وجهات نظر

بين بكاءين.. على هامش دموع “الريحاني”

مصطفى علي

تنبيه: لا داعي لأن تصدمك المقارنة بين أئمة الصلاة ونجيب الريحاني!

فالأمر هنا ليس من قبيل تفضيل جانب على آخر..

بكاء أول..

في عام 1922 واجه الممثل المصري نجيب الريحاني مصيبتين، الأولى كانت وفاة أمه التي اعترفت به أخيرا كممثل، بعد مقاطعتها إياه لسنوات بسبب عار امتهانه الفن، وجاءت المصيبة الثانية في اختفاء شقيقه الأصغر توفيق/ جورج.. مختلف على اسمه.

حكايات “الريحاني” عن أمه وردت كثيرا في مذكراته، لكن صديقه المقرب، بديع خيري، حكى عن فقد الشقيق قائلا: “بحث نجيب عن أخيه في كل مكان دون جدوى، لم يكن طفلا، لذا كان اختفاؤه غامضا، فتشنا في المستشفيات والأقسام، وانتشرت الشائعات وقتها عن ذلك الأمر، البعض قال إنه أسلم وتصوَّف وزهد في الدنيا فقرر الاختفاء، وآخرون قالوا إنه مات دون أن يُعثر له أحد على جثمان، ولذا كان حزن الريحاني، الذي كان يتذكر توفيق/جورج عند أداء كل مشهد حزين، فيبكي بصدق، سواء على المسرح أو السينما، ولعل المشهد الأخير في فيلم (غزل البنات) كان الأكثر تدفقا في هذا البكاء”.. انتهى كلام “بديع”.

بكاء ثان..

كنتُ صبيا يقف بين صفوف المصلين في تراويح رمضان، وفجأة بدأت الآيات تختفي من صوت نهنهة الإمام، ثم علت النهنهة لتصير لعلعة، مُصرًا على ألا يتوقف عن بكائه، الذي بدت شكوكي حوله تصل إلى حد وصفه بالرياء، فتلك الصلوات تبقى وسيلة لدى بعض قارئي القرآن الباحثين عن الشهرة فتروج بضاعتهم وسط الحشود الموسمية للصلوات في رمضان، حتى أن أحدهم يشتهر بأنه ممن يتلو جزءا كاملا في كل ليلة ليختتم بذلك القرآن في رمضان، وربما زاد هذا الكم اليومي في القراءة لكي يتدارك نقصان الليالي إلى الرقم 29 بحسب رؤية رسمية..

 حينئذ لم أدخل في خشوع الصلاة، التي أنا مأمور بها، بحسب الرأي الفقهي بوجوب الخشوع في الصلاة، استنادا إلى آية ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ {1} الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (سورة المؤمنون)..

وبعيدا عن مشروعية بكاء الإمام في الصلاة من عدمه، فإنني أعترف بأنني لم أكن من المتأثرين ببكاء هؤلاء المشايخ بمختلف أشكال تلاوتهم، بل أزيد اعترافًا أن بكاءهم ذاك كان يغضبني ويربكني في الصلاة التي كنت أحاول فيها أن أتبيّن معنى الآيات وأتدبر، ومن ثمّ أخشع.

بين بكاءي نجيب الريحاني وشيوخ التراويح، أراني أكثر ميلا وتصديقا لدموع الأول الصامتة في مشهده الأبقى حين فقد أمله في الحب، أو حين وافق راضيًا بقدر أن يُضحي بعشق الجسد “الفاني” مقابل مكسب “عشق الروح” الذي بلا آخر، بينما ما زلت أضجر من نحيب الأئمة المفتعَل في صلواتهم -ناهيك أحيانا بأصواتهم المزعجة في التلاوة ما بين أخطاء نُطقٍ أو تنغيم.

يكسبني الريحاني في مشهده الباكي، رغم خشونة صوته، فهو حين بكى قدم بكاء لا يخرجني من التصديق ولا يدفعني إلى وصمه بالرياء، لعلمه أن بكاء الصوت لا يربح، لكن المعنى الواقف وراء البكاء هو الرابح، وللأسف فإن العوام، فيما يبدو للريحاني، لا يهتمون بالمعنى.. يهتمون بتمثيل المعنى أو بما يمثله المعنى، فالخشوع لا يعنيهم، بل شكل الخشوع المتمثل في بكاء ناقص ومشوه ومضلل للروح.

وحين بحثت وراء هذه القدرة العجيبة التي تقف وراء استحضار “الريحاني” للبكاء بحُرقة في هذا المشهد الخالد وجدت دهشة للموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي حضر المشهد طبعا باعتباره أحد أبطال الفيلم وضيوفه إذ غنى أغنيته الخالدة “عاشق الروح”، فيحكي “عبد الوهاب” مندهشا من قدرة الريحاني على البكاء دون استخدام دموع مزيفة من الجلسرين.

في الحكاية التي رواها بديع خيري عن شقيق “الريحاني” ما يُفطر القلب طوال العمر، خاصة لرجل عاش وحيدا ومات وحيدا كالريحاني، رغم صخب حياته ونجوميته المفرطة، وبقائه نجما فوق العادة في عالم الكوميديا العربية إلى الآن، وربما هذه المصائب المتراكمة داخل نفس الرجل هي ما جعلت دموعه غارقة في الصدق كأنها جسر يصل بينه وبين روح المتلقي، بعكس ما يفعل بعض مشايخ الصُّراخ، الذين هم أبعد ما يكونون عن نهج النبي محمد، الذي قال لابن مسعود: “اقرأ عليّ القرآن.. قلتُ: يا رسول الله! أقرأ عليك القرآن وعليك أُنزِل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري”.. قال: فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى آية (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا) فقال النبي: حسبك الآن!.. قال ابن مسعود: فالتفت فإذا عيناه تذرفان.. متفق عليه.

هذه الرواية تدل على أن بكاء النبي عند استماع القرآن كان دون صوت، لأن ابن مسعود لم يعلم به حتى التفت إليه ورأى دموعه.

كذلك عن عبدالله بن الشخير قال: “أتيت النبي وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء”.. والجوف هو الصدر وما كان داخله، وهذا أيضا يدل على أنه لم يكن بكاء ذا صوت مرتفع، بل كان منبعه صدره، حتى أن لجوفه صوتا كصوت الإناء الذي يغلي بالماء.

الإمام ابن القيم قال عن النبي محمد: “وأما بكاؤه صلى الله عليه وسلم، فكان من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكة بقهقهة، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تهملا ويُسمع لصدره أزيز”..

إن دموع الريحاني -بلا زيف الجلسرين- درس قاس في فن الصدق، مطابقا لحال القلب، لا حال الجهاز الصوتي، الذي يتجلّى زعيقه فيكون تمثيلا لمعنى من معاني النفاق، مُنزلا أصحابه الدرك الأسفل من الجحيم.

مصطفى علي

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى