"بَحْرٌ بلا سَاحِل"

أبو الحسن الشاذلي (2-2)

عقد السُّلطان “الكامل” في القاهرة مجلسًا -أو بالأحرى جلسة محاكمةٍ- لاختبار الشيخ “أبي الحسن” على غرار ما فعل سُلطان تونس من قبل، لكن سرعان ما وقف فُقهَاءُ الـمحروسة على علم وورع وصدق الشَّيخ، وأدرك السُّلطان أنَّ ما حدث كان مجرد مكيدةٍ من قاضي الجماعة بتونس، فبادر بتقديم الاعتذار إلى الشَّيخ “أبي الـحسن”، وأكرم وفادته. يقول خادم الشَّيخ، سيدي “ماضي بن سلطان الـمسروقي”، الـملقَّب بـ”أبي العزائم” (ت 718هـ): “واهْتزَّتْ بنا الدّيارُ الـمصرية إلى أن طلعنَا إلى الـحجّ”. وبعد أن رجع الشَّيخ من أداء الفريضة، عاد إلى تونس مجدَّدًا: إمَّا احترامًا للوعد الذي قطعه مع سُلطانها أبي زكريا بحسب الرواية الأولى التي تفيد عدم نفيه، أو بعد وفاة السلطان أبي زكريا كي يلتقي بوارث سرّه الشَّيخ أبي العبَّاس الـمرسي (616-685هـ) ليعودا معًا بعد عامين إلى الإسكندرية”. 

مسجد المرسي أبو العباس

في رحلته الثانية من تونس إلى الإسكندرية، اصطحب الشَّيخُ معه -إلى جانب أبي العبَّاس الـمرسي- عددًا كبيرًا من أتباعه ومريديه الذين أخذوا في الازدياد كلَّما توقَّف بمدينة من الـمدن على طول الطَّريق السَّاحلي. وبوصوله الإسكندرية، واستقراره في الدَّار التي حبَسَهَا عليه السُّلطان “الكامل”، وعلى ذرِّيتِه من بعدِه، بالقُرب من كُوم الدِّكة؛ بدأ فصلٌ جديدٌ تمامًا من حياة الشَّيخ “أبي الـحسن” وطريقته الشَّاذُلِيَّة:

 فإذا كان شيخُه قد أنذرَه بابتلاء اللَّه تعالى له في تونس؛ فإنَّه قد بشَّره بالعاقبة الـحُسْنى في أرض الـمشرق.

 وإذا كان اللَّه قد سَمَّاه “الشَّاذُّ – لِي”؛ أي “الـمُنْفَرِد لـخِدْمَتِي ومَحبَّتي” في تونس؛ فإنَّه قد أُمِر من قِبَل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلَّم: “يا عليُّ! انتقل إلى الدِّيار الـمصرية، فإنَّك تُربِّي فيها أربعين صِدِّيقًا”- بحسب ما يقولون !

 وإذا كان قد تعرَّض للمِحْنة في تونس على يد قاضي قُضَاتِها وسُلْطَانِها “ابن البراء”؛ فإنَّه قد استهلَّ في الدِّيار الـمصرية عصْر الـمِنَّة على يد نُخْبَةِ عُلَمَائِها ومَلِكِهَا. يقول “أبو الـحسن الشَّاذُلِي”: “لـمَّا قدِمتُ الدِّيار الـمصرية، قيل لي: يا علي! ذهبتْ أيام الـمحن، وأقبلتْ أيام الـمِنَن؛ عشْرٌ بعشْرٍ، اقتداءً بجدِّك النَّبي صلى اللَّه عليه وسلَّم”.

 وإذا كان “أبو القاسم بن البراء” -قاضي الـجَمَاعة بتونس- سببًا في امتحانِه والوِشَايةِ به لدى السُّلطان “أبي زكرياء يحيى الأوَّل”؛ فإنَّ الشَّيخَ الإمامَ قاضي القُضَاة بمصْر “بَدْرَ الدِّين بن جَمَاعَة”، كان يرى أنَّه في بركة الشَّيخ “أبي الـحسن” في مصر، وكان يفتخرُ بصحْبَتِه، وبحضور جنازتِه، والصَّلاة عليه بـحُمَيْثِرَةَ بصحراء عَيْذَاب (جنوب مرسى علَم بمحافظة البحر الأحمر الآن)، حيث توفِّي “الشَّاذُلي”، رحمه اللَّه، في شهر شوَّال سنة 656هـ، وهو في طريقه إلى الـحجّ.

وفي الدِّيار الـمصرية -أيضًا- تحلَّق حول الشَّيخ “أبي الـحسن” نخبةٌ من ألمع رجالات الفقه والـحديث والتَّفسير واللغة والأدب والتصوُّف في عصره، فخضع لدعوته أهل الـمشرق والـمغرب قاطبة، وكان يحضُر مجلسه أكابرُ العلماء من أهل عصره؛ وفي مقدّمتهم: عزُّ الدّين بن عبدالسَّلام، وتقيُّ الدّين بن دقيق العيد، وعبدالعظيم الـمُنذريُّ، وابن الصَّلاح، وابن الـحاجِب، والشَّيخ جمال الدّين عُصْفُور، والشَّيخ نبيه الدّين ابن عَوْف. وهؤلاء هم سلاطين علماء الدّين شرقًا وغربًا في عصرهم. فكانوا يحضرون ميعاده بالـمدرسة الكامليَّة بالقاهرة، لازِمينَ الأدبَ، مُصيخِينَ له، مُتتلْمِذِينَ بيْنَ يديه.

مريدو الشاذلية في مصر

ففي مصر بالذَّات، تأكَّدت الطَّريقة الشَّاذُلِيَّة وترَسَّختْ مبادئُها كمدرسةٍ روحيَّةٍ، وأظهرتْ تعاليمها الـمتمثِّلة في تقوى اللَّه عزَّ وجلَّ في السِّرِّ والعلَنْ، وضرورة الالتزام والعمل بالكتاب والسُّـنَّة. يقول “الشَّاذُليُّ”: “الْزَمْ بابًا واحدًا تُفْتَحْ لكَ كلُّ الأبواب، واخْضَعْ لسيِّدٍ واحدٍ تخْضَع لك كلُّ الرِّقاب. وإذا أخْبركَ كشْفُكَ بما يُناقِضُ الكتاب والسنَّة؛ فتمسَّكْ بالكِتَاب والسنَّة، وأعْرِضْ عن الكشْف، وقلْ في نفْسِك: إنَّ اللَّه يعْصِمُنِي بالكتاب والسنَّة، ولا يعْصِمُنِي من جِهَةِ الكَشْفِ”. وهكذا يعكس هذا التوجُّه الرَّصين الذي التزم نهجَه أعلامُ التصوُّف نظرةَ منظومة التصوف الشَّاذُلِي لـمسألة الإيمان؛ فالـمؤمن لا ينبغي أن يغترَّ مطلقًا بصدق إيمانه ما دامت الـمعرفة في مدلولها الكشفيِّ تتدرَّج من حِجابٍ إلى حجاب. لذلك، فإنَّ دوامَ حيرته وشدَّة تيقُّظه من مكر النَّفس وقلَّة جَلَدِها في مغالبة زيف الدُّنيا وإغراءاتها؛ يورثه الورع، ويجعله على أهبة الاستعداد لتلقي المدد من الله. فعندما صرَّح “أبو الـحسن” لبعض الأولياء: إنَّه لينْزِلُ عليَّ الـمدَدُ، فأرَى سَرَيَانَهُ في الـحوت في الـماء، والطَّير في الهواء. فقال له ذلك الولي: فأنتَ إذن القُطب. قال: أنَا عبداللَّه. على الرُّغم من أنَّه لم يُنَازِعْهُ في قُطبانيَّتِهِ أحدٌ من أولياءِ عصْره، وعُلماءِ زمانِه.

وهكذا يتراءى لنا أنَّ الشَّيخ “الشَّاذلي” يعتبر أنَّ ذاتَه قد تحرَّرت بمنَّةٍ من اللَّه تعالى إلى موضع ألطافه، مُعْتبرًا كذلك أنَّ ولاية التَّخصيص، في تجربته الصُّوفية، مُقترِنة كأوثق ما يكون بتطهير الذَّات البشرية، وأنَّ كمالها يكمن في الرضى بالـمنْزِلة التي قدَّرها اللَّه عزَّ وجلَّ؛ نظرًا إلى أنَّ الكل واحد؛ فالأعلى محتاج إلى الأسفل حاجةَ الرأس إلى الرّجْلَين. فكمال الـصوفية مُعلَّق بتوفُّقهم في التمسُّك بالفقْر: “عُمدةُ الـملوك العَدَدُ والأنصارُ، وعُمدة الفقراء الغِنَى باللَّه، والرِّضى بمجاري الأقدار”.

وكما نقل “الشَّاذُلِيُّ” تعاليم تصوف شيخه “ابن مشيش” إلى ثُلَّة من خلصاء تلامذته؛ وفي مقدِّمتهم: سيدي أبي العبَّاس الـمرْسِيِّ؛ حمل الأخير على عاتقه مَهَمَّةَ حِفْظ ونقْل تعاليم شيخه “أبي الـحسن” إلى الأجيال اللاحقة من بعده؛ خاصة تلميذه الأنجب “ابن عطاء اللَّه السَّكندريّ” (658-709هـ). فعبْر هؤلاء الشُّيوخ الذين شكَّلوا جِذْعَ الشَّاذُلِيَّة في مصر، يتَّضِحُ أنَّ مدَد “ابن مشيش”، قد اتَّخد أبعادَه الـمثْلَى كما هو حقيقٌ وجديرٌ بوارثٍ مُحمَّديٍ كامل. فقد ظلَّت الـحِكَمُ العطائيَّة كتابًا واسع الانتشار والتَّداوُل بين أتباع الشَّاذُلِيَّة.

وختامًا، لقد كان “الشَّاذُلِيّ” -بحقٍّ- التَّجلِيَ الأمثلَ والأعْلى لرُوح أُستاذه التي سرتْ فيه مَسْرَى الرُّوح من الـجسد، فكأنَّ اللَّه سبحانه قد استجاب لصلوات “ابن مشيش”، فوهبَهُ الوارثَ الرُّوحِيَّ في شخْص “أبي الـحسن”! إذْ لولا الواسِطةُ لذهَبَ الـمَوسُوطُ! ويتجلَّى هذا التَّماثُل -أرْوَعَ ما يتجلَّى- في جوهر التَّجربة الصُّوفية العمليَّة الأخلاقيَّة عند الشَّيخ “أبي الـحسن الشَّاذلي”، حيث تنْبَنِي على طلب العلم، وكثْرة الذِّكْر. يقول الشيخ “أبو الـحسن” ناصحًا أحد المريدين: “لا تنقل قدميكَ إلَّا حيث ترجو ثواب اللَّه، ولا تجلس إلَّا حيث تأمن غالبًا من معصية اللَّه، ولا تصحب إلَّا من تستعين به على طاعة اللَّه، ولا تصْطَفِ لنفْسِكَ إلَّا من تزْداد به يقينًا، وقليلٌ ما هُم”.

فالذِّكْرُ عِمَادُ الطَّريقة، إلى جانب كلٍّ من: التَّفكُّر، والفقْر، والـمحبَّة؛ وهو ما عبَّر عنه الشَّيخ بالقول: “الطَّريق القَصْدُ إلى اللَّه تعالى أربعةُ أشياء: فمن جازهُنَّ كلَّهُنَّ فهو من الصِّدِّيقينَ الـمُحَقِّقين. ومن جاز منهنَّ ثلاثًا فهو من أولياءِ اللَّه الـمُقرَّبين. ومن جاز منهنَّ اثنتين فهو من الشُّهداء الـمُوقِنين. ومن جاز منهنَّ واحدة فهو من عباد اللَّه الصالحين. أوَّلها: الذِّكْر؛ وبِسَاطُه العمل الصالح، وثمرتُه النُّور. الثَّاني: التَّفكُّر؛ وبِسَاطُه الصَّبرُ، وثمرتُه العلم. الثَّالث: الفقْرُ؛ وبِسَاطُه الشُّكر، وثمرتُه الـمزيدُ منه. الرَّابع: الـحُبُّ؛ وبِسَاطُه بُغضُ الدُّنيا وأهْلِها، وثمرتُه الوُصْلَةُ للمحبوب.

ختامًا، لقد كان انتقالُ الشَّيخ “أبي الـحسن” إلى الدِّيار الـمصرية تلبيةً لداعي النُّبوَّة الشَّريفة، والتي كان من ثمارها تربيةُ “أرْبعِينَ صِدِّيقًا”. كما كان استقراره في الدَّيار الـمصرية فاتحة خير وبركة على مُجتمع الأولياء؛ وذلك بفضل مدرسته الصُّوفية التي استمر إشْعاعُها الرُّوحِيُّ طيلة وجوده في مصر مدَّة أربعة عشر عامًا (642–656هـ)، ثمَّ واصلت إشْعاعها على يد خلَفِه “أبي العبَّاس الـمُرْسِي” في الفترة من 646 إلى 685هـ، حيث اختاره الشَّيخ لِخلافته أثناء حياته، وأَذِنَ له في إلقاء الدَّرس بجامع العطَّارين، وإرشاد الـمريدين، إلى غير ذلك. 

مريدو الشاذلية في مصر

وكما لاحظ “حسن السَّندوبِي” بحقٍّ؛ فإنَّ مجيءَ “الشَّاذُلِي” إلى الدِّيار الـمصرية من الـمغرب الأقصى لا يُماثلهُ إلَّا “مجيءُ السَّيد جمال الدِّين الأفْغانِيِّ لها من الـمشْرق الأقصى أيضًا؛ فـكلاهما أَحْيا نفوسًا بمعارفِه، وبعث هِمَمًا بمواقِفِه، وأنار عقولًا، وملأ صدورًا، وحرَّك قلوبًا؛ ذلك [الشَّاذُلِي] بالَّلطائف العَليَّةِ والـمعارف اللَّدُنِّـيَّةِ، وهذا [الأفغاني] بالشَّرائع القُدسيَّة والعلوم الكونيَّة. وكلاهما ترك تلاميذَ ومريدينَ حملوا لواءه، وأذاعوا فضْله، وأعْلنوا نداءَه، وترسَّمُوا منْهجَ إصلاحِه، وساروا في ضوءِ مِصْباحِهِ. وكلاهما تركَّزتْ معارفُه في واحدٍ من أصحابه، بَزّ أقرانَهُ، وفاقَ إخْوانَهُ، فكان أبو العبَّاس الـمُرْسِيِّ للشَّاذُلِيِّ كمُحمَّد عبدُه للأفغانيِّ. كما كان ابنُ عطاء اللَّه السَّكندريُّ في إذاعة فضلهما ومبادئهما [الشَّاذُلِي والـمُرْسِي] كالسَّيد رشيد رضا؛ بالنِّسبة لـمُحمَّد عبده والأفغاني.

 

يقول الإمام “البوصيري” في قصيدة مدح فيها الشاذلي:

أمَّا الإمَامُ الشُّاذُلِيُّ طريقُهُ

في الفضْل واضحةٌ لعيْنِ الـمُهْتَدِي

فانْقِلْ -ولوْ قدَمًا- علَى آثارِه

فإذا فعَلْتَ فذَاكَ أَخْذٌ باليَدِ

قُطْبُ الزَّمانِ وغَوْثُهُ وإمَامُه

عيْنُ الوجودِ، لِسَانُ سِرِّ الـمُوجِدِ

سادَ الرِّجالَ فَقَصَّرَتْ عنْ شَأْوِهِ

هِـمَمُ الـمَآرِبِ لِلْعُلَا والسُّؤْددِ

وإذا مَرَرْتَ علَى مكَانِ ضَرِيحِهِ

وَشَـمَمْتَ رِيحَ الـنَّـدِّ مِنْ تُرْبٍ نَدِي

ووَجَدْتَ تَعْظِيمًا بِقَلْبِكَ لوْ سَرَى

في جَلْمَدٍ سَجَدَ الوَرَى لِلْجَلْمَدِ

فَقُلِ السَّلامُ علَيْكَ يا بَحْرَ النَّدَى الطَّـ

ـامِي، وبَحْرَ العِلْمِ؛ بَلْ والـمُرْشِدِ

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

كتبها

د. محمد حلمي عبدالوهاب

كاتب وباحث مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف

Start typing and press Enter to search