فاجعة بيروت

"من تحت الماء"

 

“مدينة منكوبة”.. هكذا ترك الانفجار الهائل الذي وقع الثلاثاء 4 أغسطس بمرفأ بيروت، العاصمة اللبنانية. لا تزال المدينة تئن تحت وطأة الدمار الذي خلفته الفاجعة في المباني والأسواق والبيوت، إذ قدر محافظها، مروان عبود، حجم الأضرار ما بين 3 إلى 5 مليارات دولار، كما أصبح 300 ألف لبناني بلا مأوى، فيما بلغت حصيلة القتلى 135 شخصًا ونحو 5 آلاف مصاب.

سماء لبنان ما زالت تحمل الأبخرة السامة جراء انفجار 2750 طنا من نترات الأمونيوم المُخزن في المرفأ، حيث أظهرت بيانات وكالة الفضاء الأوروبية، تزايد نسبة ثاني أكسيد النيتروجين السام في هوائها.

وأشار تقرير لمنظمة السلام الأخضر “غرينبيس” بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى أن الحريق سينتج عنه مواد خطرة أخرى علاوة على غاز أكسيد النتيروجين مثل الهيدروكربونات الأروماتية الحلقية وجزيئات الدخان الأسود الملوث.

التقرير ذاته، أشار إلى أن التأثير النهائي للتلوث يظهر بشكل أساسي في كميات الرماد السام المتناثر وفي حجم التراكمات المكدسة على الأسطح التي قد يتطاير أثناء القيام بعمليات التنظيف.

كثير من خبراء الكيمياء والبيئة تحدثوا عن التأثيرات المحتملة للانفجار على الصحة العامة وتلوث الهواء، لكن ماذا عن البيئة البحرية التي شهدت موجة كبيرة من الانفجار في الماء، وما الذي يمكن أن يحمله ذلك للكائنات البحرية؟

يتحدث د.منصور بشار، أستاذ علوم بحار بجامعة الأزهر، لـ”ذات مصر” عن السيناريوهات المحتملة خلال الأيام القليلة القادمة، قائلاً إن هناك عدة تغيرات ربما تشهدها البيئة البحرية في مرفأ بيروت، أولها أن تكون تركيزات العناصر السامة التي خلفها الانفجار قوية جدًا؛ نظرًا لقوة الانفجار ومن ثم تؤثر على عملية الهضم لدى الأسماك، ما يؤدي لنفوق أعداد كبيرة من الكائنات البحرية.

وأضاف أنه في حال عدم نفوق الأسماك فإن المواد السامة تظل في سلسلتها الغذائية وتصل في النهاية للإنسان؛ مما يعرضه لمخاطر صحية لتناوله للأسماك الملوثة بتلك المواد، مشددًا على ضرورة التوقف عن صيد الأسماك بالمرفأ والمناطق المجاورة للانفجار لحين قيام الجهات المختصة بتحليل عينات منها والتأكد من سلامتها للغذاء، مع ضرورة سرعة استجابة السلطات لهذا الأمر.

تحذيراته تتفق مع تصريحات إعلامية للدكتورة نجاة صليبا، أستاذ الكيمياء بالجامعة الأمريكية في بيروت، قالت فيها “من المؤكد أن الثروة السمكية في مكان الانفجار تضررت بشكل كبير، ونحن في انتظار نتائج التحليلات التي تم أخذها من البحر للوقوف على حجم الضرر”.

“منصور بشار” قال إن هناك احتمالات أخرى، أن يؤدي تغير خصائص المياه وأنواع الغذاء الموجود إلى هجرة بعض الأنواع أو ظهور أنواع جديدة قادرة على التأقلم خلال أسبوع أو اثنين.

 وأشار إلى أن الانفجار خلف عناصر غذائية مثل النترات والنيتروجين وهناك احتمال أن تستفيد الطحالب والأعشاب البحرية من هذه العناصر، مما يؤدي لازدهارها ونموها بشكل كبير، ومن ثم تكاثر الكائنات البحرية إذ تعتبر الطحالب والأعشاب البحرية حضانات طبيعية تمثل حماية وأماكن آمنة لوضع البيض للكائنات البحرية، حيث أن فترة النمو عند هذه الكائنات الأولية لا تستغرق سوى أيام قليلة.

كل هذا بفعل مادة “نترات الأمونيوم” البيضاء التي تسببت في عشرات الحوادث بمناطق مختلفة من العالم.

ويعد مرفأ بيروت هو رئة لبنان الاقتصادية، إذ يتألف من 4 أحواض يتراوح عمقها بين 20 – 24 مترا، كما أنه بمثابة البوابة الرئيسية لاستيراد وتصدير السلع، وهو واحد من أهم الممرات لعبور السفن بين الشرق والغرب ويتعامل مع نحو 300 ميناء عالميًا، وتمثل البضائع التي تدخل إليه حوالي 70% مما يستورده لبنان. وتقدر الإيرادات السنوية للمرفأ بنحو 199 مليون دولار.

بيروت من المدن الغنية بالأسماك، ويمارس سكانها الصيد كمصدر للرزق، وبالنظر إلى الخسائر، فقد أدى الانفجار إلى تدمير نحو 80% من المرفأ بحسب تقدير سلطات البلاد، ويبلغ حجم الخسائر الاقتصادية الناتجة عن التدمير نحو 100 مليون دولار .

وفي ظل حجم الخسائر البشرية وتدمير البنية التحتية، لم يكن هناك أحاديث من جانب السلطات حول التأثيرات التي قد تتعرض لها الكائنات البحرية، واقتصرت التحذيرات على المنظمات والمبادرات المهتمة بالحياة البحرية في لبنان، حيث نشرت “صفحة الصيد البحري في لبنان”- ويتابعها آلاف الأشخاص- فيديو لدكتور جبران قرنعوني، أخصائي في الطب الميداني وإدارة الكوارث، حذر خلاله من صيد الأسماك بعد الانفجار، داعيًا الصياديين إلى التوقف فورًا حتى إشعار أخر.

وأشار إلى أنه يمكن ملاحظة آثار التلوث على لون المياه المحيط بمكان الانفجار والذي تحول إلى “الأحمر” بفعل الملوثات خاصة في شمال بيروت  لتحرك الأسماك بفعل حركة الرياح، كما حذر من النزول للشاطئ حتى لا تنقل مياه البحر الملوثة أمراض جلدية أو تنفسية للسابحين. وهو ما سيترك تأثيره بلا شك على العديد من الأشخاص الذين يمثل الصيد مصدر رزقهم الوحيد.

بدوره، وجه الأمن العام اللبناني، بلاغًا للمواطنين، يطبق ابتداءً من الجمعة 7 أغسطس، بعدم خروج أي مركب للصيد قبل التواصل معهم.

ومع اتجاه الرياح في الشمال الغربي، من الممكن مشاهدة الأسماك النافقة على سواحل لبنان أو سوريا، حيث أن مادة نترات الأمونيوم بعد انفجارها تتحلل وتخرج بعض السوائل كالأمونيا بعد تكسيرها، بحسب حديث الدكتور محمود دار، أستاذ البيئة البحرية بمعهد علوم البحار لـ”ذات مصر”.

وأشار “دار” إلى أن ثاني أكسيد النيتروجين المنتشر في الهواء من الممكن أن يؤدي لسقوط أمطار حمضية، وإذا لم تسقط أمطار ستقوم الرياح بتشتيته مع الوقت.

فضلًا عن أن الموجات الارتدادية يمكن أن تؤدي لصدوع وشروخ في القشرة الأرضية، ويمكن أن يكون لذلك تأثير إيجابي إذا ظهر في هذه الشروخ بؤر غاز طبيعي، كما يمكن أن تؤثر على مصايد الغاز الطبيعي الموجودة وتحدث ثقوب في مسارها ما يتسبب في تسرب الغاز منها.

وعادة ما تؤدي الانفجارات تحت الماء إلى موجة صدمة وطاقة صوتية تقتل وتؤذي الأنواع البحرية (الأسماك والسلاحف البحرية والثدييات البحرية)،  بحسب مقال نشره مكتب سلامة وتقوية البيئة الأمريكي عبر موقعه، والذي أشار أيضًا إلى أن التفجيرات قد تؤدي إلى تعطيل أو إتلاف الحياة البحرية وتهدد بعض الأنواع النادرة. وهو ما يثير خوف المهتمين بالبيئة والحياة البحرية جراء انفجار بيروت الدامي.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

رحمة ضياء

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search