سياسة

بين التودد والتشدد.. استراتيجية “العنابي” تؤجج التوتر في المغرب العربي

بعد نحو أسبوع من إعلان برنامج “مكافآت من أجل العدالة” التابع لوزارة الخارجية الأمريكية زيادة المكافأة الموضوعة على رأس أبو يوسف العنابي أمير تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنهاء عملية برخان العسكرية التي أطلقتها بلاده ضد التنظيمات الإسلامية في منطقة الساحل الإفريقي قبل نحو 8 سنوات.

جسَّد التناقض الواضح في الإعلانيين السابقين طبيعة الأوضاع المضطربة التي تعيشها منطقة المغرب الإسلامي، والتي تشمل أيضًا الساحل والصحراء الكبرى في إفريقيا، فرغم النجاح الجزئي لعمليات مكافحة الإرهاب التي قادتها “باريس” في المنطقة بدعم أمريكي وغربي، لم تتمكن القوات الفرنسية من القضاء على الجماعات والتنظيمات المسلحة هناك، والتي صعدت من وتيرة عملياتها خلال الفترة الماضية.

أبو يوسف العنابي

ارتبطت حالة التصعيد العملياتي، بشكل مباشر، بتولي “أبو يوسف العنابي” لإمارة تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي والذي يمثل القيادة القطرية لتنظيم القاعدة في المنطقة، والتي تتبعها أفرع محلية في الجزائر وتونس ومالي والنيجر وبوركينا فاسو.. إلخ.

أبو يوسف العنابي.. والصعود لإمارة القاعدة

في شهر نوفمبر من العام الماضي، بثّت مؤسسة الأندلس الإعلامية، الذراع الدعائية لتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، إصدارًا مرئيًا بعنوان “فبذلك فليفرحوا” أكد خلاله عبد الملك ولد سيدي المعروف بـ”قتيبة أبو النعمان الشنقيطي”، القاضي الشرعي للقاعدة في مناطق شمال مالي، مقتل أمير التنظيم عبدالملك درودكال (أبو مصعب عبد الودود)، وذلك بعد نحو 5 أشهر من إعلان وزيرة الدفاع الفرنسية فلورنس بارلي مقتله مع بعض الأعضاء المقربين منه في التنظيم في شمال مالي.

وأضاف “الشنقيطي” أن قيادة التنظيم قررت اختيار يزيد مبراك (أبو عبيدة يوسف العنابي/ أبو يوسف العنابي) خلفًا لأبي مصعب عبد الودود، داعيًا عناصر التنظيم للوحدة والتزام الجماعة، وعدم الفرقة والاختلاف.

عملية اغتيال أبومصعب عبد الودود

بيد أن النبرة التي تضمنها الإصدار، عزَّزت الشكوك المثارة حول الخلاف الداخلي في التنظيم، والذي اندلع منذ مقتل أميره السابق، ورجَّح مراقبون، آنذاك، أن تأخير الكشف عن هوية الزعيم الجديد للتنظيم يرجع إلى حالة الخلاف بين مكونات القاعدة، بجانب الوقت الذي تستغرقه المراسلات بين قيادة القاعدة المركزية في جنوب آسيا وبين أفرعه الأخرى.

تاريخ من العمل المسلح

ووفقًا لإصدار “فبذلك فليفرحوا” فإن الأمير الجديد للقاعدة ولد بمدينة عنابة (إحدى أكبر وأبرز مدن الشرق الجزائري) في 1  يناير 1969، وهناك تلقى تعليمه الأساسي إلى أن التحق بالجامعة لدراسة الاقتصاد، وحصل على شهادة الليسانس في تخصص علوم التسيير؛ وهو أحد التخصصات الموجودة بكلية العلوم الاقتصادية بالجزائر.

وانضم “العنابي” إلى صفوف الجماعات الجهادية في عام 1993، وتشير تقارير صحفية إلى أنه تلقى تدريبه في أفغانستان (لم يتم التوثق من تلك المعلومة من مصدر مستقل)، كما انضم لاحقًا للجناح المسلح للجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية، والتي كانت عبارة عن تحالف لفصائل وتيارات إسلامية، خاضت الانتخابات البلدية عام 1990، وفازت بها قبل أن تتحول للعمل المسلح ضد الجيش الجزائري الذي عطل الجولة التالية من الانتخابات إلى حين “استتباب الأمن، وعودة الاستقرار، وتوفر ظروف الممارسة الديمقراطية” حسب بيانه الصادر وقتها.

إقرأ أيضًا: تعزيز نفوذ.. تحولات “القاعدة” في الساحل الإفريقي

ورافق “أبو يوسف العنابي” الزعيم السابق لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي أبومصعب عبد الودود، خلال الحرب الأهلية الجزائرية المعروفة بـ”العشرية السوداء”، كما أسَّسا معًا “الجماعة السلفية للدعوة والقتال” الجزائرية في عام 2004، والتي بايعت أسامة بن لادن أمير تنظيم القاعدة في عام 2007 بناءً على توصية ووساطة من أبومصعب الزرقاوي (أمير القاعدة في بلاد الرافدين وقتها).

 

أبومصعب عبد الودود

داخل القاعدة في المغرب الإسلامي

شغل “أبو يوسف العنابي” عِدة مناصب قيادية في تنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي، وتولى منصب أمير مجلس الأعيان (اللجنة التوجيهية للقاعدة بالمغرب الإسلامي)، بجانب كونه عضوًا بمجلس الشورى العام للتنظيم.

وإلى جانب أدواره التنظيمية، برز “العنابي” بشكل خاص في الإعلام، وحرص على الظهور في أكثر من مناسبة، إذ ظهر في عام 2011 في بيان مبايعة فرع المغرب الإسلامي، لأيمن الظواهري، أمير تنظيم القاعدة، بعد مقتل سلفه أسامة بن لادن (مايو 2011)، بجانب لقاءات عديدة أجرتها مؤسسة الأندلس الإعلامية، وبعيدًا عن الإعلام الجهادي أجرى لقاءات مع وسائل إعلامية غربية من بينها قناة فرنسا 24، في نفس الفترة التي كانت تشن فيها باريس عملية برخان ضد التنظيم في الساحل الإفريقي.

للمزيد: مستقبل “القاعدة” في “المغرب العربي”: جهاد مسلح ضد “داعش”.. و”فرنسا”!

وشارك “العنابي” في العديد من العمليات الإرهابية الكبرى التي شهدتها الجزائر، أبرزها محاولة الاغتيال التي استهدفت الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة بمدينة باتنة (شرق البلاد)، والتفجيران اللذان استهدفا استهدفا مقر المجلس الدستوري في العاصمة الجزائرية والمفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، وأوقعا 26 قتيلا و177 جريحا، في عام 2007.

وعقب تشديد الجيش الجزائري الخناق على مجموعات القاعدة في البلاد، انتقل تهريبًا إلى مالي، بحسب وسائل إعلام عربية، وشارك في العديد من العمليات التي نفذها التنظيم على مدار السنوات الماضية.

على قائمة الإرهاب الدولية

ونتيجةً لأنشطته الإرهابية العابرة للحدود، أدرجت وزارة الخارجية الأمريكية أبو يوسف العنابي على قائمتها للإرهاب، في العاشر من سبتمبر 2015، ووصفته بـ”الإرهابي العالمي المصنّف بشكل خاص”.

مقاتلي القاعدة في المغرب الإسلامي

وبعد أقل من عام واحد، أدرجته منظمة الأمم المتحدة على لوائح الإرهاب الدولية في 29 فبراير 2016، موضحةً أن هذا الإدراج جاء بسبب ارتباطه بتنظيم القاعدة، ومشاركته في تمويل أعمال ونشاطات فرعه في بلاد المغرب الاسلامي، والتخطيط لها، أو تيسير القيام بها، أو ارتكابها والمشاركة فيها. 

وفي فبراير 2017، قضت المحكمة الجنائية بالجزائر بإعدام “أبو يوسف العنابي” ورفيقه أبو مصعب عبد الودود و5 آخرين من قادة التنظيم بسبب تورطهم في الهجمات التي شهدتها العاصمة في 2007، كما صدرت بحقه مذكرات اعتقال دولية.

محاولة تغيير الجلد

وعلى الرغم من نشاطه البارز في العمليات المسلحة، دأب أبو يوسف العنابي على السعي لكسب التعاطف والتأييد الشعبي في بلدان المغرب الإسلامي (ليبيا، وتونس، والمغرب، والجزائر، وموريتانيا.. إلخ)، وذلك عبر تغيير النبرة المتشددة التي تحكم خطاب القاعدة.

ففي لقاءه الذي بثته مؤسسة الأندلس الإعلامية في يوليوز 2011، أكد “العنابي” أن الانتفاضات العربية هي نوع من أنواع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يشجع عليه تنظيم القاعدة، معتبرًا أن التنظيم كان له دور هام في التحريض على التظاهرات والانتفاضات في البلدان العربية.

مقاتلي القاعدة في المغرب الإسلامي

قد يهمك: مشهد دولي جديد لمكافحة الإرهاب: 2021.. عام المراجعات

وعندما اندلعت الثورة الجزائرية على الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، في عام 2019، أكد حرص الزعيم الحالي لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي على إبراز تأييده للتظاهرات الشعبية، وأصدر عدة بيانات إعلامية للمتظاهرين، كما وجه عناصر التنظيم للتوقف عن شن أي هجمات إرهابية في ذلك التوقيت.

وبالتوازي مع تصديره خطابًا براجماتيًا أقل تطرفًا، استمرت عمليات القاعدة في التصاعد منذ وصول أبو يوسف العنابي إلى إمارة التنظيم في المغرب الإسلامي، وتزايدت أنشطته الإرهابية داخل نطاق الإقليم، وهو ما دفع الولايات المتحدة، مؤخرًا، لرفع قيمة المكافأة المرصودة لمن يدلي بمعلومات عنه من 5: 7 ملايين دولار أمريكي، وهو ما يؤكد على الخطورة التي يمثلها “العنابي” على الأمن في المنطقة.

أحمد معروف

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى