وجهات نظر

بين لاهوتين: تنوير “الكواكبي” وتأسيس السلطة الدينية

عصام الزهيري

في سنة 1877 أصدر عبدالرحمن الكواكبي (1855 – 1902) جريدته “الشهباء” من حلب بسوريا، كانت أول صحيفة مستقلة ناطقة بالعربية في السلطنة العثمانية، لكنها أغلقت نهائيًّا بأمر الوالي التركي بعد 16 عددًا فقط تناوبت عليها خلالها محاولات تعطيل بدأت منذ العدد الثاني.. كانت الحرب في ذلك الوقت في أوجها بين السلطان العثماني وبين قيصر روسيا، وكفة الانتصار ترجح جانب الروس، رغم ذلك رفض ضابط تركي انضمام 6 متطوعين من الأرمن السوريين للحرب، وذلك لأسباب عرقية طائفية، وعلى الفور كتب “الكواكبي”: “كلما ألزمتنا ظروف الأحوال بالتشبث بأسباب علاقات الود والاتحاد بين سائر التبعة العثمانية، تظهر هكذا حركات تقضي بضد ذلك لغايات بعض مآمير لا يكترثون بلوازم الأوقات، فاللازم على أولياء الأمور أن يصدّوا هكذا مأمورين عن غاياتهم”، وهو ما أدى إلى محاكمته!

بعد ذلك بعامين أصدر جريدته الثانية “اعتدال”، التي أوقفت بعد أعداد قليلة، اضطر بعدها “الكواكبي” للفرار من حلب عقب إفلاته من حكم بالإعدام بتهمة العمالة لدولة أجنبية!

وبعد تطواف طويل بالصين والهند وسواحل إفريقيا وشرق آسيا، وصل إلى مصر سرًّا سنة 1899، وبدأ بالنشر في جريدة “المقطم” بأسماء مستعارة، وألف كتابًا (مفقودًا الآن) عن تسهيل اللغة العربية، رأى فيه أن تُحذف من اللغة الألفاظ القديمة والحركات والجموع المتباينة، وفي إحدى مقالاته بجريدة المقطم أبدى موافقته على مبدأ فصل الدين عن الدولة، ما جعل الشيخ رشيد رضا يكيل له الاتهام بالعداء للإسلام، وردّ “الكواكبي” –سعيدًا كما يبدو بحريته التي نالها خلال فترة العداء بين السلطان “عبد الحميد” وخديو مصر “عباس الثاني- بأن بعضًا من ذلك الاتهام كان كفيلاً بدفع السلطان إلى رميه في مياه البوسفور لولا أنه مقيم في القاهرة )١).

تأسيس سلطة دينية مستقلة

في كتابه “أم القرى”، الذي أصدره من مصر، يبدو “الكواكبي” باحثًا عن تأسيس هيكل لسلطة دينية مستقلة عن سلطة الدولة في الإسلام، فهو ينفي ابتداء عن “السلطنة العثمانية” صيغة الخلافة الدينية قائلاً: “إدارة الدين وإدارة الملك لم تتحدا في الإسلام تمامًا إلا في عهد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز فقط، واتحدتا نوعًا في الأمويين والعباسيين، ثم افترقت الخلافة عن الملك”، ما يبرر هذا الافتراق بين السلطتين السياسية والدينية في نظره أن ليس من شأن الملوك في أي عصر أن يقدموا الاهتمام بالدين على مصلحة الملك، ولو أرادوا لا يقدرون على ذلك ولا تسعفهم الظروف المحيطة: “حيث دولتهم مؤلفة من لفيف أهل أديان ونحل مختلفة، كما أن الهيئة التي تتشكل منها الدولة –أعني الوزراء– هم كذلك لفيف مختلف الأديان” (٢).

من أجل ذلك يقدم “الكواكبي” مقترحه بإرساء نظام الخلافة كجامعة دينية وسلطة روحية، تحت لواء السلطنة كجامعة سياسية، ولكن بالاستقلال عنها في نفس الوقت، على نمط يشبه استقلالية دولة الفاتيكان*، ويكون مركزها مدينة مكة، وهو يُرسي سلطتها على قواعد منها أن “انتخاب الخليفة يكون منوطًا بهيئة الشورى العامة”، و”تتشكل هيئة الشورى العامة من نحو مئة عضو منتخبين.. وتكون وظائفها منحصرة في شؤون السياسة العامة الدينية”، و”الخليفة لا يتداخل في شيء من الشؤون السياسية والإدارية في السلطنات والإمارات قطعيًّا”.

يبدو فكر “الكواكبي” في هذه النقطة سابقًا لزمنه، إذا وضعنا في الاعتبار أن هذا الهيكل المستقل للمؤسسة الدينية نتج تاريخيًّا وبنحو تلقائي عن تطورات سقوط الخلافة/ السلطنة العثمانية سنة 1924، وإن حدث ذلك على نطاق وطني وليس إمبراطوريًّا جامعًا، مؤسسات: الأزهر في مصر والزيتونة في تونس والقرويين في المغرب.. إلخ، ويبدو من المتقدم أيضًا على مستوى التنظيم الإداري المجتمعي، أن يبحث مفكر منحاز لمبدأ فصل السلطتين السياسية والدينية عن تأسيس سلطة دينية مستقلة، وكانت هذه السلطة حتى زمنه تكتسي طابعًا هلاميًّا، لا سبيل إلى تحديده حقيقة لكن يجري استغلاله على نطاق واسع بكل الطرائق، غير أن طرح “الكواكبي” لم يكن على هذا المستوى من الاختصار، فقد كانت إجابة تأسيس السلطة الدينية لديه معطى لأسئلة كثيرة متداخلة، في مقدمة هذه الأسئلة سؤال الفتور العام (أي التخلف)، وبعد أن يتحدث عن كون التخلف الحضاري كالداء أو كالمرض يسأل: “فما هو والحالة هذه سبب تعمم (عمومية) هذا الفتور، وملازمته لجامعة هذا الدين كملازمة العلة للمعلول، بحيث أينما وجدت الإسلامية (جمهور أهل الملة) وجد هذا الداء، حتى توهم كثير من الحكماء أن الإسلام والنظام لا يجتمعان، هذا هو المشكل العظيم”.

والأجوبة المترتبة على سؤال التخلف العربي والإسلامي عند “الكواكبي” تتنوع على ألسنة مفكرين من مختلف الأقطار الإسلامية (العثمانية في ذلك الوقت)، تخيَّلَ مؤلف “أم القرى” أنهم يجتمعون لتشخيص الداء العضال، ومن هذا التشخيص حديث عن العقيدة الجبرية التي تقود المسلم إلى التواكل والتسليم والزهد، أو في أفضل الأحوال تقوده إلى النفاق تمويها لا تدينا، ومنه تأثير مفهوم الجهاد واستمرار حروب التوسع لقرون جعلت الأكثرية تتصور أن المسلمين أمة جندية صنعة وأخلاقًا بعيدة عن الفنون والصنائع، ومنه فقدان قيمة الحرية التي ينتج عنها الشعور بتساوي الحقوق، ومن ثمّ محاسبة الحكام، ما أدى إلى طغيانهم وفسادهم، بتصور أن مجرد كون الأمير مسلمًا يغني عن العدل، ومنه الترائي بالدين بقصد تمكين السلطة أو التمكن به من سلطة، ومنه التقصير في تعليم المرأة والإبقاء عليها جاهلة، ومنه التخلف في ميادين الفلسفة والعلوم الطبيعية وتحريم نظرياتها، فالدين المملوء بالخرافات والعقل المتنور لا يجتمعان في دماغ واحد، ومنه توسيع دائرة الأحكام في مجال الفقه والاستغراق في الفروع على حساب الجوهر الروحاني والمبدأ الأخلاقي للدين، ومنه وهو ما يرتبط بموضوعنا ارتباطًا وثيقًا: “دخول الدين تحت ولاية العلماء الرسميين وبعبارة أخرى تحت ولاية الجهلة المتعمّمين”، ما يفضي بنا إلى الجوهر الإشكالي في طرح “الكواكبي”، وهو إشكال يلخصه التساؤل إن كان يكمن في استقلالية المؤسسة الدينية كما طرح لديه نهاية تكريس جهل المتعممين نظريًّا وعمليًّا، ذلك أن استقلالهم المؤسسي قد يمنح ترويجهم لـ”الفتور” مشروعية وسلطة أعلى وأشد!

الاشتراك والاجتماع العمومي (لاهوت التحرير)

اللاهوت في اللفظ الإفرنجي -theology –  يتكون من مقطعين: theos  بمعنى الله، وlogos بمعنى علم، أي علم الله وصفاته وعلاقته بالعالم، وينصرف في أوسع معانيه إلى التنظير الشامل لدين معين، ويتفرع من زاويته الضيقة مصطلح “اللاهوت الدفاعي”، وهو العلم التأريخي الجدالي الكلامي، ومن منظوره الواسع يأتي مصطلح “اللاهوت الديالكتيكي”، وهو الذي لا يتحدد مفهوم الحقيقة فيه بنحو واقعي، أي إن صدق القضية اللاهوتية (الدينية) مردود إلى أنها تجيب عن سؤال مثار في زمن معين، لا وفق مبدأ مطلق أو لا زماني، مثلاً: قولنا إن الله رحيم بالمذنب ليس مجرد تقرير عن مفهوم الله الذي ليس كمثله شيء فلا يتصوره العقل البشري، ولكنه تقرير يصدق في الحال الواقعي على كل مذنب. (٣)

والذي يقودنا إلى هذا التعريف والتفريع بخصوص مصطلح مثل اللاهوت، هو “الأجندة اللاهوتية” التي قدمها “الكواكبي” في نهاية كتابه “أم القرى”، كعلاج متعدد البنود لداء الفتور المستحكم العام (التخلف)، وهي أجندة تتكون من عشْر نقاط، وتعتبر إحداها أن الجهل المطلق هو جرثومة الداء، وأن أضرَّ فروع الجهل هو الجهل في الدين، وأن دواء ذلك يوجَز في شقين: الأول تنوير الأفكار بالعلم والتعليم، والثاني تحرير العقول عبر خلق دوافع الترقّي بها وتجسيمها في الواقع الفردي والاجتماعي، وهو ما عمل كتاب “الكواكبي” الثاني بعنوان “طبائع الاستبداد” على بلورة الإجابة نظريًّا وواقعيًّا عليه.

والمعنى العام للاستبداد في كتاب “طبائع الاستبداد” هو: “غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النصيحة أو عن قبول الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المتساوية”.

ويفصل “الكواكبي” في ما يلي ذلك من فصول تمثلات الاستبداد في الميادين المختلفة عبر عناوين ثابتة: الاستبداد والدين، الاستبداد والعلم، الاستبداد والمجد، الاستبداد والمال، والأخلاق، والتربية، والترقي، وصولاً إلى الاستبداد والتخلص منه.

ويقيم في هذا الفصل الأخير ديناميكية التخلص من الاستبداد على ثلاثة مبانٍ: الأول مبنى الشعور بآلام الاستبداد في مجالاته المتنوعة عبر ترقية المعارف والعلوم والآداب والأخلاق بها جميعًا، والثاني مبنى أن الاستبداد لا يقاوم بالشدة ولكن عبر الحكمة والترقي التدريجي وصولاً إلى القطيعة الاجتماعية الشاملة معه، والثالث مبنى أن مقاومة الاستبداد لا تأتي إلا من تهيئة ما يستبدل به، وما يستبدل به الاستبداد في رأي “الكواكبي” يتلخص -بلغته- في “الاجتماع العمومي”، وهو بتعبيرنا اليوم مؤسسات الدولة المستقلة ومؤسسات المجتمع المدني الفعالة، ثم “الاشتراك” أي “المعيشة الاشتراكية على أبدع ما يتصوره العقل”.

ورغم إيمانه بأن البشر لم يبلغوا بعد من الترقي ما يكفي “لتوسيعهم نظام التعاون والتضامن في المعيشة العائلية إلى إدارة الأمم الكبيرة”، فإنه يرسم الطريق إلى ذلك بصورة مركبة، عبر نظم من الاستقلالية اللا مركزية متعددة المستويات، أي بأن:

1 – يكون الإنسان حرًّا مستقلاً في شؤونه كأنه خُلق وحده.

2 – تكون العائلة مستقلة كأنها أمة وحدها.

3 – تكون القرية أو المدينة مستقلة كأنها قارة واحدة.

4 – تكون الأقاليم في المملكة كأنها أفلاك، كل منها مستقل في ذاته.

ولا يربط سائر هذه المدارات المتداخلة بمركز نظامها الاجتماعي سوى الروابط القانونية والثقافية التي تحميها من التفكك، ومن الوقوع في أسر نظام آخر لا يلائم طبع ترقيها.

والمسألة كما ترى ليست سهلة بطبيعتها.

مأزق الديني والسياسي

العمود الفقري الذي يمكن تلمس تقسيماته في مجمل أفكار لاهوت التنوير ولاهوت التحرير عند الكواكبي، هو الفصل الحاسم القائم على التنظيم العلمي والعقلاني بين السلطات المختلفة، سلطة الدين وسلطة السياسة وسلطة العلم وسلطة المال وسلطة العادات وسلطة الثقافة… إلخ، بتحديد دوائرها تحديدًا دقيقًا، وفتح قنوات التفاعل البناء فيما بينها، بما يحقق أوسع تجسيد ممكن لقيم المدنية الحديثة: الحرية والمواطنة والعدل والمساواة، وبما يضمن التراكم المستمر في أرصدة المجتمع العلمية والعقلية والأخلاقية، ويفتح الباب لصعود مستمر على درجات سلم التقدم والترقي، وصولاً إلى مجتمع مستقبلي يليق بإنسانية سكانه.

غير أن المفارقة التاريخية التي بوسع قارئ “الكواكبي” أن يضع يده عليها كانت مفارقة ذات وجهين: وجه عام، يتمثل في حاجته إلى تبرير الحركة المتقدمة من الحاضر إلى المستقبل بسند من الماضي، وهو ما مكّن المفكر من استعادة التراث العقلاني كداعم رئيس لحضور الدولة المدنية بقيمها الحديثة، لكن ذلك صار في نفس الوقت آلية مرجعية لنزعة العودة السلفية إلى الماضي، والانكفاء على إعادة إنتاجه كما لو كان صورة من المستقبل (٤).

أما الوجه الشخصي في مفارقة “الكواكبي” التاريخية، فتتمثل في نزعته النضالية تجاه تأكيد حريته في الرأي واستقلاليته، ومعارضته السياسية العنيفة للسلطنة العثمانية، ما قاد إلى إغراق أفكاره في دروب التآمر السياسي، وصولاً إلى قرار اغتياله الذي أكده أصدقاؤه، إما بطريق فنجان قهوة مسموم تناوله على مقهاه المفضل في مصر “اسبلنديد بار”، وإما بدسِّ كتاب له غُطيت أطراف صفحاته بالسُّم، ويقال إن الباب العالي في تركيا تهلل فرحًا بنبأ موته وصاح: بالكتابة أفزعنا وبالكتاب أسكتناه، واختفى باغتيال المفكر العظيم مخطوطا كتابين آخرين ألّفهما ولم يصلا إلينا.

رحل “عبدالرحمن الكواكبي” وسرُّ رحيله معه، لكنه ترك سحر فكره معنا.

هامش:

*لم تكن دولة الفاتيكان وُجِدت في زمن “الكواكبي”، ولم تكتسب وجودًا قانونيًّا يعبر عن السيادة الروحية المستقلة للكرسي الرسولي البابوي قبل اتفاقية “لاتيران” في 7 يونيو/ حزيران 1929.

المراجع

  • سعد زغلول الكواكبي، عبد الرحمن الكواكبي – السيرة الذاتية، بيسان للنشر والتوزيع، لبنان، 1998.
  • عبد الرحمن الكواكبي، أم القرى، الهيئة العامة للكتاب، مصر، 2012.
  • الدكتور مراد وهبة، المعجم الفلسفي، دار قباء الحديثة، مصر، 2011.
  • الدكتور جابر عصفور، هوامش على دفتر التنوير، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 2013.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

القصص المتعلقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى