ثقافة وفن

تاريخ النوم.. من أفيون الفراعنة إلى “التعسيلة” في ميكروباصات فيصل

لو عدنا للتاريخ، إلى أول رواية شفهية وأول جملة نُقشت وحتى آخر خبر مرويّ، لنرى حضور النوم في كل هذا، سنجد حضوره في دورة تنطلق من ذاته، يبتدئ من معرفة ظاهرة قشرية، كوظيفة حياتية أساسية، موجود وبديهي دون أسباب، ومن ثمّ استحال النوم إلى نشاط فعّال في الرواية الدينية، ثم التناول الفلسفي.

يمر النوم مع الزمن، ليشارك عمالة الثورة الصناعية في السلب، يتراجع مع تزايد ساعات العمل، لكنه يعود مع أواخر القرن التاسع عشر/أوائل القرن العشرين، في حضور مخادع، من خلال الأحلام، على يد فرويد وكارل يونج، ثم يدور في دورة أخيرة خاتمة وممهدة لبدايات لا تنتهي.

أوهم النومُ العالمً حين حاول أن يتنبه لطبيعته ولنشاطه الحيوي وأبعاده الماورائية، بأنه قابل للفهم على المستوى العلمي، وقابل للتأويل على المستوى النظري، أو للتأمل كحالة جمالية، لذلك نشأت معامل أصدرت ورقات بحثية عنه، وخاض المجتمع العلمي خلال القرن العشرين جولة فعّالة في تشريح النوم، حتى انتهى النوم هنا، بإيقاعه المعاصر، مفقوداً في أغلب الوقت، ومبهماً. منذ أول إدراك الجنس البشري لوجوده ظل النوم شبحاً غير مرئي.

تاريخ ديني للنوم

النوم في العصور القديمة
النوم في العصور القديمة

بدأ النوم، كوجه مجازي آخر للموت، أو لحضوره المستدام في الحياة البشرية، مع إنسان ما قبل الحضارة. عرف الإنسان البدائي بتحديد ساعات يومية للنوم، لذلك وجد النوم في التاريخ قطعة واحدة، وبالنسبة لحيثيات النوم وأدواته، فإن الأداة الأولى لصنع الأسِرّة كانت من النباتات الطرية، والتي وجدت في كهوفٍ عدّة، مصحوبة بنقوش تعلو هذه الأسّرة، تحاول مناجاة الآخر، المترفّع عن الوجود المادي، بالنوم المريح والسعيد.

في المحطة التالية، مع تبلور حضور الألوهة في الحضارة، تجلىّ النوم كفعل كرامة وعطيّة مقدسة للبشر في الحضارة الفرعونية، لم يكن حضور النوم في مساحة القداسة عند الفراعنة حاضر بالكليّة، كانت هناك آلهة للموت وللشر وللخير، وليس هناك إله بعينه للنوم، مع ذلك لم يغيب حضور النوم ومركبّاته: الأحلام والأرق، عن النشاط الكهنوتي في المعابد.

فعلى سبيل تمجيد النوم، استخدم المصريون القدماء نبتة “الأفيون” للاسترخاء، ولتحقيق دورة نوم هادئة، وكان يتم إعطاؤه للكبار وللأطفال بنسب قليلة، وخلال هذه الفترة كان يتم تسمية الأفيون بثمرة النوم. من ناحية أخرى، ساعدت البيرة عمّال المصريين القدماء في النوم.

البحث عن حلول مُخدّرة لنشاط جماعي يبيّن الحضور المركزي للنوم وعلاقته بالراحة البدنية وكفائة العمالة واستقرار مستوى الإنتاج عند مجتمع طبقي مثل مجتمع المصريين القدماء.

تحديد المشكلة هنا يدلل على معاناتها، وإن لم يتم ذكر المعاناة، والتفكير فيها ومحاولة تقليبها على كافة وجوهها، كي تكشف عن نفسها، ومن ثمّ يتم التعاطي بأدوات فعّالة لإيجاد حلول.

الإله هيبنوس في الميثولوجيا الإغريقية
الإله هيبنوس في الميثولوجيا الإغريقية

حضور النوم أكثر مركزية في الميثولوجيا الإغريقية، حيث أصبح للنوم عائلة، كان “هيبنوس- hypnos” إله النوم، الموكّل بتدليل آلهة الأوليمب وتنويمهم، وهو أخ لإله الموت “ثاناتوس- Thanatos”، وأب لإله الأحلام “مورفيوس- Morpheus”. وقد سمّيت عقاقير المسكنّ والمنومات الحديثة “”hyponatic نسبة إلى الإلهين هيبونس ومورفيوس.

النوم، في الحضارتين الفرعونية والإغريقية، اتخذ أشكالاً لا تنتمي إلى حضوره المجرد، بل تم تقسيمه ووضعه ضمن قالب طبقي، في الأولى وجد النوم من حيث كونه نشاطاً جماعياً هاماً، يعزز من الإنتاجية، ويقوّم الكود الأخلاقي الذي يحافظ على وضع كل طبقة في إطار بعينه.

وفي الثانية ينحسر النوم في كونه حلم طويل، يتمثل في حكاية غرائبية. وُجد إله النوم لأجل راحة آلهة الأوليمب، فكان وجوده فرعاً يتم تضمينه لتحقيق سردية كاملة، تعلو عن التناول النظري أو حتى توازيه.

في الأديان الإبراهيمية، يتجلى النوم بصورة ممتدة خلال اليهودية والمسيحية والإسلام، سرديات دينية تجمع وجهي النوم في الحضارات الأولى.

في سفر التكوين 28، يحضر النوم في حالة حلم، نشاط مقدّس يحجز رخصة للقاء إلهي، للصعود إلى السماء حيث يرتقي يعقوب، وفي حلمٍ يضع له الإله مسيرة تاريخ كبير.

10 فَخَرَجَ يَعْقُوبُ مِنْ بِئْرِ سَبْعٍ وَذَهَبَ نَحْوَ حَارَانَ.

11 وَصَادَفَ مَكَانًا وَبَاتَ هُنَاكَ لأَنَّ الشَّمْسَ كَانَتْ قَدْ غَابَتْ، وَأَخَذَ مِنْ حِجَارَةِ الْمَكَانِ وَوَضَعَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ، فَاضْطَجَعَ فِي ذلِكَ الْمَكَانِ.

12 وَرَأَى حُلْمًا، وَإِذَا سُلَّمٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الأَرْضِ وَرَأْسُهَا يَمَسُّ السَّمَاءَ، وَهُوَذَا مَلاَئِكَةُ اللهِ صَاعِدَةٌ وَنَازِلَةٌ عَلَيْهَا.

13 وَهُوَذَا الرَّبُّ وَاقِفٌ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «أَنَا الرَّبُّ إِلهُ إِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ. الأَرْضُ الَّتِي أَنْتَ مُضْطَجِعٌ عَلَيْهَا أُعْطِيهَا لَكَ وَلِنَسْلِكَ.

14 وَيَكُونُ نَسْلُكَ كَتُرَابِ الأَرْضِ، وَتَمْتَدُّ غَرْبًا وَشَرْقًا وَشَمَالًا وَجَنُوبًا، وَيَتَبَارَكُ فِيكَ وَفِي نَسْلِكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ.

15 وَهَا أَنَا مَعَكَ، وَأَحْفَظُكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ، وَأَرُدُّكَ إِلَى هذِهِ الأَرْضِ، لأَنِّي لاَ أَتْرُكُكَ حَتَّى أَفْعَلَ مَا كَلَّمْتُكَ بِهِ.

 

في المسيحية، على لسان داوود المُتعب، المعرّض لضغوط مكدّسة، ولأعداء محيطة، ولخطر يهدد حياته، يلجأ إلى حلٍ كوني: ينام، مطمئناً بالصلة السماوية بينه وبين الرب، الإيمان هنا، ممتد في الإله أولاً، وفي أداته الميتافزيقية ثانياً: النوم، كميثاق أكيد، لا يدلل على تأكيده إلا الإيمان والتسليم، لأن النوم، في أي سياق تاريخي له، ظل حالة تعتمد على الشعور بالأمان والطمأنينة.

بِسَلاَمَةٍ أَضْطَجِعُ بَلْ أَيْضاً أَنَامُ لأَنَّكَ أَنْتَ يَا رَبُّ مُنْفَرِداً فِي طُمَأْنِينَةٍ تُسَكِّنُنِي. مزمور 4: 8

بدأت المسيرة المحمدية بحلمٍ سريع، حينما نزل النبي جبريل على النبي محمد أثناء تعبّده في الغار، وبدأ إنذار النبوّة بالقراءة، ربما تكون دلالة القراءة وقتها، هي قراءة حيثيات ذلك الحلم، ذلك النشاط الخارج عن سياق التتابع المنطقي للزمن.

في الحلم، خاصة في الحلم المطّعم بالرواية الدينية، يخرج الزمن عن سياقه الجماعي بين الناس، لا يسير حتى في حالة توازٍ مع السياق العام، بل يتفوق عليه في التراتبية، وهنا يحل مقام “القداسة”.

القداسة ليس فقط في إطلاق سلطة ما، لكنها وبمعنى يختبئ جانباً ويشوّش على نفسه، مثل ذاكرة الحلم المشوّشة دائماً، القداسة في كسر هيبة الزمن، وتحويله إلى مادة سائلة، يمكن الخروج عنها، ومن خلال حدث الخروج تصبح هناك إمكانية لإعادة كتابة التاريخ.

في سورة النبأ “وجعلنا نومكم سباتاً”، السبات حسب تفسير ابن عاشور، هو أقرب أحوال الفرد من الموت، الآية المذكورة آية مكيّة، نزلت خلال قبل نشوء الدولة الإسلامية، وفي مجتمع يعيش في ظروف مكانية قاسية.

النوم، ابن السهو وسيولة الأفكار، ضد الملاحظة والانتباه وتكوين الفكرة عن وعي، الوعي الجماعي الآن، يرفض النوم في ظروف جوية ذات حرارة مطبقة، ربما لأن توحّش الشمس على السائرين في الشوارع، في النهار خاصة، إصرار على حُمّية الزمن المتدفق في النهار اليقظ، في سياق العمل وقضاء المصالح والتفاعل الحيوي مع أحوال الدنيا.

من خلال نظرة تأملية شخصية للآية المذكورة، حميمية النوم ضد الظرف الزماني والمكاني في منطقة شبه الجزيرة العربية وقتها، يمكن رؤية النوم كأداة لإطلاق القدرة الإلهية، يصبح معبراً جزئياً للموت، هذه الآية تؤسس لتشكيل العلاقة ومساحة التعاطي بين الإله والبشر، بين النوم كضرورة إجبارية لاستمرار مسيرة الحياة، وبينه كضرورة أخرى، تستحيل إلى تلويح بالعقاب، يوقف الفرد على عتبة الموت، وخلال هذه المساحة الرمادية، تغيب القدرة في تشكيل المسار الذاتي.

هذه رسالة النوم في الديانة المحمدية: الذي وصل مجبراً على حافة الموت هل يضمن لنفسه أي قدرة كي يعود؟

النوم كحالة جمالية  

من فيلم sleeping beauty
من فيلم sleeping beauty

في فيلم sleeping beauty -2011″” تعيش لوسي بمقومات مادية متوسطة، لديها رفيق مدمن يعرض عليها الزواج وترفضه بسخرية، تتلقى لوسي عرضاً بالعمل أولاً كنادلة ليلية، تقدّم لرجال أعمال طلباتهم بثياب مثيرة جنسياً، بعد ذلك ترتقي إلى درجة وظيفية أعلى، تصبح مكلّفة بالنوم جوار أحدهم، أياً يكن، مع استعمال أدوية مسكنّة، بينما المرافق العجوز مسموح له بمداعبة الفتاة العارية النائمة بجواره، إلا أن إتمام أي عملية جنسية غير مسموح.

الوظيفة ساعدت لوسي في تجاوز أزماتها المادية، فاستطاعت أن توفر عقاراً مستأجراً أفضل من السابق، وأصبحت مراكز القوى بينها وبين التزاماتها الحياتية في وضع معكوس، القهر تنحى جانباً وصار بيديها قدر أكبر من السيادة على حياتها، لكن النوم، السيادة الأخرى، الأكثر كونية، والأكثر أولية في الاتصال بالوجود البشري، كان كان جانبياً أغلب الوقت، لكنه فعّال في لحظة بعينها جديرة بإعادة تشكيل حياتها الشخصية كلها.

وظيفة لوسي اسقرت على النوم الحقيقي والعميق بجوار رجل عجوز في غرفة فاخرة، تحمل كل مقومات النوم الهادئ، نوم البرجوازية السعيد، لكن إتقانها لهذه الوظيفة ذات المردود المالي الكبير، لا ينقذ حبيبها حينما اتصل بها ذات ليلة خلال تعاطيه جرعة مخدّر مكثفة، تذهب لوسي هناك وتجد حبيبها يحتضر، تخلع قميصها وتحاول أن تنقذه من خلال خبرتها الوظيفية، لكن الأمر لا ينجح، ويموت حبيبها بين يديها.

يتم استخدام النوم هنا كأداة وظيفية تضخ مالاً لمجرد تعاطي مجموعة مسكنات للنوم بجوار رجل ثري، وهو فعل يتسم بإلغاء السلطة، لوسي لا تتسيد فعل النوم بل تترك نفسها للمجهول، تخرج عن حيز المكان وتبادلية الفعل ورد الفعل من خلال الوعي والإدراك، وتخرج عن حيز الزمان كله، تصبح في مساحة موازية تنكسر فيها الحدود ما بين الماضي والحاضر، الاثنان يصبحان قطعة واحدة، يشكلان مستقبلاً قريباً غير مرئي.

النوم في عمل لوسي، تجربة أشبه برحلة أسطورية، تتطلّب شجاعة التسليم لسلطان النوم جزئياً، والأخير ليس له سلطان متحكّم، بل يستدعي قدرته من التاريخ الشخصي لصاحبه، الأحلام مثلاً لا تأتي من خارجنا، تأتي (كما يؤكد تحليل فرويد) كنتاج لرغبات مكبوتة ومتكدّسة في اللاوعي، او من خلال الوعي الجماعي الموغل في قلب المجتمعات الحديثة (طبقاً ليونج).

وبعيداً عن التناول العلمي، بحسبة بسيطة، نحن لا نحلم بأشياء لا نعرفها، الجهل في النوم جزئي، لأن المجهول لدينا هو مجهول عن الوعي الذاتي، عن القدرة على الفلترة وتكوين رد فعّل يتم تصديره لظاهر التفكير ومد الفكرة بالحياة من خلال الكلام أو الصمت.

في لحظة السيادة عند لوسي، وهي ترجو أن تنقذ حبيبها، تحقق نفس أدوات عملها، تخلع قميصها وتُنيمه في حضنها، تحاول أن تستدعي، بقدرة واعية، النوم كإنقاذ لمصيرها الشخصي، هنا تتبيّن استقلالية النوم كفعل مشترك مع الجنس البشري، من حيث كونه نشاط أكبر من اعتباره فعل يومي مطلوب لأجل البقاء، هو نشاط لديه قدرة على رد الفعل، لديه قدرة على الرفض المتمثل في الأرق، أو المتمثل في نبش اللاوعي ليصدّر كابوس ما يحيل النوم إلى لعنة تهاجم العجز الإنساني باليقظة، أو المتمثل في حالة لوسي، برفض توددها، حتى وهي خبيرة بخطوات استدعاء النوم كبطل منقذ، يرفض البطولة في حالة مصيرية، ويترك حبيبها ميّت بين يديها.

الطابع الحر للنوم، المنسلخ من حيثيات الواقع أحياناً، يذكّر بشخصية “صالح هيصة” في رواية خيري شلبي المعنونة بنفس الاسم، يعمل “صالح هيصة” صنايعي أرضية في غرزة “حكيم”، التي تستقبل خيري شلبي المستعار روائياً من ذاكرته الواقعية وأصدقائه، الفنان التشكيلي والصحافي والروائي وأصحاب الجاليري، شلّة من صفوة المثقفين الأخيار، يعمل لأجلهم “صالح هيصة” في كل ليلة. “صالح” في الرواية، شخص منزوع من كل مقومات الحياة، لا يعرف له بيت ولا عائلة، ليس لديه كتالوج التركيبات البشرية المعاصرة، هو “صالح” وخلاص.

رواية صالح هيصة
رواية صالح هيصة

قرأت “صالح هيصة” منذ أربعة سنوات، في أول ليلة مبيت في سكن الجامعة، كنت قد بدأت في استئجار غرفة في السكن متأخراً، لذلك وقع حظي في غرفة نتنة، حيطانها مشغولة برسومات قبيحة، بلاط الأرضية كان يحمل طبقات سميكة من الوسخ، لم أكن أحمل في حقيبتي سوى ملائة للسرير مع ملابسي، ولأنني لم أستطع النوم، ولم يكن معي سوى رواية صالح هيصة، بدأت في قرائتها.

في الصفحة الـ 36، أتذكرها جيداً، دفعني صاحب الهيصة إلى أول تعريفات النوم الأولية، النوم الذي يقف ضد سياق المنطق والمتطلبات المكانية، نوم منفصل، يشكل نفسه دون حيثيات محيطه، وحينما يتم، يبدأ في فرض حيثياته الخاصة ويقهر سلطة الواقع المحيط. كان نوم صالح هيصة، بالنسبة لي، أشبه بمكافئة لحياته المتعبة.

يقول الراوي عن صالح:

“إن هبطنا خلفه في المنحدر –وقليلاً ما نفعل- وجدناه قد انعطف على بقايا بيت متهدم، مجرد جدران بلا سقف منزوعة الأبواب والشبابيك لكن أرضه مع ذلك مستوية وبلاطه لا يزال ملتصقاً بها.

 يشد من عبه جريدة الجمهورية المطوية أربع طيات، يعدلها، يفك أوراقها، يفرشها على الأرض، يشد قالبين من الطوب كبيرين يضمهما يضع فوقهما ما بقي من ورق الجريدة، يتمدد على ظهره مسترخياً، واضعاً ذراعه اليمنى فوق عينيه، سرعان ما يستغرق في نوم عميق يتحول عمقه إلى مهرجان صاخب مجلجل مزلزل حيث يتصاعد من حلقه شخير كالرعد المتلاطم في ليلة عاصفة بل كدوي القنابل، من يأتي مهرولاً مفزوعاً على صوت الدوى لن يجد بيتاً انهار لتوهة ولا جاموسة تُذبح، لن يجد إلا صالح راقداً في غيبوبة تامة يقذف الأصوات من أنفه ومن حلقه ومن دبره، يصيبهم الذهول من قدرته على النوم بهذا العمق تحت دوي هذه الانفجارات.

إنما هي الرقدة لا صحو منها إلا بعد سبع ساعات كاملة “

رغم ضعف ذاكرتي، وقدرة الأحداث الماضية على الانفلات مني دون تفضيل، أتذكر جيداً، النوم الطويل يومياً في هذه الغرفة طيلة الفصل الدراسي الأول.

نوم الطبقة العاملة

عمل فني لـ "لوسيان فرويد"
عمل فني لـ “لوسيان فرويد”

قبل الثورة الصناعية الناشئة في أوروبا وقلا تحوّل عمالة الطبقات الفقيرة والمتوسطة إلى أدوات تستهلك ذاتها لأجل تطلعات الإنتاج، كان النوم يحظى بحضور مركزي ومستقل، كأن الأخير يجيد خلق علاقة حميمية مع الإيقاع الزمني المتّسم بالتدفق، الذي يستمد مساره الزمني من معطيات أولية منوطة بالطبيعة وليس بالصنعة البشرية.

النوم قبل تفحّش الرأسمالية، وإعادة تكوين العالم طبقيّا، كان يشكل إيقاع اليوم عند المجتمع البشري، في اليونان القديمة عرف النوم بتفترين طويلتين، وما بينهما من مساحة اليقظة هو مادة خام للاشتباك الموسيقي مع الزمان، وقت مخصص لممارسة الجنس أو الغناء أو تناول طعام خفيف، أو الجلوس لأجل اللاشيء.

صعود الثورة الصناعية، جاء معه صرع هائج، يطمح إلى تسليع كل مادة محيطة، الناس والمكان والوقت كسلعة شخصية. تزايد العمالة المنتجة، بالشراكة مع الميكنة، قلّص من مستوى العرض والطلب بالنسبة للعمالة اليدوية، وبالتالي أصبحت المؤسسات الخاصة، ذات البناء الهرمي طبقيّاً، تمسك من طرفها، غير قانعة بالمنتصف، وتضغط بها على احتياجات العمّال، مثلما يضغط أحدهم بعصا غليظة على جرح طري فينزّ قيح أصفر ولا يحق لصاحبه التأوه.

ولأن النوم، هو وسيلة الانقطاع عن العام، وهو ما تبقى كخصوصية متكاملة للطبقة العاملة، بدأ خطاب عدائي، مبطّن برغبة وحشية لاستلاب كل ما يعيد الطبقة العاملة إلى أنفسها. ولأن النوم مساحة مستقلة دائماً، ونشاط يومي لاستعاد الذات جزئياً، حفلت ذروة التقدّم الصناعي خلال هذه الفترة بتحقير كثرة النوم، وتمجيد قيمة العمل، واللعب والمراوغة على إمكانية تطوير البنى التحتية لمجتمعات الأرياف.

وسائل الحصول على يوم عمل أطول كثيراً خلقت طلباً ليوم أطول، مما أدى بسرعة إلى تغيير مواقفنا تجاه النوم. لم يعد يتم تقديره، فقد بدأ يُنظر إليه على أنه وقت ضائع، ولا ينغمس فيه إلا الكسلان عن عمد. كتب ديفيد راندال: “الأماكن التي تشبثت بجداول نومها التقليدية سرعان ما تم الاستهزاء بها باعتبارها مناطق منعزلة مليئة بأشخاص لا يصلحون للعالم الصناعي”.

ولكن مع إطالة يوم العمل، أصبح حتى ست ساعات من النوم بعيد المنال بالنسبة للكثيرين. في الواقع، أدى طول يوم العمل المتزايد، وكيف جاء على حساب النوم، إلى تأجيج الحركة العمالية المبكرة.

 في عام 1817 ، قام المصلح العمالي الاشتراكي روبرت أوين الويلزي بحملة ليوم عمل مدته ثماني ساعات تحت شعار “ثماني ساعات عمل، وثماني ساعات ترفيه، وثماني ساعات راحة“.. من دراسة “تاريخ مختصر للنوم

منذ ذلك الوقت، لم يتراجع تفحّش الرأسمالية خطوة واحدة، ولكن هل يعجز النوم عن تكوين رد فعل مضمر، أو الانفلات من قبضة الخصخصة والتسليع؟

وثّق القرن العشرين إيقاع متزايد لمسيرة العالم، حربين عالميتين وإبادات جماعية وانتشار فيروسات، وعلى المستوى النظري تفرع من كل علم آخر جديد، وقفزت اتجاهات معرفية على مصادرها وتجاوزتها، وبدأ العالم يجري ناحية الهاوية. يجري بإصرار بالتأكيد.

طالت هوجة التسليع النوم ومعها محاولة وضع أي مادة كأدة اقتصادية، وقولبتها في حيز إنتاج وإستهلاك يضمن التربّح، ، وبدأ التفريق بين حيثيات نوم الطبقات الاجتماعية، النصف الثاني من القرين العشرين، والذي شهد تطور فارق في المادة البحثية المتعلقة بأدوات النوم، المحيط المكاني القريب، الأسّرة التي توفر نوم أكثر راحة، درجة الإضاءة في الغرفة وكذلك طبيعة الجو.

مؤسسة starwood  العالمية للفنادق والمنتجعات، التي يتفرع منها عدة شركات للمنتجات الخشبية، لديها معمل بمساحة 11000 قدم مربّع في ولاية كونيتيكت، مخصص لاختبارات مستدامة لتوفير غرفة مثالية للنوم في الفنادق.

النوم البرجوازي نوم مليء بالإضافات، مطّعم بالفنادق والحجوزات الباهظة والترتيبات الدقيقة، لا يتماشى ذلك النوع مع ساعتين “تعسيلة” في الشارع أثناء مواصلة طويلة، ولا يستطيع أن يستجيب لسلطان النوم المجرد، الهارب من السياق العام، في أي وقت.

نوم الغنّي، يشبه طبائع طبقته، لديه شكل وإطار، ولا يمكن تبديله حتى لا يسقط من نعيم التراتبية، ويهبط إلى نوم أقل درجة في السلّم الاجتماعي.

نوم الطبقة المتوسطة هو نوم مقاومة لإيقاع الزمن، ورفض للحيثيات الثابتة في التعاطي مع الوقت. الكود الأكبر لهذه الطبقة وما يحكم حياتها بالكليّة، هو أنها مقحمة في إطار سلطوي، كل فعل لديه شكل مُسبق، وكل حركة تدخل ضمن إطار حسبة الفارق ما بين التكلفة والعائد الذي يضمن استمرارية اليوم دون أزمة.

ساعة نوم في المواصلات تكسر سياق كل هذه الحسابات، حينها تتلاشى فوارق العام والخاص، النوم أساسه الصمت، والصمت فعل خاص، شخصي، نادراً ما يتم التعامل معه من خلال المشاركة أو الغياب.

لوحة "الفنانة الأم النائمة" لـ إيغون شييل
لوحة “الفنانة الأم النائمة” لـ إيغون شييل

أسكن في منطقة المريوطية، كل يوم تقريباً أقطع شارع فيصل المكدّس بالزحام، وأحياناً يدفعني الالتزام بميعاد إلى قطع الشارع في شمس الصيف. حرارة الجو والتذمّر من الزحام، لا تصل إلى الجميع، هناك أحدهم منسلخ من المشاركة اليقظة، يبحث عن أشكال أخرى للاشتباك مع الزمن، زمن غير مرئي، يسلّمه النائم في المواصلات نفسه بنفس راضية.

لعلّ الشكل الأكثر شمولية للنوم بالنسبة للطبقة المتوسطة، هو أنه هروب من تزايد القهر وعدم القدرة على مجاراة متطلبات اليوم، في هذه الحالة يصبح النوم رفضاً جماعياً للتوزيع القاسي للقدرة البشرية، هو ليس رفضاً فقط ينتهي عند ذاته، لكن رفض وإعادة تشكيل للألم الناتج عن ذلك التوزيع.

نوم طويل أو قصير، في مركزه قطعة مغناطيس تجذب الألم الذي نهرب منه بالنوم، تجمّعه، وتعيده إلى العالم، ونصبح عند نقطة بداية الوجود الإنساني، حيث ثلاثية الأسى المستدام: العالم والإنسان وشعور يتصاعد بالألم.

إسلام العزازي

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى