قصص وتحقيقات

“بيكوما”.. ابتكار مصري يُحجم ظاهرة التصحر ويوقف الهجرة البيئية

“تراجع إنتاج أرض والدي، وبات إيرادها لا يُغطي مصروفات السماد والبذور والمبيدات، نحن 5 أولاد وأسرهم ووالدي ووالدتي، كنا نعيش من ريع هذه الأرض، لكنها بدأت تملحَ، فقررت السفر للعمل هنا، لتأمين احتياجات أبنائي الستة” يشرح محسن رجب، مزارع، أسباب تركه الفلاحة في أرض والده البالغة 5 أفدنة بقرية الغرق في محافظة الفيوم (81 ميلا جنوب غرب القاهرة)، والهجرة للعمل حارسا لأحد عقارات شارع الملك فيصل، بمحافظة الجيزة.

بات محسن مهاجرا بيئيا بعدما تحول من صاحب أرض إلى حارس عقار، وهو ليس حالة فريدة، بل واقع يعيشه آلاف الفلاحين الذين أجبرتهم ملوحة المياه وتملح الأرض على هجران أراضيهم والتوجه للمدن، سعيا وراء الرزق.

ارتفاع معدلات هجرة الفئات المنتجة

تحول محسن من صاحب أرض إلى حارس عقار ليصبح “مهاجر بيئي” وهو ليس حالة فريدة، بل بات واقعا يعيشه آلاف الفلاحين الذين أجبرتهم ملوحة المياه وتملح الأرض على هجران أراضيهم والتوجه للمدن، سعيا وراء الرزق، فقد قدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إجمالي عدد المهاجرين بين محافظات الجمهورية بحوالي 1.1 مليون نسمة، عام 2017، هاجر 31.2% منهم إلى محافظة الجيزة، و17.7% إلى القليوبية، و15.5% منهم هاجر إلى العاصمة “القاهرة”، وقد سجلت الفئات المنتجة (15: 44 سنة) 60.9٪ من إجمالي عدد المهاجرين، ثلثهم تقريبا (30.9%) هاجر بسبب العمل من الريف إلى الحضر، بينهم 53.9% ذكور، ولم نتمكن من الوصول لإحصائية دقيقة حول أعداد المهاجرين البيئيين.

مصر الأكثر تصحرا حول العالم

تتصدر الأولى عالميا في معدل التصحر، حيث تخسر 25 ألف فدان سنويا، وفقا للدكتور مجدي علام أمين اتحاد خبراء البيئة العرب، وتفقد محافظة الفيوم -حيث يقيم “محسن”- قرابة 10 آلاف فدان من أجود أراضيها الزراعية سنويا.

يذكر تقرير “المناطق الأكثر تصحرًا وتدهورًا في مصر”، الصادر عن مركز بحوث الصحراء التابع لوزارة الزراعة، عام 2018، أن هناك 4 أقاليم رئيسية هي الأكثر تضررا: إقليم الساحل الشمالي، ويضم منطقة الحمام وبرج العرب بالإسكندرية ومرسى مطروح ومنطقة أبيس وسهل الطينة، وإقليم دلتا النيل والوادي، الذي يضم كفر الشيخ ورشيد ودمنهور وبني سويف وسوهاج والمنيا، وإقليم الصحراء الغربية، ويضم الفيوم والواحة البحرية وواحة الفرافرة وبعض مناطق الوادي الجديد، وإقليم الصحراء الشرقية وسيناء، الذي يضم الغردقة والعريش وشرق القنطرة وحلايب وشلاتين وأبو رماد.

تصحر التربة بسبب الملوحة عبء على الاقتصاد
تصحر التربة بسبب الملوحة عبء على الاقتصاد

أسباب التصحر

للتصحر أسباب عدة ناتجة عن عوامل جيولوجية وبيولوجية ومناخية وبشرية، بينها تراكم الأملاح في الأرض جراء ارتفاع تركيز الأملاح في مياه الري، حيث تتحرك معظم الأملاح الذائبة مع مياه الري فتتسرب إلى أسفل التربة فتؤثر على الجذور ومعدل نمو النبات، ومع الوقت تصعد إلى السطح وتؤثر على خصوبة التربة وتنعدم إنتاجيتها، وفي النهاية تُسبب تصحر للأرض، ونتيجة لذلك يُهاجر عدد كبير من السكان المعتمدين على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل، و”محسن” أحدهم.

