تجديد الفكر الديني

د. حسن حنفي

مفكر وأكاديمي مصري

 

منذ أن طُرح تجديد الفكر الديني رسميًّا، عُقدت المؤتمرات المتخصصة أو الثقافية أو الإعلامية، مع عقد حوارات بين المثقفين وعلماء الأزهر لمعرفة خلاصة الموضوع، والانتقال من المقالات والبحوث النظرية إلى التنفيذ الفعليّ لما يتم الاتفاق عليه حتى لا يطول البحث، وينتظر الناس التحقيق.

والأمر سهل وبسيط، بعيدًا عن شهرة العلماء، وإثارة الصحفيين، ودهشة الجماهير، والتصفيق للغالب دون المغلوب. يحتاج إلى تفكير عميق، وتطبيق في حياة الناس اليومية، خاصة الخطباء والوعاظ، وكل من يتعامل مع الفكر الديني. ليس الأمر شطارة تستدعي التصفيق، ولكنه علم يحتاج إلى تذكير، وقدرة على استبدال المواقف واللغة القديمة، وتبني اللغات والفكر الجديد.

وطبقًا لفلسفة اللغة، كل لفظ له ثلاثة أبعاد:

الأول: الكلمة الصوتية مثل “تجديد”، خاصة وأن هذا اللفظ قد استُعمل كثيرًا في حركات الإصلاح الديني، مثل “تجديد التفكير الديني في الإسلام” لمحمد إقبال، و”التراث والتجديد” لي. قد يقبلها الناس بسهولة، أو يحبها الأطفال مثل “شيطان” و”عفريت”، أو تثير الرعب مثل “نار” أو الرغبة مثل “جنة”.

ويكثر الفكر الديني القديم الذي في حاجة إلى تجديد من هذه الكلمات التي تحتاج إلى تغيير وفهم، وليس إلى إثارة الخيال. وهذا هو الفرق بين الدين الذي يُكثر من استعمال هذه الكلمات وفلسفة الدين التي تُقلل منها. بل إن لفظ “الله” ذاته يُستعمل أحيانًا في غير موضعه، مثل قول “ما شاء الله” عندما يريد الإنسان التعبير عن الاستعجاب لفعل أو واقعة إنسانية. كما يكثر من استعمال صفات الله مثل “المنتقم” “المتجبر” أو “الجبار”. ونحن نعاني في حياتنا اليومية من الانتقام والجبروت كما هو واضح في بعض عناوين الأفلام المصرية، مثل: “أمير الانتقام”، “المنتقم”، “الجبار”، “الوحش”، والتي تبعث على الخوف والرعب عند سماعها، عكس ما يحدث عند سماع كلمات مثل: “رحيم”، “عفو”، “غفور”، والتي تبعث النفس على التسامح، والراحة النفسية، والمحبة بين الناس.

الثاني: معنى اللفظ. وميزة اللغة العربية -كما شرحها الأصوليون- أن بها حقيقة ومجازًا، ظاهرًا ومؤولًا، محكمًا ومتشابهًا، مبينًا ومجملًا، عامًّا وخاصًّا. فمعنى اللفظ قد يكون مجازًا لا حقيقة. فنعيم القبر وعذابه مجازان للسعادة والشقاء. والصراط والميزان صورتان للعدل. والجنة والنار مجازان للثواب والعقاب بناءً على حُسن الأفعال وقبحها. ولم لا يكون العذاب من العذوبة كما يقول الصوفية؟

التشهد نفسه “لا إله إلا الله” ليس مجرد تلفظ باللسان، ونطق بالفم، بل هو تحرير للوجدان الإنساني من كافة أنواع الشرك والولاء المزدوج. ولغويًّا، إذا أزلنا النفي “لا” والاستثناء “إلا” يبقى “إله .. الله”، وهو تحصيل حاصل كمن يقول “الله .. الله” أو “إله .. إله”. والتوحيد ليس معناه مجرد إقرار بأن الله واحد، بل توحيد الوعي العربي بين القول والعمل والفكر والوجدان. وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفۡعَلُونَ.. كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ)، كما يدين القرآن عدم الشعور بالحقائق مثل (وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ). كما يدين عدم التفكير (أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ)، (أَفَلَا تَعۡقِلُونَ).

والبعث ليس فقط هو بعث الأجساد، ورد الحياة إليها بعد الموت؛ بل أيضًا بعث الأمم، وبعث الحضارات. فالبعث هو النهضة. والخَلْقُ ليس فقط هو خلق الله العالم من لا شيء بل هو أيضًا الإبداع الإنساني. وكبش إبراهيم ليس المقصود منه ذبح شاة وتوزيع لحمها على الفقراء، بل إن الإنسان قيمة مطلقة لا تذبح. وماء زمزم ليس المقصود منه الشرب في وقت حار، بل دلالة ذلك على قدرة الإنسان على تفجير الماء من الصخر، وهذا سائل وذلك جماد. وليس المقصود من رمي الجمرات قذف الشيطان بالحجارة، فلا شيطان هناك، وإن وجد فإنه لا يموت بحصاة!.

وليس المقصود من الصلاة إقامة الشعائر، بل المحافظة على الوقت والنظام. وليس المقصود من الصيام مجرد شعيرة الجوع، بل الإحساس بجوع الآخرين، ومشاركتهم له في الطعام، وليس الشهرة كما يحدث حاليًّا في نصب موائد الرحمن. والزكاة ليس المقصود منها إخراج نسبة من المدخرات، بل مشاركة الفقراء في أموال الأغنياء. وليس المقصود من الحج الشهرة، وأخذ لقب “حاج”، وإقامة الأفراح بعد عودة الحاج؛ بل هو اجتماع سنوي للمسلمين في وقت واحد وفي مكان واحد لدراسة أحوالهم، وإصلاح معاشهم. وقد يكون من الأنفع التوجه إلى جبل المكبر في القدس بدلًا من عرفات بالملايين للمطالبة بالمدينة المقدسة عند المسلمين وموطن الإسراء والمعراج.

الثالث: بعد اللفظ والمعنى هو الشيء نفسه الذي تُشير إليه اللغة وتطويره طبقًا لتغير الزمن. فلا يوجد اليوم رق أو سبايا، وكان آخرهم بعد حرب تحرير العبيد بين الشمال والجنوب في الولايات المتحدة الأمريكية. ولا توجد سبايا تؤخذ في الحرب بل أسيرات يخضعن لمعاهدة جنيف في حقوق الأسرى. ولا يوجد محيض يُسأل عنه النساء، فقد ضبط الطب زمانه. ولا توجد أنفال يُسأل عنها وتوزع الأسلاب منها، فإذا انتصرنا على إسرائيل فلا توزع على الجنود الأسلاب، لكل جندي عدد من المصفحات والدبابات والطائرات والمدافع والصواريخ والنساء المحاربات. وليس المقصود من الحدود والعقاب الجسدي قطع اليد والرجم والجلد، فذلك ما يعارض حقوق الإنسان الآن. فالإنسان يملك جسده، ولا يستطيع أحد أن يقطع منه جزءًا أو يعدمه لسرقة أو زنا أو قتل. فالمبتورة يده يصبح عاطلًا لا يستطيع العمل بعد ذلك. والجلد إهانة كبرى لكرامة الإنسان على الملأ. والرجم إعدام بإعدام. وبدل أن يصبح المقتول واحدًا يصبح اثنين. وقطع الرأس والشنق لا وجود لهما في كتب الفقه القديم. وقد منعت عديد من الدول مثل سويسرا عقوبة الإعدام كلية بأي شكل كانت.

وإحالة اللفظ والمعنى إلى الشيء يتطلب الانتقال من اللغة إلى الواقع، وتوسيع المفهوم طبقًا للبيئة والعصر. فالتوحيد الذي يوحد بين القول والعمل والفكر والوجدان يمنع النفاق والجبن والخوف. والصلاة كل أنواع العمل الجماعي المنظم كما هو الحال في تنظيم الجنود في الحروب. والزكاة إشارة إلى مشاركة الفقراء في أموال الأغنياء (وَٱلَّذِينَ فِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ مَّعۡلُومٞ.. لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ). “قلنا يا رسول الله: أفي المال حق غير الزكاة؟ قال: نعم، في المال حق غير الزكاة”. والصيام ليس ملء المائدة ساعة الإفطار أو السحور بما لذ وطاب، بل النظر في طعام المسكين واليتيم والأسير (وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا). وهل يجوز أن يُعرَف المسلمون بأنهم لا يحافظون على أوقاتهم في حين أن الألمان يحافظون على مواعيدهم بالدقيقة والثانية؟! وهل عرفات تجمهر فوق جبل معين للفخر بالملايين المكبرين؟! بل إنه تحرير للأرض المحتلة في القدس التي كانت القبلة في الصلاة قبل أن تتحول إلى مكة. ولماذا تقبيل الحجر الأسود الذي قال فيه عمر: “والله لولا أني رأيت رسول الله يقبله ما قبلته”؟. إن الإسلام هو “حلف الفضول” الذي قال فيه الرسول: “والله لو كنت حاضرًا لوقّعته” أي نصرة المظلوم على الظالم.

تجديد الفكر الديني يبدأ باللغة، أي بالخطاب والألفاظ، ثم بالمعاني ثم بالأشياء التي تحيل إليها الألفاظ والمعاني. أما إبقاء الألفاظ القديمة في تجديد الخطاب الديني، أو الإبقاء على المعاني المعجمية عند المفسرين القدماء، أو الإشارة إلى ما لا يُرى ولا يسمع بل يُفترض افتراضًا مثل الغيبيات؛ فإنه لا فائدة منه. وما الفائدة في معرفة الغيبيات والجهل بالمحسوسات مثل الأرض المحتلة في فلسطين والجولان؟ وما وجه النفع في التجديد اللغوي إذا كان الواقع المعاش كله مناهضًا للتجديد مثل الحروب الأهلية بين المسلمين في سوريا والعراق واليمن وليبيا بين موحدين بالله ومسلمين له؟ هل التجديد كلام في كلام أم إشارة إلى واقع المسلمين بين الاستبداد والفساد، والسجون والمعتقلات، والأغنياء والفقراء، والحكام والمحكومين؟

لماذا لا يصبح الفكر الديني مثل الأيديولوجيات السياسية التي يعشقها الشباب؟ لماذا لا يبدأ تجديد الفكر الديني بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو (وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ) و(وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡر)؟ هل تجديد الفكر الديني تملق للسلطة تفرح به، وتبين للناس أن لها السبق في أخذ المبادرات، وأن العلماء لهم السبق في الاستجابة والشرح؟ أم أن تجديد الفكر الديني يأخذ على عاتقه تحمل عبء المصالح العامة فيشعر الناس أنه ذو نفع على الناس؟

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram