ثقافة وفن

تامر محسن و”لعبة نيوتن”.. حفر عميق في “العادية”

بدون ذكر أسماء“، “تحت السيطرة“، “هذا المساء“.. بالنظر  إلى عناوين الأعمال الدرامية السابقة للمخرج تامر محسن، يتضح أنها تشير إلى مجموعة من التعابير الشائعة أو الكليشيهات المستخدمة في الحديث لوصف حالة أو حدث ما، وربما تشترك غالبية الأعمال الدرامية في استخدامها مثل تلك العناوين ذات الإيقاع المألوف سهل الانتشار، لكن ما يميز دراما تامر محسن أنها لا تسعى إلى تأكيد مألوفية التعبير، وإنما تبحث عما وراء العادي والكليشيه.. إنها حفر عميق في “العادي” واليومي.

فالدراما عند مخرج “لعبة نيوتن” لا تقوم على صراع محدد أو انتقام أو حتى على رحلة لأبطالها هدفها الوصول إلى غاية بعينها.

في “بدون ذكر أسماء” تابعنا شخصيات متنوعة بخلفيات اجتماعية متباينة في مصر الثمانينيات، ويرشدنا العنوان إلى أن محاولات إسقاط تلك الشخصيات على الواقع، أو البحث عن أشباه لها فيه، ليست ذات أهمية.. فالدراما ليست مجرد “تلسين” سياسي اجتماعي.

“تحت السيطرة” أيضا لم يكن عملا عن خطورة الإدمان رغم الطبيعة التوعوية أو التربوية للمسلسل، بقدر كونه عملا فنيا عن الماضي وإمكانية تجاوزه ومساءلة الإرادة الحرة.

مسلسل هذه المساء.. مصدر الصورة: البحث الحر على جوجل
مسلسل هذه المساء.. مصدر الصورة: البحث الحر على جوجل

أما “هذا المساء”، رائعة تامر محسن الدرامية، فيتخطى ثيمة المراقبة أو اختراق الخصوصية من أجل تقديم محاولة لفهم طبيعة الطبقات في المجتمع المصري بصورته الحالية، وتصوير تعقد الحياة المعاصرة في مدينة مثل القاهرة.

نجومية المخرج وأفق التوقعات

ثمة أعمال تدخل إلى عالمها مرتعشًا، تبدأ في مشاهدتها وتوقعاتك مرتفعة للغاية.. في حالة “لعبة نيوتن” فإن علو سقف التوقعات يُبنى على فرادة أعمال تامر محسن السابقة.

أيضا ثمة تساؤل حول احتمالية أن يكون هذا الاحتفاء الذي قوبل به المسلسل منذ الإعلان عنه وبعد بداية عرضه نتيجة أسباب خارجة عنه، منها ضعف الأعمال الدرامية وابتذالها وتكرار ثيماتها في السنوات الأخيرة، مع تواصل احتكار الإنتاج الدرامي.

يتجاوز “لعبة نيوتن” أفق التوقعات أو أفق الانتظار بتعبير “هانز ياوس“، لينتج أفقا جماليا جديدا.. فالمسلسل يعيد تكوين خبرة تلقي الدراما لدى المشاهد بعيدا عن البروباجندا والميلودراما، القوسين المحددين للدراما حاليا.. المسلسل قصته وإخراجه، والسيناريو نتاج ورشة كتابة بإشراف مها الوزير.

في حواره التليفزيوني قبل عرض مسلسل “لعبة نيوتن”، يوضح تامر محسن الأهمية القصوى للسيناريو في الدراما التليفزيونية، ويتشارك معه الأهمية عنصر “التمثيل”.

يشير “محسن” إلى التسمية القديمة الموحية “تمثيلية”، أي كيف تحكي حكاية عن طريق الممثلين.. ويقول إنه يرى السيناريو والتمثيل كأهم عنصرين، رغم كونه مخرجا.

ويُعرف عن تامر محسن طريقته المميزة التي يقدم بها السيناريو ويشرف عليه، وكذلك قدرته على إدراة الممثلين وتوظيف إمكانياتهم القصوى.. لذلك تنبع أهمية “لعبة نيوتن” لدى المهتمين والمتابعين من كونه “مسلسل تامر محسن”، رغم أننا لم نعتد نسبة العمل الدرامي إلى مخرجه، مقارنة بنجومه أو كاتبه، إلا مؤخرا، مع كلٍ من كاملة أبو ذكري وتامر محسن.

اقرأ أيضًا: مسلسل “بين السما والأرض”.. عالقون في ماضٍ لا يرحل

الحركة جوهر الإخراج

تامر محسن أثناء تصوير مسلسل بدون ذكر أسماء.. مصدر الصورة: البحث الحر على جوجل
تامر محسن أثناء تصوير مسلسل بدون ذكر أسماء.. مصدر الصورة: البحث الحر على جوجل

يتجلى خلل أساسي عند مشاهدة معظم منتجات الدراما الرمضانية هذا العام.. تعتمد غالبية الأعمال على عنصر الإخبار، أي حكي الأحداث والحديث عن الدوافع بدلًا من عرضها وتقديمها في سياق الحدث.. تزود تلك الأعمال المتلقي بالمعلومات من خلال الحكي المباشر بدلًا من استشكافها من سياق الحبكة نفسها ومن تفاصيل السيناريو، كأنها قائمة على حوار بلا سيناريو، أو بالأدق، على سيناريوهات تفتقر إلى الحركة.