ويلجأ الفلاحون لحلول تقليدية للتغلب على هذه المشكلة، مثل الرشح، وفيها تُستخدم المياه لغسل التربة المالحة وتؤخذ الأملاح بعيدا عن جذور النباتات، أو تركيب شبكات صرف صحي لغسل الأملاح الموجودة أسفل التربة، وتقليل مستوى الصوديوم في التربة المالحة، عبر إضافة “كبريتات الكالسيوم” إلى التربة، ويلجأ البعض لزراعة نباتات ملحية تتحمل درجة كبيرة من الملوحة، مثل “رجلة البحر والشنان القزمي”، وتسحب هذه النباتات كميات كبيرة من الأملاح الموجودة في التربة، لكنها جميعا حلولا غير ناجعة وضعيفة الجدوى، وظهرت خلال السنوات الأخيرة تقنية ثورة تسمى “المياه الممغنطة”، وأدخل مهندس مصري بعض التعديلات على الجهاز ليتلائم مع الوضع داخل مصر.

جهاز “بيكوما”

للتغلب على هذه الظاهرة، ابتكر المهندس عاطف عزت، خبير نظم التحكم الآلي والتطبيقات المغناطيسية، جهاز “بيكوما” الذي يقوم بـ3 مهام رئيسية: منع الحديد الموجود في مياه الري من الوصول للتربة، وتكسير الأملاح وحجز الروائح الكريهة، مد المياه بالطاقة الحيوية عن طريق أجزاء الكوارتز ليستفيد بها النبات في النهاية.

تقنية الجهاز تعتمد على إمرار المياه في مجال مغناطيسي قوي، فيؤين الأملاح ويُفتتها عن طريق كسر الروابط بين جزئيات الأملاح وبعضها، فمثلا تُكسر ملح كلوريد الصوديوم إلى جزئيات الصوديوم وجزئيات الكلور، ويحدث المثل مع جميع أنواع الأملاح الموجودة في المياه، علاوة أن الجهاز يُزيد ذوبانية الأملاح، ما يقلل من تركيزها داخل التربة وماء الري.

يقول “عاطف” إن تقنية “الماجنتيك” مستخدمة بكثرة في مناطق عدة حول العالم، لكنه أضفى عليها تقنية الهندسة الحيوية “البايوجيمتري”، وهي أشكال هندسية تمد النبات بالطاقة الحيوية التي تُزيد كمية المحصول وتُحسن طعم الثمرة وحجمها، والجهاز بالكامل مصنع داخل مصر بمنطقة العاشر من رمضان، وتتفرد شركته بهذه التقنية، كما أن جهازه يمنع الحديد -الذي يُقلل الإنتاج ويضر التربة- الموجود في المياه من الوصول للتربة.

مكونات جهاز بيكوما

يتكون جهاز بيكوما من أسطوانة مجوفة مصنوعة من الاستانلس ستيل بأقطار مختلفة، تحوي داخلها مصفاة لتجميع جزئيات الحديد الموجود في المياه، ثم سبائك معناطيسية لتكسير الأملاح، ثم جزء لإزالة الروائح الكريهة، ثم الكوارتز والأشكال الهندسية التي تضفي طاقة حيوية على المياه.

 

مكونات جهاز بيكوما

مكونات جهاز بيكوما

أنتج المهندس الحاصل على درجة الدكتوراه في مجال تطبيقات الزراعة بالماء المالح، أجهزة بقدرات مختلفة، وتختلف الأسعار حسب نسبة الملوحة التي يعالجها الجهاز، فجهاز 2 بوصة (قطر الجهاز) سعره 6 آلاف جنيه (380 دولارا) ويعالج حتى درجة ملوحة 5 آلاف جزء في المليون، وجهاز 6 بوصات سعره 66 ألفا (4300 دولار) يعالج ما بين 10 حتى 18 ألف جزء في المليون، وأكد أن العمر الافتراضي للجهاز 50 عاما، ولا يحتاج إلا لقطع غيار، وهي متوفرة في الشركة.

انفوجراف 1: أسعار الجهاز ودرجات الملوحة التي يعالجها
انفوجراف 1: أسعار الجهاز ودرجات الملوحة التي يعالجها

 

 

جدوى جهاز بيكوما

وعن جدوى استخدام الجهاز في سيوة والواحات والفيوم –حيث يقطن محسن-، قال مبتكر الجهاز إن المزارعون هناك يستخدمون الأجهزة التي تعالج ملوحة حتى 5 آلاف جزء في المليون، ومن يملك 10 أفدنة يستخدم جهازا قطره 3 بوصات، ويبلغ سعره 18 ألف جنيه (1150 دولارا)، ويمكنهم الجهاز من زيادة عدد المحاصيل التي يمكن زراعتها بمياه نسبة ملوحتها عالية، فمثلا محصول الطماطم الذي يحتاج لمياه لا تزيد نسبة الملوحة فيها عن 1200 جزء في المليون، يُمكن الجهاز من ريها بمياه ملوحتها 3 آلاف جزء في المليون، كما أن الجهاز يحجب بعض الروائح الكريهة مثل الكبريت، ويضفي طاقة حيوية إلى المحاصيل، وهو ما يزيد معدل إنتاج المحاصيل بنسبة تتراوح بين 1.5 و3 أضعاف، حسب نوع المحصول وطبيعة التربة.

 

المحاصيل نسبة الفقد في الإنتاج التحمل النسبي للملوحة
صفر 10% 25%
ملوحة مياه الري (ديسيسيمنز/م) ( ds/m)
محاصيل الفاكهه
النخيل 2.7 4.5 7.3 متحمل
تفاح 0 1.5 0 حساس
برتقال 1.1 1.6 2.2 متو سط التحمل
جريب فروت 1.2 1.6 2.2 متوسط التحمل
ليمون 1.0 1.5 2.3 متوسط التحمل
عنب 1.0 1.7 2.7 متوسط التحمل
مشمش 1.1 1.3 1.8 حساس
محاصيل الخضر
فاصوليا 0.7 1.0 1.5 حساس
فجل 0.8 1.3 2.1 متوسط التحمل
طماطم 1.7 2.3 3.4 متوسط التحمل
جزر 0.7 1.1 1.9 حساس
خس 0.9 1.4 2.1 متوسط التحمل
بطاط 1.1 1.7 2.5 متوسط التحمل
بصل 0.8 1.2 1.8 حساس
سبانخ 1.3 2.2 3.5 متوسط التحمل
بنجر المائدة 2.7 3.4 4.5 متوسط التحمل
فلفل 1.0 1.5 2.2 متوسط التحمل
ملفوف 1.2 1.9 2.9 متوسط التحمل
خيار 1.7 2.2 2.9 متوسط التحمل
محاصيل الحقل
شعير (غلف) 4.0 4.9 6.3 متحمل
ذرة رفيعة 4.5 5.0 5.6 متحمل
ذرة شاميه 1.1 1.7 2.5 متوسط التحمل
برسيم 1.3 2.2 3.6 متوسط التحمل
علف الرودس 2.7 6.35 متحمل

انفوجراف 2: درجات الملوحة التي تتحملها المحاصيل الزراعية وعلاقتها بمعدل الإنتاج (المصدر: د. عبدالحبيب عبدالستار)

توفير المياه والأسمدة والمبيدات

الدكتور حسن بسيوني، أستاذ كيمياء الأراضي والمياه وخبير التقنية المغناطيسية، يؤكد أن الأملاح المذابة في المياه بكميات عالية تجعلها عقيمة وتضر النبات والتربة معا، واستخدام التقنية المغناطيسية مفيد جدا لتقليل نسبة ملوحة المياه، وتُصلح الأرض على المدى البعيد وتتحكم في قلويتها، كما أنها تقلل استخدام المبيدات، فالشريط البروتيني الموجودة في الميكروبات لا يتحمل الطاقات العالية للأيونات فيتكسر.

وكشف أن معالجة المياه مغناطيسيا يساعد في توفير قرابة 50% من مياه الري، لقلة فاقد التبخر لسهولة دخول المياه إلى التربة وامتصاص النبات السريع لها، كما أن هذه التقنية تُزيد نشاط ذرات الأكسجين، ما يجعل العناصر الغذائية أكثر جاهزية للامتصاص، ما يقلل استخدام الأسمدة الى النصف تقريبا، وبالتالي تحمي النباتات من تراكمات الأسمدة والكيماويات التي تؤثر على صحة الإنسان والحيوان.

وأوضح أستاذ كيمياء الأراضي والمياه، أن هذه التقنية تُحسن خواص التربة وتقلل تدريجيا من تراكم الأملاح التي تؤدي لفقد التربة لخصوبتها، وبالتالي تساعد في علاج ظاهرة التصحر، مؤكدا أنه لم يكتشف بعد وجود تأثير سلبي لهذه التقنية.

معالجة المياه مغناطيسيا يساعد في توفير قرابة 50% من مياه الري
معالجة المياه مغناطيسيا يساعد في توفير قرابة 50% من مياه الري

إعادة إحياء مياه الري

وأكد الدكتور وليد فؤاد أبو بطة، باحث بمعهد بحوث البساتين التابع لمركز البحوث الزراعية، أن مغنطة المياه تُعيد لها الكثير من الخواص المفقودة، مثل إعادة تنظيم شحنات الماء بشكل صحيح في الوقت الذي يكون فيه شكل هذه الشحنات عشوائيا في الماء العادي، فيمنح النبات نشاطا وحيوية فائقة، وقدرة عالية على الاستفادة القصوى من كل ما يحويه الماء من عناصر غذائية.

وأضاف أبو بطة، أن المجال المغناطيسي يؤثر على الروابط الهيدروجينية وغير الهيدروجينية الموجودة في المياه، تأثيرا قويا، ما يؤدي لتغيير الخصائص الفيزيائية والكيميائية للمياه، ويُقلل قوى التوتر السطحي بنسبة 2%، ويُحسن قلوية المياه ويحولها لمياه شبه حامضية بنسبة 7.6.

وأكد أن للمياه الممغنطة فوائد أخرى عديدة، مثل تحييد الأثر الضار لكلوريد الصوديوم على النباتات، ما يُحسن نموها، ويمنع تكون ترسبات كلسية داخل أنابيب الري ما يزيد من كفائتها، ويزيد معدلات إنبات البذور، ويزيد معدلات احتفاظ التربة بالماء، ما يساعد على النمو الكلي للنبات، ويزيد كفاءة الري، ويُقلل كميات الري بحوالي 30 %، بالإضافة إلى العددي من الفوائد الأخرى.

النتائج السابقة أكدتها بعض الدراسات والأبحاث العلمية، وقد طالعنا 9 منها صادرة عن جامعات مصرية وعربية وأوروبية، جميعها تؤكد التأثير الإيجابي لاستخدام المياه المعالجة مغناطيسيا على التربة والمحاصيل بأنواعها المختلفة، وتشير لتحسن ملحوظ في نمو هذه المحاصيل، وتحسن صفاتها الفسيولوجية والبيوكيميائية.

انفوجراف 3: فوائد استخدام الماء الممغنط
انفوجراف 3: فوائد استخدام الماء الممغنط

 

بيكوما تحسن الإنتاج

يقول عبدالناصر الهلاوي، أحد مستخدمي الجهاز بمنطقة جمصة في محافظة كفر الشيخ، إن الجهاز ساعده في الحصول على إنتاج من أشجار الزيتون التفاحي بعد عام واحد فقط، رغم أنه لا يُثمر إلا بعد 3 سنوات، علاوة أن ارتفاعه تعدى المترين قبل أن يتجاوز عمر الشجر عامين، بدون استخدام أي كيماويات.

وقارن “الهلاوي” بين منطقتين في أرضه استخدم الجهاز في ري إحداها دون الأخرى، فوجد إنتاج الجزء الذي لا يستخدم فيه الجهاز سيئ جدا، وعندما استخدم الجهاز في ريه تحسن الإنتاج، مؤكدا أن الجهاز فرق معه جدا.

ساعد بيكوما في الحصول على إنتاج من أشجار الزيتون التفاحي بعد عام واحد
ساعد بيكوما في الحصول على إنتاج من أشجار الزيتون التفاحي بعد عام واحد

وأكد المزارع خالد عبد الباسط، أن الأملاح كانت تطفو فوق سطح التربة، وكانت الأرض مغطاة بالملح، لكن بعد استخدام الجهاز تخلصوا تماما منها، وباتت التربة خالية من الأملاح تماما، كما أن الجهاز ساعدهم في تقليص استخدام المبيدات الحشرية وغيرها من المواد الكيماوية، مؤكدا أن تأثير الجهاز يظهر جليا في معدل نمو النباتات وحجم الإنتاج.

 

التحديات

يشير مبتكر الجهاز إلى أن أبرز التحديات التي تواجهه هي زيادة نسبة ملوحة المياه بزيادة السحب من آبار المياه الجوفية، إضافة لعدم قدرة الجهاز على التعامل مع درجات ملوحة المياه المرتفعة جدا، وضعف الإمكانيات المادية للفلاحين ما يدفعهم لاستخدام أجهزة ذات قدرات أقل لا تعالج المياه بشكل كافي وتؤثر على جودة المحاصيل.

لكن هناك تحديات أخرى تواجه هذا الحل، تتمثل في ارتفاع تكلفة الجهاز نسبيا، علاوة على عدم وجود دراسات بحثية كافية حتى الآن ترصد إن كان له تأثير ضار على التربة أم لا، علاوة على عدم رصد تأثير هذا التقنية على البيئة وصحة الإنسان.

يتمنى عاطف أن يعالج الجهاز مشكلة التصحر في مصر، لتقليل مساحات الأراضي التي تفقدها مصر سنويا، وتفقد معها ملايين الأطنان من المحاصيل الزراعية التي تؤمن احتياجات المواطنين من الغذاء، ووقف حركة هجرة المزارعين من الريف إلى الحضر، بحثا عن مصدر دخل بديل للزراعة.

إيهاب زيدان

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى