“بَحْرٌ بلا سَاحِل”.. القطب الجامع أبو الحسن الشاذلي (1-2)

“تَطْلُبُ القُطْبَ بِالعِرَاقِ، وهُوَ فِي بِلادِكَ؟! ارْجِعْ إِلَى بِلادِكَ.. تَجِدْهُ [هُنَالِكَ]”.. هكذا نصح الشَّيخ “أبو الَفتْح الواسِطيُّ”، أحدُ كبار الأولياء الـمعروفين ببغداد، الشيخَ “أبا الـحسن الشَّاذُلِيَّ”، الذي “لَمْ يختلف في قُطبانيتِه ذو قلبٍ مُسْتنيرٍ، ولا عارفٌ بصيرٌ”، فيما يقول “ابن عطاء اللَّه السَّكندريّ”، والذي قال عنه شيخُ الإسلام “عزُّ الدِّين بن عبدالسَّلام”: “اسمعوا منه الكلامَ الغريبَ، القريبَ العَهْدِ مِنَ اللَّه”، جوابًا عن سؤالِه إياه حول “قُطْبِ الزَّمَانِ”؛ ظنًّا منه أنَّه ببغداد!

ولد “أبو الحسن الشاذلي”، واسمه: علي بن عبداللَّه بن عبدالـجبَّار بن تميم، الذي يمتدُّ نسبُه إلى الإمام “علي بن أبي طالب”، كرَّم اللَّه وجهه، سنة 593ه، في قرية تَازْمُوت بقبيلة بني سميح؛ إحدى قبائل غمَّارة البحرية، في الـجنوب الشَّرقِي لمدينة تِطْوان المغربية. وأخذ طريق القوم -أوَّل ما أخذ- على يد الشَّيخ “أبي عبداللَّه محمَّد بن حَرَازِم”، وارثِ سرِّ “أبي مَدْيَن الغوث”، ثم أخذ الطريق على يد شيخه “عبدالسلام بن مشيش”([i])، قطب الصوفية في عصره. ويُفرّق “الفاسي” في كتابه “طبقات الشَّاذُلِيَّة” الكُبْرى بين الطَّريقين؛ فيقول: “وله طريقتان: طريقةُ تَبَرُّكٍ؛ أخذَها عن الشَّيخ الولي سيدي محمَّد بن حرَازِم، وطريقةُ إرادةٍ؛ وهي التي أخذَها عن الأستاذ القُطب أبي محمَّد عبدالسَّلام بن مَشِيش، رضي اللَّه عنه”.

يقول “أبو الحسن”: “فرجعتُ إلى بلاد الـمغرب، إلى أن اجتمعت بأُستاذي الشَّيخ الولي، العارف الصِّدِّيق، القُطب الغوث، أبي محمَّد عبدالسَّلام بن مشيش، الشَّريف الـحسَنِي”. وابتداءً من تلك اللحظة الفارقة، نجد أنفسنا إزاء علاقةٍ فريدةٍ بين الشَّيخ والـمريد في تاريخ التصوف. وكأنَّ مسار حياة كلّ واحدٍ منهما يمضي في اتّجاه الآخر من حيثُ لا يدري! فالـمريد طوَّف بالبلاد بحثًا عن الشَّيخ، والشَّيخ لم يتَّخذ صاحبًا قبلَه ولا بعده؛ على الرُّغْم مما توافر لديه من عامل الشَّرف واشتهار أمره. كما أنه أدرك أيضًا -بحكم قُطبانيتِه- استعدادَ الـمريد وأَهْليتَه لتلقِّي أنوار الولاية على يديه. ولما سُئل “ابن مشيش” عن عدم اتخاذ مريدين آخرين أجاب: “إنَّ شجرةً مَصُونةً لَهِيَ أفْضَلُ من بُسْتانٍ مُهْمَلٍ!”. وكذلك لم يُخَلّف “الشاذلي” كتُبًا، على نحو ما فعل أستاذُه؛ وإنَّما كان يُشيرُ دائمًا: “كُتُبِي أصْحابِي”.

لقد رأى “الشاذليُّ” في شيخه النّموذج الأمثلَ لقطب الزَّمان، حيث تتجلَّى الـحقيقة الـمحمديَّة في أبهى صورها، ورأى “ابن مشيش” فيه استجابةً حيَّةً من اللَّه؛ استجابة لدعائه أنْ يهبَ لهُ مُرِيدًا زَكِيًّا، يكونُ بمثابة الوَارِث الرُّوحي. وفي الواقع، يبدو وكأنَّ كلًّا منهما قد مارس -في إطار تلك العلاقة- دورًا مُزدوجًا: فالـمُريدُ مُرادٌ من حيث هو مُريد، والـمُرَادُ مُريدٌ من حيث هو مُراد! وكان لابن مشيش غار ينقطع فيه للعباة، يقول “أبو الحسن”: “فبتُّ ليلة على فَمِ الغَار، فلمَّا كان عند السَّحَر سمعتُه يقول: الَّلهُمَّ إنَّ أقوامًا سألوكَ إقْبالَ الـخلْق عليهم، وتسْخِيرَهُم لهم. الَّلهُمَّ إنِّي أسألُك إعْراضَهم عنِّي، واعْوجاجَهُم عليَّ؛ حتَّى لا يكون لي ملجأٌ إلَّا إليك. فقلت له: يا سيدي! إنِّي سمعتُك البارحةَ تقولُ كذا وكذا، فقال لي: يا علي! إنَّما خَيرٌ لك أن تقول: كُنْ لِي مِنْ أَنْ تقول: سَخِّرْ لِي قلوبَ خلْقِكَ؛ أي عبادَك، فإذا كان لك الله كان لك كلُّ شيء”.

عند وداعِه إيَّاه، رسم له شيخُه مسارَ رحلته شرقًا، فقال له: “يا علي! ارتحِلْ إلى إفريقية [تونس]، واسكُن بها بلدًا تُسمَّى شَاذُلَة؛ فإنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ يُسَمِّيكَ: الشَّاذُلِيّ. وبعد ذلك تنتقِل إلى مدينة تُونس، ويُـؤْتَـى عليك بها من قِبَل السُّلطان، وبعد ذلك تنتقل إلى بلاد الـمشرق، وبها تَرِثُ القُطْبَانِيَّة! فقال لشيخه ابن مشيش: أوصني، فقال: اللَّه الله، والنَّاس تُنَزّه لسانَك عن ذِكْرِهم، وقلبَك عن التَّماثيل من قِبَلِهم. وعليك بحِفْظ الـجوارح، وأداء الفرائض، ولا تُذكِّرهم إلَّا بواجب حقّ اللَّه عليك، وقل: اللَّهم ارحمني من ذِكْرِهم، ومن العَوارِض من قِبَلِهم، ونجّني من شرّهم، وأغْنِنِي بخيرِك عن خيرِهم، وتولَّنِي بالـخصوصيَّة من بينِهِم؛ إنَّك على كلّ شيءٍ قدير”.

في شاذُلَةَ، انقطع الشيخ “أبو الحسن” في غار جبل زَغْوان الـمُطِلّ عليها. فكان انقطاعُه في الـمغارة، بكُلِّ ما يحمله هذا الانقطاعُ من تفاصيلَ دقيقةٍ تتعلَّق بشظَف العيش وسُبُل الـمجاهَدَةِ، وما وقع له فيها من كراماتٍ، رواها عنهُ مُريدُه الأوَّل سيدي الـحبيبي:

  • تأَسِّـيًا بالتَّقليد الصُّوفي؛ بل النَّبوي، الرَّاسخ في الانعزال قَصْد التَّحَـنُّثِ، وما كان عليه شيخُه “ابن مشيش” أوَّلًا.
  • وإِتْمَامًا لولاية اللَّه عليه ثانيًا: “وقد تمَّتْ ولايةُ اللَّه عليك”.
  • واسْتِكْمالًا لتمَام الورع ثالثًا: “وقد تمَّ ورَعُكَ”.
  • واسْتِعْدَادًا وتَهْيِئَةً لِتَلقِّي عهْد الـمِحْنَة الـمُرْتَقَبَةِ رابعًا: “ويُؤْتَى عليكَ من قِبَل السَّلْطَنة”.
  • واستحقاقًا لنيل الـمنَّة خامسًا: “وبعد ذلك تنْتقِلُ إلى بلاد المشْرِق، وتَرِثُ فيها القُطْبَانِيَّة”.

 

في شاذُلَةَ ذاع صيتُ “أبي الـحسن” الذي “عُرف بالشَّاذُلِي وإليها نُسِب، كما سبق وبشَّره بذلك أستاذُه ابنُ مشيش. ومثلما تحقَّقت نبوءةُ شيخِه الأولى، سرْعان ما تحقَّقت بِشَارَتُه الثانية الـمتعلِّقة بوراثة القطبانية؛ فكان -رضي اللَّه عنه- في الإسكندرية: “إذا ركِبَ تمشي أكابِرُ الفُقراءِ، وأكابِرُ الدُّنيا حولَه، وتُنْشَرُ الأعلامُ على رأسه، وتُضْرَبُ الكاسَاتُ بين يديه، ويأمُرُ النَّقيبُ أن يُنادَى أمامَهُ: مَنْ أرادَ القُطْبَ؛ فعليه بالشَّاذُلِي

على أنَّ شُهْرة “أبي الـحسن” في شاذُلَة، واتِّساع دائرة مريديه يومًا بعد يوم، وترْكَهُ الـمغارة، واتِّخاذه دارًا بمسجد البلاد بمدينة تونس؛ قد تسبَّب في تزايُد الأحقاد والـحُسَّاد، فوغر عليه صدْرُ قاضي الـجماعة بها، “أبو القاسم بن البراء” (ت 677هـ)، فكَادَ له لدى سُلطان تونس “أبي زكريا الـحفصي”، مُتَّهِمًا إيَّاه بأنَّه جاسوسٌ فاطميٌ مدسوسٌ عليه، وأنَّه يتآمرُ على السُّلطان، بحكم كونِه حَسَنِيًّا عَلَوِيًّا. وما كان “أبو الـحسن” طالب شُهْرة، أو ساعيًا لتحصيل مجدٍ شخصي؛ وإنَّما كان راغبًا عن الـخروج من عُزلتِه، إلى أن أتاه الإذنُ الإلهيُّ بأن يخرج للناس من أجل أن ينتفعوا به: “قيل لي: يا علي! اهْبِط إلى النَّاس تنْتفِع بك، فقلتُ: يا رب! أَقِلْنِي من النَّاس، فلا طاقةَ لي بِمُخالَطَتِهِم، فقيل لي: انزِلْ، فقد أَصْحَبْنَاكَ السَّلامة، ورفعْنَا عنك الـملامة، فقلت: يا رب! تَكِلُنِي إلى النَّاس، آكُلُ من دُرَيْهِمَاتِهِم؟، فقيل لي: أنْفِقْ يا علي، فأنا الـمليءُ: إنْ شِئْتَ مِنَ الـجَيْبِ، وإنْ شِئْتَ مِنَ الْغَيْبِ”. ومن هنا شاع المَثَل الشهير: “اصْرِفْ ما في الـجيب؛ يأتِكَ ما في الغيب”! وهذا شأنُ أولياء اللّه تعالى، ليس لهم اختيارٌ مع اختياره تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّـهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾[الأحزاب: 36]؛ فقد انطوى اختيارُهم في اختيارِه سُبحانَهُ وتعالَى.

وفي الأحوال كلِّها؛ عقد السُّلطان مجلسًا يضمُّ وجهاءَ الفُقهَاء لاختبار الشَّيخ “أبي الـحسن” في عقيدته، فوجدوه عالِـمًا فقهيًا، فقال لهم السُّلطان: دعوهُ عنكم؛ هذا رجلٌ من أكابر الأولياء. فَلَوَّحَ “ابنُ البراء” -قاضي الـجَمَاعة بتونس- بالتَّهْديدِ مُجدَّدًا: “واللَّه إنْ تركتَهُ لَيُدْخِلَنَّ عليكَ أهلَ تونُسَ، ويُخْرِجـنَّكَ مِنْ أَظْهُرِهِمْ؛ فإنَّهم مُجْتَمِعُونَ على بابِك”! بيد أنَّ السُّلطان لم يَعْبَأ بكلامه، وانفرد بالشَّاذُلِي وقتًا، إلى أنْ صرفهُ بصُحْبَةِ أخيه الذي كان كثير الاعتقاد في الشَّيخ “أبي الـحسن”.

لكن الـحقد والحسد كانا قد تملَّكا من قلب قاضي الجماعة، مما دفعه لأن يُرسل رسالة عاجلةً إلى سُلطان مصر، الـملِك الكامل (ت 635هـ) يُحذِّره فيها من الشَّيخ أبي الـحسن، مع التَّأكيد بأنَّ “هذا الواصلَ إليكم شَوَّش علينا بلادَنا، وكذلك يفعلُ ببلادكم”! على أنَّ هناك بعض الرِّوايات التي تُفيد صدورَ قرارٍ من السُّلطان “أبي زكريا” بنَفْي الشَّيخ “أبي الـحسن”، وأنَّ رحيله إلى الـمشْرق قد تمَّ تحت غطاءِ التَّوجُّه لأداء فريضة الـحجِّ؛ ولعلَّ مما يُرجِّح ذلك أنَّ “أبا الـحسن” لَم يرجع إلى تونس، بحسب هذه الرواية، إلا بعد وفاة السلطان “أبي زكريا” (ت 647هـ)، ومُبايعة ابنه “الـمستنصر باللَّه”. وهكذا كانت بقية الـمحنة في انتظار الشَّيخ “أبي الـحسن”، الذي ما إن نزل الإسكندرية حتى أُلْقِي القبضُ عليه، وأُرْسِلَ في حراسة مشدَّدةٍ إلى القلعة بالقاهرة.

(1)   محمد حلمي عبدالوهاب، التصوف المغربي وامتداداته المشرقية: الإمداد والاستمداد، الطبعة الأولى (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2019)، ص 65 – 120.

(2)   ابن الصبَّاغ، دُرَّة الأسرار وتُحفة الأبرار في أقوال وأفعال وأحوال ومقامات ونسَب وكرامات وأذكار ودعوات سيدي أبو الـحسن الشَّاذُلي، الطبعة الأولى (القاهرة: الـمكتبة الأزهرية للتُّراث، 1419هـ – 1998م)، ص 22.

(3)   ابن عطاء اللَّه السَّكندريُّ، لطائف الـمِنَن في مناقب الشَّيخ أبي العبَّاس الـمرسيِّ وشيخه الشَّاذُلي أبي الـحسن، تحقيق وتعليق عبدالـحليم محمود، ذخائر العرب: 82، الطبعة الرابعة (القاهرة: دار الـمعارف، 2015م)، ص 75.

(4)   عبدالـحليم محمود، الـمدرسة الشاذلية وإمامها أبو الـحسن الشاذلي، قضايا التصوف: 2، الطبعة الأولى (القاهرة: دار الكتب الـحديثة، 1967م)، ص 35.

[i] مشيش أو بشيش؛ مشْـتَّقٌ من الفعل “مَشَّ”؛ بمعْنى “مسحَ اليدين”. وبهذا يكون معنى الكلمة: “الذي يمسح بالبَرَكَة، والفأل الـحسن”. ويفسرها ابن عجيبة الحسني؛ بأنها تعني “الـخادم، الـحاذق، اللبيب”.

بمشاركة

رسوم

أحمد بيكا

كتبها

د. محمد حلمي عبد الوهاب

كاتب وباحث مصري

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search