الحركة جوهر الإخراج عند تامر محسن، وتُشكِّل داخل اللقطة أداته القوية للسرد، فهي تساعده على خلق نوع من التوتر والطاقة خلال الحدث، كما تسمح بالإبقاء على حجم الموضوع المراد تصويره أثناء اللقطة.. ويُولي تامر محسن عناية فائقة لحركة الممثل/ة بوصفها شكلًا أساسيًا من الحركة.

يُعيد تامر محسن تكوين الكادر مرة أخرى من خلال حركة موضوعه، أي الممثل، لذلك فإن مشاهد “لعبة نيوتن” مؤثرة بصريًا دون الحاجة إلى حركة الكاميرا نفسها بشكل مبالغ فيه. (يحتوي المقال على كشف لبعض تفاصيل المسلسل).

ففي المشاهد الداخلية، تُبنى اللقطات الحوارية تقليديًا بالقطع المونتاجي معظم الوقت.. أما في المشاهد الخارجية، فإن حركة الممثلين تخلق منظورًا متغيرًا للمكان ومساحة الفراغ، كما رأينا في حركات “حازم” (محمد ممدوح) الانفعالية على أرض المنحل بعد تورطه في جريمة قتل، أو مع حركة “هنا” (منى زكي) في فضاء غريب ومُوحش بالنسبة إليها، كما في لقطاتها على الطريق السريع الأمريكي High way.. إنها تتضاءل خوفًا لكنها تستطيع جذب عين المتفرج دومًا، مهما صغرت النسبة التي تمثلها من مساحة الكادر.

تعدد مستويات الصراع

مسلسل لعبة نيوتن.. مصدر الصورة: البحث الحر على جوجل
مسلسل لعبة نيوتن.. مصدر الصورة: البحث الحر على جوجل

منذ الحلقة الأولى، وبمشاهد بسيطة، استطعنا أن نرى ملامح مهمة من شخصية “هنا” وطبيعة علاقتها بزوجها “حازم”، مع تفهمنا للدافع الأساسي وراء رغبتها في البقاء بالولايات المتحدة الأمريكية حتى بعد انتهاء مدة المؤتمر المزمع مشاركتها فيه.

تبدو القصة بسيطة وعادية.. زوجان من الطبقة الوسطى تربطهما علاقة حب.. واستغلالًا لفرصة سفر الزوجة إلى مؤتمر في أمريكا، يخططان لبقائها هناك حتى ولادة طفلهما على أراضي الولايات المتحدة، وحصوله على الجنسية الأمريكية.

تسعى “هنا” إلى إثبات قدرتها على تدبر أمورها وأنها من “الستات الناصحة” ولا تغرق في “شبر مية” كما يتنمر عليها زوجها. وفي المقابل، لا يمكن حصر شخصية الزوج “حازم” في مجرد التسلط الذكوري.. وهذا الملمح تحديدًا تعودناه في دراما تامر محسن، فشخصياته ليست أحادية البُعد، وإنما تحمل العديد من التناقضات وتحركها دوافع إنسانية شديدة التعقيد.

فمن زاوية، تبدو وصاية الزوج نوعًا من العناية والخوف، ومن زاوية أخرى فإنه نتاج منظومة من الأفكار المتوارثة والبنى الاجتماعية الراسخة، وكذلك شخصية “هنا”، والتي رغم بساطتها ووضوح دافعها فإنها تشهد العديد من التغيرات والصعاب.

ورغم بُعد “لعبة نيوتن” عن الثنائيات المبسطة: الخير والشر، الظالم والمظلوم، وغيرها، فإنه لا يفتقر إلى الصراع، بل ربما يكون المسلسل أكثر أعمال المخرج تعددًا في مستويات الصراع وأطرافه.. بداية هناك الصراع الذي نشأ بين الزوجين عقب رفض “هنا” الامتثال إلى طلب زوجها بالرجوع إلى مصر، بعدما فشل في الحصول على تأشيرة.. وهناك صراع “هنا” في بيئتها الجديدة، صراعها مع ذاتها وإرثها من المخاوف، ومع الظروف المادية الصعبة ومحاولات تكيفها.

كذلك نشاهد تعرّض “حازم” إلى تهديدات “شاهين”، ربيب “بدر” المالك الجديد للأرض التي يؤجر “حازم” منْحله عليها.

الجانب الأكثر توترًا وإثارة يتمثل في العلاقة الناشئة في أمريكا بين “هنا” و”مؤنس” (محمد فراج) من جهة، وبين “حازم” و”بدر بيه” (سيد رجب) من جهة أخرى.. “مؤنس” و”بدر” كلاهما أصحاب ثروة ونفوذ، والأهم، قدرات راسبوتينية على الإقناع والاحتواء والتحكم.. وتحيطهما هالة من الغموض.

الجميل أن السرد قدمهما ببراعة دون أن يفرض أي شعور قسري على المُشاهدين، ففي الظهور الأول لـ”مؤنس” يتضافر البصري مع السمعي من أجل خلق جو مشؤوم أو منذر بسوء ominous.

ينزل “مؤنس” من سيارة فخمة، ويسير في ممر طويل معتم لأحد السجون الأمريكية.. تصوره الكاميرا في حركة متابِعة أمامية وخلفية، مع إضاءة مميزة تخلق ظلالًا تحيط بهيئته.. كأنه “مبعوث الظلام”.. وتعمل موسيقى تامر كروان في هذا المشهد على توظيف طنين “السنث”، أو الأزيز drone.. كأن الثيمة الموسيقية تخلق صوت التهديد.

أما شخصية “بدر”، فيقدمها المخرج بأسلوب فوق واقعي، على طريقة تذكرنا بالمخرج الأمريكي ديفيد لينش حين يُقدم شخصياته الغامضة ذات النفوذ، كما يتجلى في مشهد العزاء العبثي.. أقام “بدر” عزاءً لـ”شاهين” بعد دفنه، والسرادق عبارة عن كرسيين وراءهما قطعة من قماش الشادر، أشبه بالخلفيات التي تضعها استوديوهات التصوير الفوتوغرافي.

تدفع الحكاية “هنا” و”حازم” داخل مجال “مؤنس” و”بدر”، وهما قوتان تفوقانهما قدرة.. هنا يجعلنا عنوان المسلسل نتساءل: هل يمكن لرد الفعل أن يتساوى في المقدار مع فعل يفوقه بكثير؟ وهل تنطبق قوانين نيوتن مجازًا على الأفراد رغم تفاوت القوى الاجتماعية كما تنطبق على فيزياء الطبيعة؟

دراما إنسانية

تامر محسن أثناء تصوير مسلسل لعبة نيوتن.. مصدر الصورة: البحث الحر على جوجل
تامر محسن أثناء تصوير مسلسل لعبة نيوتن.. مصدر الصورة: البحث الحر على جوجل

تسمح التنقلات الزمنية في حكاية “لعبة نيوتن” بالربط بين أحداث منفصلة متباعدة عن طريق السببية.. يتجنب السرد تصوير الحياة كمجرد حدث يقع يتبعه آخر.. النقلات الزمنية إلى الوراء أو لقطات الـ”فلاش باك” تقوم على منطق التداعي، بمعنى تقديمها بوصفها استدعاءً من عمل الذاكرة، أما لقطات الـ”فلاش فوروارد”، التي عادة ما تُفتتح بها الحلقات قبل تتر البداية، فإنها حيلة بارعة من المونتاج.. النقلات الزمنية إلى الأمام والوراء يمكنها أن تغير فهمنا للأحداث التي ستقع بعد ذلك، كما تفاجئنا بالتطورات الدرامية.

يحرص السرد على مزج أطياف متعددة من المشاعر الإنسانية، فيمكن أن يجمع المشهد الواحد بين الحب والخوف والحزن والسعادة، أو بين التوتر والشك والفكاهة.

وفي الوقت نفسه، يسعى السرد إلى تفكيك تصورات وأنساق ومفاهيم مستقرة، أو فك الارتباطات الشرطية في علاقة بعض المفاهيم ببعضها، مثل ارتباط الذكورة بالقوة والقدرة على مواجهة الصعاب، وارتباط الأنوثة بالعجز وقلة الحيلة، أو اقتران الرغبة في التحكم بالقسوة، والتزمت الديني بالفظاظة والغلظة. فمن المحتمل أن تكون المشكلات أو العيوب النفسية بلا دلائل واضحة تشير إليها.

يعتني السرد كذلك بالآثار النفسية المترتبة على أفعال الشخصيات، كما يظهر في أزمة الضمير لدى “حازم” بعدما تورط في مقتل “شاهين”.. يرتفع طنين النحل في أذنيه كعرض نفسي، ويظل الصوت يُدوي قادمًا من داخل ذهنه. تتعمق تلك التفصيلة في إظهار السطوة النفسية لفعل القتل.

“تختبر” الكاميرا الممثل تمامًا كما “تخترق” الواقع، وإذا كانت الكاميرا تفعل ذلك، فإن المتفرج يصبح إذًا فاحصًا للأداء عبر مراقبة الأفعال والأحداث، وهذا ما يسمح للجمهور أن يشغل موقع الناقد، كما يوضح فالتر بنيامين.

يدرك تامر محسن قوة الحكاية الدرامية المقدمة بواسطة الكاميرا، لذلك فهي تتوفر على المتعة لكنها لا تقتصر على مجرد الإلهاء، وإنما تنطوي على نقد الواقع، بجعله ينحل إلى مجموعة من القصص التي ستبقى في ذاكرة المُشاهد طويلًا.

محمد عمر جنادي

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى