زوايا

بين السحر، والطوطمية، والشامانية: كيف نفهم سمات الديانات البدائية؟

عاش الإنسان منذ فترة موغلة في القدم، وسط ظروف حياتية قاسية، بالغة الصعوبة؛ إذ أحاطت به الحيوانات المفترسة من كل صوب، كما تلاعبت قوى الطبيعة العاتية بمصائره وأقداره، الأمر الذي أسهم في تشكيل ما عُرف بـ “الديانات البدائية”.

الإنسان الذي كان لا يزال في تلك العصور، يحاول أن يستكشف خطواته الأولى نحو النجاة والبقاء، عمل على استرضاء قوى الطبيعة، والتقرب منها في بعض الأحيان، كما سعى لإخضاعها والسيطرة عليها في أحيان أخرى. من هنا لم يكن من الغريب أن نجد أن مفردات الطبيعة المحيطة من حيوانات ونباتات ومناخ، قد وجدت طريقها إلى الوعي الجمعي الديني للمجتمعات الإنسانية المبكرة.

ماذا نعني بالديانات البدائية؟

في الفصل الأول من الجزء الأول من موسوعته «تاريخ الأديان»، يعمل الباحث السوري فراس السواح على شرح مفهوم الديانات البدائية، وذلك من خلال إثارة بعض الأسئلة الإشكالية المتصلة بهذا المفهوم.

بداية، يشرح السواح النقاط التي ربطت بين الديانات المبكرة من جهة ومصطلح البدائية من جهة أخرى يظهر مفهوم “الديانات البدائية”، فيقول إن تشارلز داروين بعد أن نشر نظريته الشهيرة في أصل الأنواع، وبعد أن لاقت تلك النظرية حظها من القبول والذيوع في شتى الأوساط العلمية والأكاديمية، فإن «المفهوم التطوري قد دخل في صلب تفكير الإنسان الحديث ونظرته إلى الأمور، وصرنا ننظر إلى كل ما هو قديم باعتباره الأدنى في سلم التقدم، وإلى كل ما هو حديث باعتباره الأعلى في هذا السلم التطوري الصاعد».

بحسب هذا التوجه المبني على النظرية التطورية، تم استحداث مصطلح «البدائي»، للتعبير عن كل ما هو أقدم، وتم النظر إلى كل ما يمت بصلة للجماعات البشرية الموغلة في القدم على كونه بدائيًا، ومن هنا ظهرت حزمة من المصطلحات الجديدة، ومنها الدين البدائي، والأخلاق البدائية، ومؤسسات المجتمع البدائي.

وإذا كانت القاعدة المنطقية- الشرعية، تقرر أن «العبرة في المعاني، وليست في الأسماء والمباني»، وأنه «لا مشاحة في المصطلح»، فإن السواح يلفت نظر القارئ إلى إحدى الملاحظات المهمة، وهي تلك التي يعمل أصحابها على تحقير وتسفيه ثقافة الشعوب البدائية، على اعتبار أن كل ما هو بدائي وجب أن يكون متدنيًا بالتبعية.

يؤكد السواح أن هذا الحكم غير صحيح، فيقول إنه إذا اتفقنا على أن الشعوب البدائية قد تكون أقل تطورًا في النواحي التكنولوجية وبعض النواحي الأخرى «ولكنها من بعض الوجوه أكثر تطورًا من أكثر المجتمعات المتقدمة. فالبدوي في صحاري رماله، والإسكيمو في صحاري جليده، هو أكثر ودًا وشجاعة وصدقًا وإخلاصًا وتعاونًا من أكثر أعضاء المجتمعات المتمدنة».

ولذلك، فإن كثيرًا من الباحثين قد أعادوا النظر في مصطلح البدائي، فعملوا على استبدال مصطلح بديل به، لا يوحي بفكرة التدني من الناحية التطورية. من تلك المصطلحات البديلة: مصطلح الجماعات اللاكتابية، ومصطلح الجماعات الإثنية، ومصطلح الجماعات الوطنية، وأيضًا مصطلح الجماعات التقليدية الذي استخدمه مؤرخ الأديان المعروف ميرسيا إلياد.

تشارلز داروين صاحب نظرية أصل الأنواع

السمات المشتركة في الديانات البدائية

في الفصل الثاني من الكتاب، يستعرض جون نوس عددًا من السمات المميزة المشتركة بين كثير من المجتمعات البدائية التي عرفتها الأزمنة السحيقة، ومنها: «الرهبة تجاه المقدس»، التي تجعل تلك المجتمعات تنظر لكل ما هو مقدس بنظرة تجمع بين الاحترام والحذر في آن واحد. و«التعبير عن القلق في الطقوس»؛ لأنه لما كان كثير من الممارسات الاعتيادية التي تتم في تلك المجتمعات، يقع في أجواء خطرة، فقد صار من الطبيعي والحال كذلك، أن نجد أن كثيرًا من الطقوس والصلوات التي تُتلى للنجاة من تلك الأخطار، قد هيمنت عليها روح الرهبة والخشوع.

أيضًا، نلاحظ أهمية «الطقس» في الديانات البدائية؛ ذلك أن الاعتقاد السائد كان يذهب إلى أهمية الطقوس في جلب المنافع والخيرات، وأن لها قدرة فريدة في الحفاظ على الصحة وإكثار النسل. من جهة أخرى، يلاحظ نوس أن الطقوس قد تداخلت مع الأساطير والميثولوجيا، وأن البدائيين قد اختلقوا الأساطير لتفسير ظهور الطقوس، وأنهم عملوا على صبغها بالشكل الإعجازي، من خلال نسبتها إلى مجموعة من الأسلاف القدامى. أما أهم أجزاء الطقس، فهو الصلاة، والتي تتم بشكل توسلي، وتتضمن مواضيع متنوعة، مثل: «العبادة، والاعتراف بالذنب، والوعد بالتكفير، والشكر والامتنان، ثم الابتهالات والتوسلات».

في السياق نفسه، هناك «الكهانة أو العرافة»، التي تختصر طريق الصلاة؛ لأنها تهدف إلى المعرفة الفورية لنيات القوى الروحية ومزاجها. ومن أهم مظاهر الكهانة التي عرفها البدائيون «قراءة البشائر والنذر، وذلك من خلال طيران الطيور، وصوت الرعد، والأحلام والرؤى، والكسوف، وعلامات النجوم، وظواهر أخرى مشابهة».

الروح أيضًا كان لها حضور طاغٍ في الديانات البدائية. على سبيل المثال، عرف البدائيون «المانا» التي تشير إلى «قوة سحرية فوق طبيعانية، قائمة بذاتها، وتسري في مظاهر الكون والطبيعة»، كما أن الشعوب البدائية قد اعتقدت بـ«الأرواحية»، التي تعني أن هناك روحًا في كل المواد الموجودة في الكون، سواء كانت مواد ساكنة أو مواد متحركة.

مما سبق، يمكن فهم سبب عبادة الإنسان البدائي لمجموعة كبيرة من العناصر والمفردات المادية، ومنها الحجارة والأوثان والنباتات والأشجار وبعض الحيوانات، فضلًا عن الأرض والهواء والنار والماء، والتي اعتقد البدائي أن أرواحًا مقدسة تسكنها وتكمن فيها جميعًا.

يشير جون نوس في دراسته أيضًا، إلى أن كثيرًا من الشعوب البدائية قد اعتقدت بوجود إله بعيد يوجد في السماء أو في البحر، وأنه هو الذي صنع كل شيء، كما أنه يراقب ما يفعله البشر جميعًا دون أن يتدخل فيما يحدث، إلا في أوقات نادرة. ويشير نوس أيضًا إلى إيمان الشعوب البدائية بـ«التابو»، الذي يحمل معاني الحظر والتحريم، ويشترك فيه عديد من أفراد القبيلة المهمين، ومنهم زعيم القبيلة الذي يُمنع لمسه أو الاقتراب منه، وكذلك المقاتلون الذين يستعدون لخوض الحروب، والأطفال المولودون حديثًا، والنساء أثناء الولادة أو بعد وفاة أزواجهن.

غلاف كتاب موسوعة تاريخ الأديان

الطوطمية: شعار العشيرة

أما في الفصل الثالث من الكتاب، ففيه يناقش عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم مسألة «الطوطمية»، باعتبارها إحدى أهم الصفات الشائعة التي ارتبطت بالمجتمعات البدائية في شتى أنحاء العالم، وباتت جزء من الديانات البدائية.

يرى دوركايم أن البدائيين قد ارتبط بعضهم ببعض في شكل عشائر، وأنهم كانوا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم يشكلون عائلة واحدة كبيرة، ومن هنا كان من الطبيعي أن تظهر بينهم مجموعة من الواجبات والالتزامات بعضهم تجاه بعض، ومنها المساندة، والثأر، والحداد… إلخ.

ولكن كيف تتمايز العشائر بعضها عن بعض؟ يجيب عالم الاجتماع الفرنسي عن هذا السؤال، فيقول إن الطوطم هو الذي يفرق عشيرة عن أخرى: «فلكل عشيرة طوطمها الذي ينتمي إليها وحدها». الطوطم هو شعار كل عشيرة إذن، وقد يختلف ما بين الشكل الحيواني أو النباتي.

يلاحظ دوركايم أن الطوطم لا يكون فردًا؛ بل يكون نوعًا أو صنفًا، كالكنغر أو الكبش مثلًا؛ وفي بعض الحالات النادرة يكون الطوطم فريدًا من نوعه، كأن يكون الشمس أو القمر أو النجم.

يلاحظ الباحثون أن المجتمعات البدائية قد اختلف بعضها عن بعض فيما يخص الخط الوراثي للطوطم. ففي بعض الأحيان نجد الطوطم ينتقل تبعًا لخط الأب، وفي أحيان أخرى يتخذ الطفل الوليد طوطم أمه، أما في أحيان نادرة: «لا يكون طوطم الطفل طوطم أبيه أو أمه بالضرورة؛ بل يكون طوطم سلف أسطوري يأتي الأم من خلال سيرورات يصفها المراقبون بطرائق شتى، فيلقحها على نحو غامض وملغز لحظة الحمل».

في الحقيقة، لا يكون الطوطم مجرد رمز روحي أو رمزي؛ بل نجده في معظم الأحيان شعارًا ماديًّا حقيقيًّا، فكثير من البدائيين كانوا يطبعون صور طوطمهم على أجسادهم، في حين حرصت بعض القبائل على اقتباس شكل الطوطم في الملابس، ومنهم قبائل الهنود الحمر على سبيل المثال التي كانت تمتلك في زمن الحروب: «شعارات حقيقية مصنوعة من قطع من لحاء الشجر المشدودة إلى طرف عمود، تُمثل عليها الطواطم». كما نلاحظ أن الطوطم كان يظل مرتبطًا بالإنسان البدائي حتى بعد وفاته، ففي كثير من المناسبات، كانت عظام الميت تُدفن بعد أن تكون قد جُففت وطُحنت، وإلى جانب المكان الذي دُفنت فيه، كانت توضع هيئة تمثل الطوطم.

في السياق نفسه، ظهر ارتباط كل عشيرة بطوطمها أثناء ممارسة الشعائر الدينية، ذلك أن الشخص الذي كان يمارس الطقوس في الأعياد الدينية، كان يحرص على ارتداء عباءة تمثل جسد الحيوان الطوطمي الذي يحمل اسمه، وعندما كان الطوطم على شكل طائر، فإن مؤدي الطقس الديني كان يرتدي ريش هذا الطائر على رأسه.

عبادة كل عشيرة ارتبطت بطوطمها، من خلال ما يُعرف باسم «Churinga»، وهي مجموعة من الأدوات التي تُستخدم في العبادة، وكانت تُصنع من الخشب على هيئة بيضاوية أو شكل مستطيل، وكان من المعتاد أن يُحفر عليها شكل الطوطم، ويتم حفظها في مكان مقدس بعيد عن الأنظار، ويكون مدخله مغلقًا بعناية، وقد ساد الاعتقاد بأن تلك المناطق المقدسة هي مناطق آمنة، وينبغي أن يسود فيها السلام، فلا يلحق العدو بالمحارب العدو الذي يلجأ إليها، ويُمنع الصيادون من الإجهاز على الحيوان الجريح الذي يطاردونه إذا لجأ إلى هذا المكان.

ارتبط الطوطم بممارسة الشعائر في الديانات البدائية

الشامان: ساحر العشيرة الذي يطارد الأرواح

في الفصل الرابع من الكتاب، يتناول المؤرخ الروماني ميرسيا إلياد مفهوم «الشامان» الذي يُعد أحد أهم المفاهيم الدينية التي عرفتها المجتمعات البدائية.

في بداية بحثه، يعرف إلياد الشامانية فيقول إنها «ظاهرة من الظواهر الدينية في سيبيريا وآسيا الوسطى، وقد أتت تلك الكلمة (الشامانية) عبر الروسية، من الكلمة التونغوزية: شامان».

هناك فوارق كبيرة بين الساحر والشامان؛ إذ يمكن القول إن كل شامان ساحر، ولكن ليس كل ساحر شامان، وذلك لأن الشامان، رغم إتقانه لبعض الخدع السحرية، فإنه يتخصص في حالة الغيبوبة، أو الوجد «التي يُعتقد أنه في خلالها تغادر الروح جسدها، وتصعد إلى السماء أو تنزل إلى العالم السفلي».

بحسب المعلومات التي نُقلت إلينا عن المجتمعات البدائية، فإن هناك أحداثًا معينة كانت تسبق تنصيب الشامان الجديد في كل قبيلة، وكانت كلها تتصف بالعنف المبالغ فيه. ففي بعض الأحيان، كان الصبي الذي يتطلع لهذا المنصب، يفر إلى الغابة ويظل هناك أسبوعًا أو أكثر، ويأكل الحيوانات في تلك الفترة، ثم يعود إلى قبيلته، وقد مُزقت ثيابه وتلطخ وجهه بالدماء، وينقطع تمامًا عن الحديث لمدة 10 أيام كاملة، وبعدها يبدأ في الكلام. أما في أحيان أخرى، فقد كان الشامان المُرشح يُعرَّض للتعذيب من قبل أسلافه من الشامانات الذين يضربونه، ويقطعون جسده بالسكين، ويطهون أجزاء من لحمه.

أيضًا، كانت هناك مجموعة من الطقوس والممارسات التي تمارس مع تنصيب الشامان الجديد، ومن أهمها أن يتم تنصيب شجرة بالقرب من خيمة الشامان، ويقوم المرشح المتعري حتى الخصر وقد دهن بالدم رأسه وعينيه وأذنيه، بتسلقها حتى يصل قمتها، ويصيح عندها مستدعيًا الآلهة.

الوظيفة الرئيسة للشامان تمثلت في الشفاء من الأمراض، ولما كان الاعتقاد السائد في تلك العصور، أن المرض يحدث بسبب اغتصاب الروح، فإن علاج الشامان قد تحدد في العثور على تلك الروح، والإمساك بها، وإلزامها بأن تعود إلى مكانها الأول في جسد المريض. بالإضافة إلى كل ما سبق، فإن الشامان مارس وظائف أخرى متعددة، ومنها تحديد مواضع الموارد الغذائية، وإضعاف العدو في ميادين الحروب، وسحر الطرائد واستدعائها في أوقات الصيد.

الطبلة كانت من بين أهم الأدوات التي كانت تساعد الشامان في مهمته، وكان من المعتاد أن تُصنع الطبلة من جلد الحيوان الذي تختاره الأرواح، وقد ساعدت الأصوات الصاخبة التي خرجت من الطبلة، في تحقيق حالة مختلفة من الوعي لدى الشامان، فهو بواسطتها يطير مع الأرواح الخفية، ويتمكن من ممارسة عمله بإجادة تامة.

في كثير من الحالات، تعاطى الشامانات مواد مخدرة للوصول إلى حالة الوجد، والهيام مع الأرواح، وفي أحيان أخرى امتنعوا عن تعاطي المخدرات، ومارسوا بعض الرياضات الروحية، مثل الحرمان الحسي، والسهر المنعزل، وتعذيب الذات.

محمد يسري أبوهدور

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى