بين الفقر والمخدرات

الراديكالية الجهادية في إفريقيا: لا للتطور

على الرغم من تعدد أطروحات دراسة ظاهرة الجهادية العنيفة في إفريقيا، والتي تتسم بالتعقيد والتشابك الشديد، فإن الحجة التي نطرحها هنا بسيطة إلى حد ما..

ويتمثل الهدف المُبتغى في معرفة كيف جرى استخدام أيديولوجيات سياسية معينة من أجل تغيير الدولة والمجتمع في الواقع الإفريقي بعد الاستعمار من خلال اللجوء إلى أساليب الإقناع والعنف.

ولا شك أن هذه الأيديولوجيات الحديثة تعبر في مجملها عن تجليات الراديكالية السلفية، التي ينبغي تمييزها تحليليًّا عن الفقه السلفي، الذي يزودها بخطاباتها الدينية وإجراءات شرعيتها في السياقات الإسلامية السائدة.

توجد الراديكالية السلفية في مجتمعات إفريقيا المسلمة، خاصة منطقة الساحل والصحراء، واللافت للانتباه أنه رغم السمات المشتركة المستمدة من التجارب التاريخية المشتركة، فإن المجتمعات الإسلامية الإفريقية لم تشهد تطورًا واحدًا للراديكالية السلفية، التي اتخذت مسارات تتراوح بين حالة السبات العميق وعدم الفعالية وبين استخدام العنف، كما تعكسه خبرة شمال نيجيريا، وربما ممارسة دور وسط، كما حدث في  النيجر والسنغال.

هذا التباين في المسارات والتحولات يعكس تأثيرات عمليتي الأسلمة والاستعمار الأوروبي، وسلوك النخب الحاكمة عبر الزمن، والاختلافات في طبيعة وقوة الأسس الاجتماعية للراديكالية السلفية وخصومها (بنحوٍ أساسيٍّ الحداثة القائمة على الليبرالية والديمقراطية) وأخيرًا الانقسامات التاريخية التي أثرت في المشهد الديني السياسي لكل بلد في فترة ما أصبح معروفًا بـ”عقد التنمية المفقود في إفريقيا” خلال الثمانينات من القرن الماضي. 

اضغط.. على كل محور يمين الصفحة للقراءة
اضغط.. على كل محور لقراءة مضمونه
التوظيف السياسي للدين

يقول لاميدو سنوسي، عالم الاجتماع النيجيري: “نيجيريا مثل الكعكة التي يلتف اللصوص حولها، والشخص الذي يحمل أكبر سكين يحصل على أكبر قطعة، وهذا السكين الكبير هو تهديد للوحدة الوطنية.. لم يستطع هذا العملاق الإفريقي الغني بالنفط أن يؤلف تحت مظلة هوية وطنية جامعة بين أكثر من 200 مليون نسمة ينتمون إلى أكثر من 250 مجموعة عرقية، تملك معظمها لغاتها الخاصة.. يوجد انقسام حاد بين مجتمعات الهوسا والفولاني المسلمة في الشمال، وقبائل اليوروبا ذات الغالبية المسيحية في الجنوب الغربي الذي يتمتع بالثراء الاقتصادي، وهو الأمر الذي يؤدي إلى اندلاع أعمال عنف مروعة”.

أحمد ساني يريما

في ساعة مبكرة من صباح يوم 27 أكتوبر/تشرين الأول 1999 كانت نيجيريا على موعد مع لحظة فارقة في انتقالها الديمقراطي.. لقد احتشد نحو مليوني شخص في مدينة جوساو، حاضرة ولاية زمفرا، للاحتفال بإعلان حاكم الولاية المنتخب أحمد ساني يريما قرار تطبيق الشريعة الإسلامية.. كانت الحشود تستحضر أمجاد حركة الجهاد الإسلامي التي قادها الشيخ عثمان دان فوديو في القرن التاسع عشر وتصدح بالتهليل والتكبير وتردد الأناشيد الإسلامية.. لقد جاء الحضور رجالاً ورُكْبانًا من مختلف ولايات الشمال النيجيري، وسرعان ما دخلت الشريعة الإسلامية حيز التنفيذ في 12 مقاطعة من أصل 26 في نيجيريا آنذاك.

لم يكن التوقيت من قبيل الصدفة، ففي نفس العام حدث تحول ديمقراطي وتم انتخاب رئيس دولة غير مسلم، (أولسيجون أوباسانجو)، ما يعني أن النخب العسكرية، التي تأتي في الغالب من الشمال، فقدت نفوذها السياسي؛ وتحتاج إلى “سكين” جديد.

وعليه مثلت الشريعة، وهي رمز قوي للهوية الإسلامية، منذ أواخر التسعينات من القرن الماضي، ملاذًا آمنًا بسبب شعور الناس العميق بعدم الأمان الناجم عن الفقر والبطالة وتصاعد الجريمة والفساد، إلخ.

جرى توظيف الشريعة سياسيًّا -خارج الدوائر الدينية- وتفسيرها ووضعها في نيجيريا متعددة الثقافات والديانات، وقد صاغ الراحل علي مزروعي مصطلح “دمقرطة الشريعة”، للدلالة على إمكانية تبني نظام ديمقراطي ليبرالي لتكييف مرفق العدالة من خلاله وفقًا للشريعة الإسلامية، وهنا تكمن البداية الخاطئة التي تحدث عنها الاشتراكي الفرنسي رينيه ديمون.

ومن المهم في هذا السياق أن نتذكر أن أفكار القاضي أبوبكر جومي -الذي يُعد المؤدلج الحقيقي للسلفية المسيسة وخطاب الشريعة– تحولت في أعقاب السبعينات في إطار اجتماعي وديني بالغ التعقيد إلى حركة دينية تهدف إلى أسلمة الدولة النيجيرية.

وقد انقسمت هذه الحركة لاحقًا إلى تيارات ثلاثة أساسية هي: السلفية الراديكالية (جسدتها جماعة إزالة البدعة وإقامة السنة)، والقومية الراديكالية الإسلامية (إخوان نيجيريا)، والسلفية المتطرفة العنيفة (بوكو حرام وأخواتها).

عناصر بوكوحرام

على عكس الخبرة النيجيرية التي انتهت إلى تبني نمط الجهاد العنيف نجد أن السنغال دولة علمانية، غالبية سكانها من المسلمين، ونظامها ديمقراطي مع وجود مجتمع مدني قوي على نحو ملحوظ.

تحافظ المؤسسات الدينية هناك، (المريدية)، والدولة على علاقة ملتبسة في غالب الأحيان.. هذا يعني أنه يمكن استخدام العلمانية كأداة سياسية للسيطرة الاجتماعية على الدين، ومع ذلك حافظت المريدية والمربوط الأكبر في طوبى (معقل الصوفية وقبلتها) على استقلالها عن الدولة، ولم تعتبر نفسها مؤسسات سياسية، لذلك استفادت السلطات الدينية والسياسية من بعضها، ولم تسع أبدًا لاستبدال بعضها.

بسبب هذه الخلفية الاجتماعية والتاريخية، وبصرف النظر عن علاقتها بفرنسا، فإن السنغال يتبنى مزيجًا مختلطًا يجمع بين الدين والعلمانية، فعلى سبيل المثال تم تطوير قانون الأسرة في البلاد بالتشاور مع الزعماء الدينيين، وهذا لا يُقوِّض بأي حال من الأحوال علمانيتها التي تظل فيها المؤسسات السياسية والدينية منفصلة، ومن الملاحظ أنه في كل القضايا التي تتحدى هيمنة علمانية الدولة يجري تشكيل جبهة موحدة بين المؤسستين الصوفية والسلفية الإصلاحية، ما يعزز بدرجة كبيرة قوة الأيديولوجية السلفية.

ومع ذلك فإن هذا الالتقاء بين الطرفين لا يُنهي الصدام العقيدي بينهما، ولعل هذا يوضح لنا طبيعة العلاقة التعاقدية الملتبسة بين الدولة والمؤسسة الدينية في السنغال، فالمريدية تتحالف سياسيًّا مع الدولة ولكنها تُولي وجهها أيديولوجيًّا شطر السلفية الإصلاحية، وخلاصة القول أنه إذا كانت المريدية تقاوم الدولة فإن السلفية تعارضها، وعليه يصبح الالتقاء بينهما تكتيكيًّا ويرتبط بقضايا معينة.

ويمكن انطلاقًا من هذا الفهم أن نشير إلى 4 أبعاد كبرى تساعدنا على فهم تحولات الأيديولوجية السلفية في إفريقيا وتجلياتها في حالات العنف الهجين في ظل واقع إفريقي بالغ التعقيد والتشابك:

البعد القومي: الطوارق نموذجًا
أفراد من قبيلة الطوارق

لعل أحد التوجهات الكبرى في فهم تحولات الجهادية العنيفة في إفريقيا ترتبط بمسألة الطوارق في شمال مالي، والتي تعكس توظيف مفهوم الجهاد الإسلامي لتحقيق حلم بناء دولة “أزواد” وإن رفعت علم الخلافة الإسلامية.

لم يتأثر الطوارق بالتحولات الثقافية والاجتماعية الكبرى التي أحدثها الاستعمار الفرنسي، فقد وقفت الصحراء -التي يعيش فيها غالب الطوارق- حاجزًا منيعًا أمام وصول التعليم الفرنسي.

وعليه كان تنظيم المجتمع الطوارقيّ لا يختلف عن المجتمعات الساحلية الأخرى في بلاد غرب السودان.

لقد هيمنت عليه طبقة المحاربين الأشداء في ظل انقسام عرقي على أساس اللون بين البيضان والسودان، ولم يكن مستغرَبًا أن تكون عملية إدماج الطوارق في دولة ما بعد الاستعمار التي أخذت بنهج العلمانية البرجماتية عصية على التحقيق، وقد انتهى الأمر إلى وجود انقسام إقليمي بين شمال البلاد وجنوبها في ظل تمرد الطوارق المستمر.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

ومن المعروف أن الطوارق كانوا يحلمون بدولتهم المستقلة في مرحلة ما قبل الاستقلال، فقد أرسلت لجنة مؤلفة من ثلاثمائة شخص من زعماء الطوارق والمور والأرما بالإضافة إلى وجهاء وتجار تمبكتو وجاو وجوندام رسالة إلى الرئيس الفرنسي تطالبه بإعطائهم دولة مستقلة أو ضم شمال مالي إلى موريتانيا.

وجاء في ذاك الخطاب: “لا يمكن بأي حال من الأحوال الدفاع عن مصالحنا وتطلعاتنا، ما بقينا في كنف إقليم تمثله وتحكمه بالضرورة غالبية سوداء تختلف عنا من حيث العرق والمصالح والتطلعات”.

وعندما قاد الكابتن أمادو سانوجو انقلابًا عسكريًّا ضد الرئيس المالي توري في 22 مارس/آذار 2012، كان أحد الأسباب التي برر بها تدخل العسكريين هو أن توري لم يزود القوات المسلحة المالية بأسلحة ثقيلة وجديدة كافية لمواجهة تمرد الطوارق في الشمال.

لم يدرك الكابتن سانوجو أن انقلابه وما نتج عنه من فراغ في السلطة في العاصمة، باماكو، سوف يؤدي إلى سيطرة الحركة الوطنية لتحرير أزواد على شمال مالي والمدن المهمّة في تمبكتو وجاو وكيدال، وسرعان ما استغل مقاتلو جماعة أنصار الدين بقيادة إياد أغ-غالي وحلفاؤهم من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي هذه النزعة القومية الجارفة؛ واستولوا على السلطة وأعلنوا أزواد إمارة اسلامية.

يعد أغ-غالي أحد كبار القادة الجهاديين السلفيين في المنطقة، وخلال التسعينات، قاد تمرد الطوارق الانفصاليين في منطقة كيدال ضد الحكومة المركزية في مالي (1990-1995).

بعد وقف إطلاق النارعام 1996، حافظ أغ-غالي على علاقات مع السلطات المالية وأصبح دبلوماسيًّا ماليًّا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وخلال إقامته في المملكة العربية السعودية (2005-2008) تحول إلى القضية الإسلامية وأصبح رابطًا مهمًّا بين مكونات الطوارق والعرب في تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.

وقد أعلن أنصار الدين، الذي يضرب بجذوره في شمال مالي والمرتبط بالقاعدة، تطبيق الشريعة في جميع أنحاء الأراضي المالية، ونأى بنفسه عن المشروع الانفصالي لحركات الطوارق القومية، بيد أن التدخل الفرنسي عام 2013 أحبط المشروع الانفصالي لأزواد.

أمادو كوفا زعيم جبهة تحرير ماسينا

خلال عام 2015، وسعت الجماعة شبكتها في المناطق الوسطى والجنوبية من مالي، وأنشأت مجموعات جهادية جديدة: جبهة تحرير ماسينا وكتيبة خالد بن الوليد.  

البعد الإجرامي (الدين كغطاء)

ثمة دراسات معتبرة توثق لديناميكيات تجارة الأسلحة في منطقة اعتاد كثير من أهلها العيش وكسب أقواتهم اعتمادًا على أنشطة  التهريب وحمل السلاح. في منطقة الصحراء والمغرب العربي، لم تكن مسألة إدارة الحدود -شأنها شأن الأمن القومي عمومًا- قائمة على وجود حامية مجهزة تجهيزًا حديثًا أو دوريات متحركة في الصحراء، بل على الاستقطاب الانتقائي للمجموعات المحلية، التي أصبحت موالية بقدر ما سُمح لها بممارسة التهريب.

كانت هذه الترتيبات شائعة على طول الحدود الجنوبية الجزائرية على الأقل حتى أواخر عام 2000.

مختار بلمختار

بدأت الأمور تتغير على نحو ملحوظ مع الحرب الأهلية الجزائرية وتداعياتها، وبحلول أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، في مدن جنوب الجزائر مثل ورقلة وتمنراست والواد وإليزي، أصبح شراء كلاشينكوف أسهل من شراء سيارة، وخلال الفترة نفسها، ازدهرت أعمال الخطف في ظل مطاردة المقاتلين السلفيين من الجزائر من قوات الأمن، ومن أجل الاختفاء عن الأعين والبقاء بعيدًا عن أجهزة الأمن، كانت كتائب القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي تسلم أموال الفدية التي يتلقونها لتجار المخدرات كنوع من أنواع الاستثمار.

وعادة ما كان يعاد نصف الأرباح الناتجة عن تهريب المخدرات إلى الجهاديين، في شكل  أسلحة وذخيرة ومركبات دفع رباعي، وغيرها من المعدات، وفي الوقت نفسه فقد عززت بعض الجماعات الإرهابية، مثل كتيبة مختار بلمختار، بالفعل خطوط إمداد الأسلحة من ليبيا، ما يعني أن انهيار نظام القذافي عام 2011 أتاح كمية كبيرة ومتنوعة من الأسلحة، ما يسهل الوصول إليها على نطاق أوسع .

 

وتشكل الديناميات المتغيرة لتهريب الكوكايين العالمي جزءًا من القصة الكبرى للحركات الإرهابية التي ترتدي ثوب السلفية المتطرفة.

فقبل عام 2005، بلغ إجمالي مضبوطات الكوكايين في إفريقيا بكاملها أقل من طن واحد سنويًّا، ومنذ ذلك الحين، ارتفع دور غرب إفريقيا كمركز عالمي لتهريب الكوكايين، كما أن الحرب التي ترعاها الولايات المتحدة على المخدرات، والتي دارت رحاها في القارة الأمريكية ككل، أدت إلى قيام المهربين بالبحث عن فرص جديدة في السوق وتطوير طرق إمداد بديلة. وبالطبع كان موقع غرب إفريقيا يمثل بديلاً مناسبًا، حيث يتمتع بموقع إستراتيجي لربط العرض في أمريكا الجنوبية بالطلب المتزايد في أوروبا.  جاءت فرق الكشافة المرتبطة بعصابات أمريكا الجنوبية إلى الصحراء في مالي بحثًا عن مسارات جديدة، وأصبح الاتجار بالكوكايين، الذي يؤثر في المنطقة، واضحًا لأجهزة محاربة المخدرات المحلية والدولية بعد بضع سنوات، عندما ظهرت علامات الثراء المفاجئ على بعض سكان  شمال مالي.

خريطة غرب أفريقيا

في غرب إفريقيا، ارتفع إجمالي مضبوطات الكوكايين من 1.2 طن عام 2005 إلى 4.3 طن في الأشهر السبعة الأولى من 2007 وحده، وصودر 46 طنًّا من الكوكايين في المنطقة بين 2005 و2008، ومع ذلك، لم تشكل المضبوطات سوى جزء ضئيل من الكمية الإجمالية للكوكايين المفترض أنها قادمة للمنطقة: يقدر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن الأرقام الإجمالية وصلت 50 طنًّا سنويًّا في عامي 2007 و2008.   

وبعيدًا عن سيطرة كارتلات أمريكا اللاتينية، تقدر الحصة الخاصة بالكارتلات الإفريقية المحلية بنحو 450 مليون دولار أمريكي سنويًّا، أو 0.5 % من إجمالي الناتج المحلي لغرب إفريقيا.

ورغم كونها دولة غير ساحلية وفقيرة، فإن مالي تظهر باستمرار بين البلدان الثلاثة أو الأربعة الأولى في غرب إفريقيا المتأثرة بهذه التدفقات.

في الواقع، قد تحتل مرتبة أعلى إذا كانت الإحصاءات الرسمية قادرة على توثيق التدفقات غير المبلّغ عنها، والتي تمر عبر الصحراء بواسطة مركبات الدفع الرباعي والشاحنات والطائرات الصغيرة التي عادة ما تكون مخفية عن أعين الرادار.

يُقال إن غينيا كوناكري، المجاورة لمالي، هي من بين نقاط الوصول الرئيسة لتدفقات الكوكايين المتجهة شمالًا عبر مالي.

ارتفعت أهمية غينيا – كوناكري في تجارة المخدرات في غرب إفريقيا بعد فرض الولايات المتحدة قيودًا صارمة على عصابات المخدرات التي تؤويها غينيا بيساو المجاورة، ونقل الأعمال إلى مناطق جديدة وأكثر أمانًا، ولم تسلط عليها الأضواء؟ وفي ظل انتشار شبكات المحسوبية تطورت وازدهرت أنشطة تهريب المخدرات تحت أعين نظام الرئيس لانسانا كونتي. ووفقًا لتقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لعام 2011: “في غينيا، يبدو أن الحرس الرئاسي، بقيادة أحد أبناء الرئيس، كان  متورطًا في تهريب المخدرات”.

إن الأرباح الناتجة عن الاتجار بالكوكايين تختلف عن تلك المتاحة من أي نشاط آخر مدر للدخل في شمال مالي.. وعليه، فقد قرر الزعيم الجهادي المذكور آنفًا بلمختار، الهارب من الجزائر، الاستقرار في ليرنب من أجل اختراق شبكة عرب البرابيش المتحدثين باللهجة الحسانية، بالشراكة مع كبار المهربين المحليين والاستفادة من “الطرق السريعة” للاتجار الرئيسة التي تعبر المنطقة، ومن المعروف أن مختار بلمختار كان من مهربي التبغ المشهورين (كان يطلق عليه السيد مالبورو) قبل أن يتجه إلى تهريب الكوكايين المربح.

عناصر قوات الأمن
بعد التنافس الجهادي والانقسامات الداخلية

لا شك أن تصفية عبد المالك دروكدال، أمير تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، في 3 يونيو/حزيران 2020 في شمال مالي على أيدي القوات الفرنسية بمساعدة طائرات استخبارات ومراقبة قدمتها الولايات المتحدة، تعد انتصارًا لجهود مكافحة الإرهاب في المنطقة، ومع ذلك يعكس صعود دروكدال وسقوطه من نواح عديدة مدى قوة المنظمة التي يقودها، ففي عام 2012 اعتُبر تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي على نطاق واسع أكثر فروع تنظيم القاعدة من حيث مصادر التمويل، ويقال إنه يجني عشرات الملايين من الدولارات سنويًّا من خلال الاختطاف للحصول على فدية والاتجار في البضائع المهربة.

عبد المالك دروكدال

وسمحت هذه الإيرادات للقاعدة بتوسيع نفوذه في جميع أنحاء منطقة الساحل، حيث شكل التنظيم في بلاد المغرب الإسلامي عنصرًا رئيسًا في استيلاء الجهاديين على شمال مالي عام 2012، كما ذكرنا.

واليوم، يعد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي واحدًا من عدة فصائل جهادية تعمل في المنطقة، وتشكل جزءًا واحدًا فقط من تحالف أوسع متحالف مع القاعدة، يسمى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بزعامة إياد أغ-غالي.

وإذا كان مقتل دروكدال يمثل ضربة مباشرة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، فإنه لا يمثل انتكاسة كبيرة لحركات التمرد الجهادية الأخرى التي توسع نفوذها بسرعة في معظم أنحاء منطقة الساحل.

اثنان من أكثر زعماء جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تأثيراً في منطقة الساحل هما إياد أغ-غالي وأمادو كوفا، وكلاهما من مالي.

إن قدرة هذه الجماعة على البقاء والتوسع في منطقة الساحل هي نتيجة حصرية تقريبًا لتأثير الرجلين، وليس تأثير دروكدال. وبينما تمثل وفاة دروكدال نهاية فصل واحد في قصة معقدة على نحو متزايد عن حركات التمرد الجهادية في منطقة الساحل، فإنها تأتي أيضًا في وقت كانت فيه الجماعتان الجهاديتان الرئيستان في المنطقة، جماعة نصرة الإسلام والمسلمين والدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى، التابعة لتنظيم داعش، يتنافسان ويدخلان في صراع عنيف بعد سنوات من الحفاظ على الهدنة بنحوٍ أساسيّ.

قيادات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين يتوسطهم أياد أغ غالي

في أواخر مارس/آذار وأوائل إبريل/نيسان 2020 وقع العديد من الاشتباكات بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وداعش، خاصة في وسط مالي.

ومن الملاحظ أن طبيعة الاشتباكات بين الفروع المحلية في منطقة الساحل، توضح إلى أي مدى تكون الجماعات الجهادية في المنطقة مدفوعة في المقام الأول بالديناميكيات المحلية، لا الخلافات الأيديولوجية. 

يبدو أن العلاقة تدهورت في وقت سابق من هذا العام، عندما بدأت الألوية المحلية من كلتا المجموعتين القتال للسيطرة على الموارد المحلية، ففي بعض الحالات نجد أن أحد أفراد مجموعة عرقية معينة أو حتى نفس العائلة  ينتمي إلى تنظيم داعش في حين ينتمي فرد آخر إلى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.

يبدو أن القتال ليس بالضرورة بسبب أيديولوجية القاعدة ضد داعش، ولكن المزيد من الخلافات المحلية بين الكتائب الصغيرة التي تمثل كل مجموعة، ومن جهة أخرى لم تكن الانقسامات الداخلية التي عايشتها بوكو حرام الغامضة ولا تزال تعاني منها، مواتية لتوسيع مجال نفوذها إلى ما وراء شمال شرق نيجيريا وبحيرة تشاد.

وقع الانقسام الأول بفعل الاختلافات الأيديولوجية ومدى جواز قتل المدنيين في عام 2016، إذ انقسمت الحركة إلى فصيلين، أحدهما تنظيم داعش في ولاية غرب إفريقيا بزعامة أبو مصعب البرناوي، والذي انتقل إلى منطقة بحيرة تشاد، التي كانت تستخدم حتى ذلك الحين للأغراض اللوجيستية فقط، بينما بقي الفصيل الثاني، جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد ‏بزعامة أبوبكر شيكاو، في غابات سامبيسا.

بحيرة تشاد

ورغم وجود بعض المواجهات المسلحة بين الفصيلين في بحيرة تشاد فإنهما يتجنبان الصدام المسلح بين مقاتليهما، وفي الوقت الحاضر، أصبح التعايش سلميًّا في العموم، وربما شجع تنظيم داعش على التوافق مع جناح شيكاو، أو حتى التعاون معه إذا لزم الأمر. 

ويبدو أن فصيل البرناوي، التابع لداعش، استفاد من دعم مالي وبشرِيّ كبير قدمته الشبكات الجهادية العالمية، خاصة من ليبيا. بالإضافة إلى هذا الدعم، تمكن فصيل داعش من تطوير أساليب تمويل جديدة تسمح له بالاستقلال التام، وقد مكّن انشقاق عناصر من فصيل  شيكاو  الفصيل الآخر  من بدء سلسلة عمليات ضد الجيش النيجيري اعتبارًا من يوليو/تموز 2018، وقد صاحبت هذه الزيادة في القوة إعادة تقويم الوضع الداخلي للجماعة، ما ترتب عليه إعدام مامان نور، مستشار البرناوي، بتهمة التجسس لصالح الحكومة النيجيرية، لأنه تفاوض على إطلاق سراح الرهائن لدى جماعته، كما جرى تهميش أبو مصعب البرناوي واستبدال زعيم آخر به في مارس/آذار 2019 هو با إدريسا، الذي عينه مجلس شورى ولاية غرب إفريقيا.

ورغم هذه الانقسامات والتغييرات على رأس الحركة فإن ذلك لم يؤثر كثيرًا في القوة القتالية لها، ولا يزال جناح شيكاو يقوم بعمليات نوعية على نحو خاص، في حين يواصل تنظيم داعش في غرب إفريقيا شن هجمات مكثفة للغاية ضد الجيش النيجيري.

عناصر داعش نيجيريا

منذ صيف 2018، تمكنت داعش النيجيرية من السيطرة على العديد من القواعد العسكرية النيجيرية، وأدى نجاح الحركة الجهادية العنيفة في غرب إفريقيا إلى جعل منطقة الساحل بؤرة جديدة للإرهاب، خاصة بعد الضربات الموجعة التي تلقاها داعش في كل من سوريا والعراق، واتضح ذلك بجلاء من رسالة أبو بكر البغدادي في إبريل/نيسان 2019 وطلبه من أبو وليد الصحراوي نشر الجهاد في الساحل وغرب إفريقيا.

بعد المحلي والمعولم وحالة العنف الهجين

كما أوضحنا، فإن الجماعات الجهادية العنيفة بعيدة كل البعد عن أن تكون متجانسة في تكوينها، إذ يتعايش الجهاديون أو المتمردون أو المرتزقة العاديون (قطاع الطرق والتجار والصيادون وغير ذلك) ويمارسون العنف في نفس الوقت، ويؤدي العنف الهجين الناتج إلى نتائج معقدة قد تستعصي على الفهم، حيث طبيعة العلاقات التي تجمع هؤلاء الفاعلين معًا لا تخلو من وجود مناطق رمادية، ومن المتفق عليه عمومًا أن المجموعات الجهادية المحلية في إفريقيا تتمتع باستقلالية كبيرة، ومع ذلك تطرح مفاهيم الجهاد المعولم الذي تتبناه كل من القاعدة وداعش تحديًا كبيرًا.

حركة الشباب الصومالية

إحدى نقاط الخلاف الرئيسة هي إمكانية التوفيق بين هوية ومصالح المجتمع المحلي والجهادية المعولمة، فالترويج لمصالح مجتمعية معينة يتعارض مع مفاهيم الخلافة والأممية الإسلامية، ولهذا السبب يحجم بعض الجماعات الجهادية بشدة عن المطالبة بأجندة مجتمعية. هذه النقطة المحددة هي مصدر التوتر المستمر بين أعضاء جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بزعامة إياد أغ-غالي (القاعدة) وتنظيم داعش في الصحراء الكبرى بقيادة أبو الوليد الصحراوي، على عكس القاعدة، تبدو الأجندة المحلية والقبلية واضحة في جدول أعمال داعش، فقد سعى إلى استغلال التوترات الموجودة مسبقًا للتجنيد على وجه التحديد داخل مجتمعات معينة شمال مالي أو في شمال وسط بوركينا فاسو.

وبعدما نفذت كتيبة ماسينا، التابعة للقاعدة، عملية اختطاف زعيم قرية من قرى الفولاني، ترك المقاتلون من أقاربه جماعة أنصار الإسلام وانضموا إلى داعش.

من جهة أخرى، فإن انخراط جماعة الفولاني في الحركة الجهادية العنيفة، كما تجسده كتيبة ماسينا بزعامة أمادو كوفا وجماعة أنصار الإسلام بزعامة إبراهيم مالام ديكو، قد يكون له بالتأكيد بُعدٌ متعلق بالهوية، إنه يستدعي خبرة العصر الذهبي للحركة الجهادية الإصلاحية في مجتمعات التوكولور والفولاني، خاصة سيكو أمادو في ماسينا وعثمان دان فوديو في سوكوتو. 

إن حالة الزحف الجهادي العنيف التي تشهدها القارة الإفريقية، كما يتضح من خبرة شمال موزمبيق، تعني أننا نتجه بعيدًا عن القواعد التاريخية للجماعات التي تبنت أيديولوجية السلفية المتطرفة في الشمال الإفريقي ومنطقة الساحل بما يعنيه ذلك من خلق بؤر إرهابية جديدة. 

لقد ترتب على التوظيف السياسي للدين والخلط بين المحلي والمعولم  أشكال هجينة من العنف، حيث تتشابك ديناميات التمرد والجهادية العنيفة  ويتواجهان ويغذي كل منهما الآخر، وعادة ما يكون البعد الديني في البداية محدودًا للغاية ولكن يكون اللجوء إليه للتعبير عن حالات الظلم والتهميش والعنف المحلي وانهيار مشروع الدولة الوطنية. والمثير للدهشة أن المحللين الغربيين ما زالوا متعلقين بأهداب النموذج الجهادي التقليدي، ولا تزال مفرداتهم مليئة بمصطلحات مثل “الجماعات الإسلامية” و”الخلايا الجهادية” و”التطرف” عندما أصبح التهديد هجينًا لفترة طويلة، مع زيادة كبيرة في الصراعات المجتمعية البينية، حتى في الروايات الإرهابية، فإن الخطاب الديني يفسح المجال على نحو متزايد لتفاقم التوترات المجتمعية، ويبدو أن عهد الخطاب الأيديولوجي الديني الجهادي قد تراجع كثيرًا. ففي الوقت الحاضر، لا ترى المجتمعات المحلية الإفريقية سوى “الجريمة” و”اللصوصية”، فهل تشهد إفريقيا مرحلة ما بعد الجهادية العنيفة كأحد تجليات أزمة الدولة الوطنية؟

إننا ندعو إلى دراسة علم الاجتماع الوطني وتحليل التكوينات الاجتماعية والطبقية والثقافية وعلاقات القوة التي تشكل الوعي السياسي في كل دولة على حدة حتى يمكن فهم تطورات حالات العنف الهجين التي تشهدها كثير من مناطق القارة الإفريقية.

مراجع مختارة
  • Benjaminsen, T. A., & Ba, B. (2019;). Why do pastoralists in mali join jihadist groups? A ‎political ecological explanation. The Journal of Peasant Studies, 46(1), 1-20. ‎doi:10.1080/03066150.2018.1474457‎
  • FAGAN, L. (2017, December 24). Macron’s Sahel trip spotlights security, migration investments. Africa Times. Retrieved from http://africatimes.com/2017/12/24/macronssahel-trip-spotlights-security-migration-investments/
  • GAFFEY, C. (2016, June 29). Who is Iyad ag-Ghaly, Mali’s veteran jihadi? Newsweek. Retrieved from http://www.newsweek.com/who-iyad-ag-ghaly-malis-veteran-jihadi-475473
  • Hansen, S. J. (2018). Unity under allah? cohesion mechanisms in jihadist organizations in ‎ Armed Forces & Society, 44(4), 587-605. doi:10.1177/0095327X17740086‎
  • Ibrahim, I. (2017), “The Wave of Jihadist Insurgency in West Africa: Global Ideology, Local Context, Individual Motivations”, West African Papers, No. 7, OECD Publishing, Paris, https://doi.org/10.1787/eb95c0a9-en.
  • Idrissa , Rahmane. (2019) Politics of Islam in the Sahel: Between Persuasion and Violence. Place of London:: Routledge.
  • Lebovich, Andrew. (2013) The Local Face of Jihadism in Northern Mali, CTC Sentinel: The Combating Terrorism Center.Col 6. No.6.
  • “MALI: Jihadist Insurgency Rages.” Africa Research Bulletin: Political, Social and Cultural Series 57, no. 1 (2020). https://doi.org/10.1111/j.1467-825x.2020.09290.x
  • Raineri, L., & Strazzari, F. (2015). State, Secession, and Jihad: The Micropolitical Economy of Conflict in Northern Mali. African Security, 8(4), 249-271. doi:10.1080/19392206.2015.1100501
  • Same,Bakery (2019). How the Sahel has slipped into a new post-Jihadist era. The conversation . https://theconversation.com/how-the-sahel-has-slipped-into-a-new-post-jihadist-era-127538.
  • Solomon H. (2015) Ansar Dine in Mali: Between Tuareg Nationalism and Islamism. In: Terrorism and Counter-Terrorism in Africa. New Security Challenges Series. Palgrave Macmillan, London. https://doi.org/10.1057/9781137489890_4
  • ZENN, J. (2015, November). The Sahel’s militant ‘melting pot’: Hamadou Kouffa’s Macina Liberation Front (FLM). The Jamestown Foundation. Terrorism Monitor, 13(22). Retrieved from https://jamestown.org/program/the-sahels-militant-melting-pot-hamadou-kouffas-macina -liberation-front-flm/
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

دراسة

د. حمدي عبد الرحمن

كاتب وباحث مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search