تدوين

صراع بين الهامش والمتن

نعيش فترة طويلة في الهامش قبل أن ندرك المتن في حياتنا. ثم نعيش فترة أطول متذبذبين بين المتن والهامش.

طوال اليوم نُستغرق في الهامش، من أجل اللحاق بساعة تمر سريعًا في المتن.

ستة عشر عامًا في هامش تعليمي زائد عن الحاجة جدًا، ثم أُدرك أن المتن كان هناك في مرسم بغرفة السطوح العلوية، أو العمل كمرشد سياحي يجيد اللغة الإسبانية.

توجد في الهامش كل الوظائف التي لم نحبها، والشهادات المعلقة على الجدران، والواجبات العائلية، ورسائل التهنئة بالأعياد، وموضوعات الإنشاء في صفوف الدراسة، ونصف ساعة من عِظة مملة، وزوج كريه الرائحة، وصديقة ملولة، وزميل المكتب البغيض، وساعتيْ تنقّل يومي في عربة مكدسة بشارع مزدحم، وبواب لا تنبسط أساريره إلا برشوة صباحية، وخمسة أعوام في قاعة الديسك بالجريدة لتحويل خراء مجموعة من الحمقى لكلام مفهوم، وخمسة أخرى مثلها للالتحاق برابطة نفس الحمقى.

كل أعضاء الحكومة والبرلمان الذين كانوا يقابلونني في القاعة الرئيسية بالمبنى الوزاري الكبير، كانوا يثنون على دَأبي وحكمتي البالغة، بالرغم من أن كل أوراق السياسات التي كتبتها طيلة الأعوام السابقة، كانت تُستَقبل في صندوق الرسائل غير المرغوبة.

أوراق السياسات هي دستور الهوامش. المتن وحده موجود في عقل الرئيس.

يخبرني صديقي المتدين أن الهامش هو طريق للوصول إلى المتن، كالصلاة والصيام اللازميْن لرضا الإله.

فيما ذهب صديقي الآخر لدراسة السياسة في ألمانيا، كي يُكمل في متنه كما يخطط هو منذ سنوات طويلة.

لكن الله ألقى عليه الوحي في ساعة ليلية بشارع المدينة الريفية الهادئة التي يقطنها؛ يدير الآن يدير بارًا صغيرًا يستمع لحكايات السكارى، كي يكتبها صباحًا في دفتر قصصه القصيرة.

——

نص من مجموعة “صندوق العتمة”، صادرة عن دار روافد، القاهرة، 2018


اقرأ/ي أيضًا:

الضجر الذي لا يشكو منه أحد

أشياءُ تقع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى