تأريخ تغرقه الشائعات

جلس الفنان الكبير الشيخ “سيد مكاوي” أمام الكاميرا، ضيفًا على برنامج “دائرة الضوء” الذي كان يبثه التليفزيون السوري. أوصلته الحكايات إلى الموسيقي الكبير الشيخ “درويش الحريري”، ليقول في ثقة: “إن الرجل لحن 5 آلاف موشح”، وقد مرت العبارة على مقدم البرنامج دون أن تُثير لديه أي مشاعر للتعجب أو الدهشة، فالشيخ “سيد مكاوي” مطرب وملحن له شهرته ومكانته، وهو محسوب على فن الشيوخ، ويُنظر الناس إليه باعتباره أحد حراس الموسيقى الكلاسيكية، وهو ممن أدرك الشيخ “درويش” وعرفه. 

الحقيقة تقول إن الموشحات العربية كلها لم تبلغ الألف، وإن نصيب الشيخ “درويش الحريري” من تلحينها لا يمكن أن يبلغ عشرة موشحات بأي حال. نعم، كان “الحريري” راوية للموشحات، وسجل العشرات من نوادرها لمؤتمر الموسيقى العربية عام 1932، على سبيل التوثيق، لكن لا هو ولا غيره لحن 5 آلاف موشح. 

الشيخ "سيد مكاوي" متحدثًا عن الشيخ "درويش الحريري"

هذه الشائعة الفنية التي ورّط فيها “سيد مكاوي” جمهوره الكبير، ليست إلا مثالًا لأغاليط وأخطاء وشائعات تكاد تهيمن على الإعلام العربي والصحف العربية عند كل حديث يتناول الغناء والموسيقى. استقرت هذه الشائعات في وجدان الجماهير أو كادت أن تستقر لسببين رئيسين؛ الأول صدورها عن كثيرين من أصحاب الأسماء اللامعة والمشتهرة، أو ممن لهم مناصب أكاديمية ومكانة علمية. والثاني تكرارها المستمر بمناسبة وبدون مناسبة، عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، والصحف والمجلات الفنية، ثم عبر طوفان المواقع الإلكترونية. 

وهذا أكاديمي مصري معروف، له متابعون كثر، يتحدث في إحدى الفضائيات فيزعم أن “محمد عثمان” حرر الموسيقى المصرية من الآلات التركية، مثل: البُزق، والسنطور، والآلات الإيقاعية العثمانية، حيث استبدل بها العود والقانون والطبلة البلدي والدف، مكونًا أول تخت مصري عام 1840. والأكاديمي المتخصص الذي يحمل درجة الدكتوراه ويدرس للطلبة، لا يكلف نفسه عناء إثبات وجود هذه الآلات التركية في مصر، ولا يقدم لنا مصدرًا واحدًا على دور “محمد عثمان” في مواجهة هذه الآلات، والأهم من كل هذا أنه لم يكلف نفسه عناء البحث عن تاريخ ميلاد “عثمان”، ولو فعل لعرف أنه ولد عام 1855، وبالطبع لتجنب أن ينسب إليه تكوين أول تخت مصري قبل أن يُولد بـ15 عامًا. 

الدكتور "فتحي الخميس" يتحدث عن تكوين التخت المصري عام 1840

كاتبة شابة، تسطر مقالًا في صحيفة مشهورة، تزعم فيه أن “بليغ حمدي” استخدم صوت “أم كلثوم” لإرسال رسائله العاطفية إلى “وردة” في فترة جفوة اعترت علاقة الحب الشهيرة بينهما. لم تُضمّن الكاتبة مقالها تاريخًا واحدًا، وذكرت بعض ألحان “بليغ” لأم كلثوم، فإذا بها لأغنيات شدت بها السيدة قبل بدء العلاقة بين “بليغ” و”وردة”. ثم تمادت الكاتبة فقالت إن “بليغ” كان يطلب من “أم كلثوم” تأدية أغان معينة عندما كانت تُحيي حفلاتها في الجزائر، كي تصل رسائله العاطفية إلى “وردة”. حقق المقال انتشارًا واسعًا، لأن أكثر الجمهور المتلقي لتلك القصص المسلية لا يعلم أن “أم كلثوم” لم تزر الجزائر أبدًا.

عازف عود شهير، يتحدث مرارًا عن المقرئ العبقري الشيخ “مصطفى إسماعيل”، فيؤكد أن “عبدالوهاب” استعان به في تلحين قصيدته الشهيرة “سهرت”، بعد أن توقفت قريحة موسيقار الأجيال فلم تسعفه بطريقة مرضية للعودة من مقام السيكاة البلدي إلى النهاوند. تنتشر المعلومة الخاطئة كالنار في الهشيم، ويرددها محبو “مصطفى إسماعيل”، لكن حقائق التاريخ تقرر أن “عبدالوهاب” لحن “سهرت” وأصدرها عام 1935، وأن الشيخ “مصطفى” لم يأتِ إلى القاهرة ولم يعرفه سكان العاصمة إلا عام 1945. والغالب أن استعانة “عبدالوهاب” -إن صحت- كانت بالمنشد الكبير الفذ الشيخ “علي محمود”.

ولعل الشائعة الأشهر، والأكثر استقرارًا، والأوسع انتشارًا، تلك التي تقول إن اسم “أم كلثوم” الحقيقي هو “فاطمة إبراهيم البلتاجي”، لا سيما بعد أن وقع فيها كُتّاب كبار لهم شأن وصيت، ومنهم: نجيب محفوظ، وأنيس منصور. ومع التكرار المستمر كل عام في احتفالات الإذاعة أو التليفزيون أو الصحف العربية بذكرى رحيل كوكب الشرق، صارت هذه الشائعة وكأنها يقين لا مرية فيه. لكن الحقيقة التاريخية تقطع بأن “أم كلثوم” سُميت باسمها ليلة ميلادها، ولم تُسمَّ يومًا باسم “فاطمة”، ولم يكن “أم كلثوم” اسمًا فنيًّا. لذا لا تجد هذه الشائعة مكانًا لها في أي كتابة جادة أو شبه جادة عن السيدة الكبيرة. لم تذكرها الدكتورة “نعمات أحمد فؤاد” في كتابها المرجعي “أم كلثوم.. عصر من الفن”، وهو أول كتاب يصدر عن كوكب الغناء، وطُبع في حياتها وقرأته. أما “إلياس سحاب” في موسوعته فأكد أن “أم كلثوم” هو اسمها وليس اسمًا فنيًّا. ولعل الشائعة وجدت سبيلها لكون “فاطمة” هو اسم والدة “أم كلثوم”.

وكان لموسيقار الأجيال “محمد عبدالوهاب”، نصيبه من نشر الشائعات والأغاليط، حيث يتحدث عن نفسه وعن التجديد الذي أضافه في قصيدة “الجندول”، فيرى من ضمن ملامح هذا التجديد وصل كلمات الجمل كاملة دون تقطيع.. “أين من عيني هاتيك المجالي”. هنا يأخذ المتلقي كلام موسيقار الأجيال على محمل الجد والدقة، فالرجل يتكلم عن نفسه ولحنه، لكن الحقيقة التي تثبتها التسجيلات تقول إن “عبدالوهاب” لحن البيت الشعري متصلًا دون تقطيع قبل “الجندول” بسنوات، ومن ذلك استهلاله لقصيدة “يا جارة الوادي” عام 1928، أي قبل “الجندول” بـ13 عامًا، بغض النظر عن أن تقطيع البيت أو وصل كلماته لا يَحمل بذاته أي قيمة سلبًا أو إيجابًا، لأن “عبدالوهاب” الذي يحتفي بوصل الكلمات في البيت جاء في عقد الستينيات ليقطع كلمات الشطرة الأولى من قصيدة “هذه ليلتي”، ففصل أداة الإشارة عن المشار إليه، أو المبتدأ عن خبره، فلحنها “هذه” ثم لازمة موسيقية ثم “ليلتي”. لكن الكتابات الصحفية عن “عبدالوهاب” ظلت إلى يومنا هذا تذكر أن الرجل هو أول من لحن كلمات البيت الشعري موصولة وذلك في قصيدة “الجندول”.

عبدالوهاب يتحدث عن تلحينه "الجندول" دون تقطيع كلمات البيت

الجماهير الغفيرة تحب الحكايات، تتسلى بقصص الفنانين، والموضوعات الصحفية التي تقوم على الشائعة تجد رواجًا وانتشارًا، ومادتها متوفرة على مواقع الإنترنت. لكن مع الوقت، ومع تورط الأكاديميين والمتخصصين، صار المشهد التأريخي والنقدي في مصر هزليًّا وعبثيًّا. أصبحت ذكرى الرحيل أو الميلاد للمطربين والملحنين موسمًا لنشر مزيدٍ من الشائعات الجديدة، أو ترسيخ الأكاذيب القديمة، بينما تبقى الحقائق التاريخية وكذا النقد الموضوعي ضحية للكسل والتفاهة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

هيثم أبو زيد

كاتب مصري

مشاركة

أحمد بيكا

جرافيك ورسوم

Start typing and press Enter to search