زوايامختارات

تحالفات صغيرة أقل صخبًا.. دروس اليونان في شرق المتوسط

 

يُعرف عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه يقامر عندما يقع في مأزق سياسي. ونظرًا إلى أن جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19) تضغط على اقتصاد ومجتمع تركيا، فإن نشر تركيا للسفن البحرية والبحثية هذا الصيف للتنافس في المناطق الاقتصادية الحصرية التي تطالب بها اليونان وقبرص بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (التي لم توقعها تركيا قط) تتناسب تمامًا مع هذا النمط من المقامرة.

وبينما كان في الأسابيع الأخيرة أمل أن يسلك أردوغان السلوك الدبلوماسي، أعلنت تركيا في 12 أكتوبر/تشرين الأول الحالي أنها ستعيد نشر سفينة الأبحاث Oruc Reis في المياه المتنازع عليها.

لقد تعلمت أثينا في الأشهر القليلة الماضية بعض الدروس الهامة حول الطريقة التي تُلعب بها الجغرافيا السياسية في عام 2020؛ كما أن من الأفضل للبلدان الأخرى -ولا سيما تلك الواقعة على خطوط الصدع السياسية الخاصة بها- أن تستجيب لهذه الدروس أيضًا.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

الدرس الأول: الجغرافيا السياسية محلية بنحو متزايد

المواجهة في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​ استحوذت هذا الصيف على انتباه سكان البلدان المعنية مباشرة، إلا أننا لا يمكن أن نقول إنها استحوذت على اهتمام العالم الأوسع. ومن السهل معرفة السبب، فالوباء العالمي قد وفّر الغطاء المثالي لدولة ما لاتخاذ إجراءات جريئة بشأن قضية يعتقد أنها تهمها أكثر من المجتمع الدولي (انظر تمرير الصين لقانون الأمن في هونج كونج، وقد تلاشى ذكر هذا القانون في الأخبار بعد أيام قليلة من تمريره). في هذا الصدد، حددت أنقرة توقيت جولتها الأخيرة من أنشطة شرق المتوسط على نحو مثالي، وراهنت على أن الاستجابة العالمية ستكون في حدها الأدنى. وقد كان الأمر كذلك إلى حد كبير.

بالنسبة إلى جميع محاولات أثينا جذب الولايات المتحدة مباشرة إلى المعركة، بما في ذلك زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إلى المنطقة في أواخر سبتمبر/أيلول الماضي، فقد حققت نجاحًا محدودًا حتى الآن. فوفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، قال بومبيو إن “السفينة التي نشرتها البحرية الأمريكية مؤخرًا في قاعدة عسكرية أمريكية يونانية مشتركة قبالة جزيرة كريت، ليست من السفن التي قد تتدخل في نزاع شديد الكثافة”.

هذا تصريح منطقي، فحتى لو لم تكن الولايات المتحدة على بُعد شهر واحد من الانتخابات، وحتى لو لم يكن مقعد المحكمة العليا شاغرًا فجأة، فإن شريحة كبيرة من الناخبين الأمريكيين تريد من الولايات المتحدة أن تعمل بطريقة أقل عسكريةً على المسرح العالمي لبعض الوقت. فالحروب الفاشلة والأبدية في أفغانستان والعراق جعلت الأمريكيين متشككين في المغامرة العسكرية، خاصة عندما لا تكون في هذه الحروب مصالح أمريكية مباشرة.

قاعدة عسكرية أمريكية يونانية مشتركة

على الرغم من خطاب “أمريكا أولاً” والسياسة الخارجية للولايات المتحدة التي كانت تهتم بالتعاملات التجارية على نحو صارخ في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن هذا الانسحاب الأمريكي من المسرح العالمي بدأ بالفعل في عهد سلفه باراك أوباما. هذا مفيد. فبالنسبة إلى جميع من يتوقعون -أو حتى يأملون فقط- اتجاهًا جديدًا للسياسة الخارجية، إذا انتصر نائب الرئيس السابق جو بايدن على ترامب في 3 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، سيكون المرجح أن تستمر الولايات المتحدة في تجنب المعارك عندما لا تكون لها مصالح مباشرة. قد يكون الخطاب أكثر دبلوماسية، لكن الاتجاه -القيام بالقليل وليس الكثير- سيكون هو نفسه إلى حد كبير.

حتى لو كانت الولايات المتحدة أكثر ميلاً للتدخل في المعارك الجيوسياسية خارج نطاق حدودها، فإن واشنطن لديها حافز أقل للانحياز إلى أي من الجانبين في هذا الصراع بالذات، لأن كلا من اليونان وتركيا عضو في الناتو، وهو أمر مثير للسخرية كما يُظهر الدرس الثاني.

الدرس الثاني: مشكلات لا يستطيع الناتو حلها

يظل حلف الناتو أقوى تحالف أمني في العالم، على الورق على الأقل. لكن مع انهيار الاتحاد السوفيتي، وجد الحلف نفسه فجأة بلا مهمة واضحة، وبعد ما يقرب من 30 عامًا لم يبد أنه قد استقر على أي مهمة له. إن فشل الناتو في إطفاء فتيل التوترات بين اليونان وتركيا يُبرز فقط كيف أن الحلف لا يزال غير قادر على الاستجابة للعديد من التحديات الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. والأسوأ من ذلك لم يأتِ بعد، ففي عام 2020، تعد الصين هي التحدي الأكبر الذي يواجه الغرب، لكن يبدو أن كل الدول الأعضاء في حلف الناتوا ليست على وفاق عندما يتعلق الأمر بما إذا كان ينبغي عليها التعامل مع بكين كتهديد وجودي أم فرصة اقتصادية. هذه فجوة ستزداد وضوحًا مع تسارع عدم المساواة الاقتصادية العالمية خلال الوباء الحالي، وستبحث البلدان عن الفرص الاقتصادية أينما كانت متاحة. يُحسب لحلف الناتو أنه حاول لعب دور وسيط بين اليونان وتركيا، ولكن بنجاح محدود حتى الآن. إن الفشل في المساهمة بنحو هادف في التوصل إلى حل سلمي لهذا الصدام الصغير نسبيًّا في شرق المتوسط ​​بين أعضائه، سيكون فرصة ضائعة لحلف الناتو لتطوير نفسه إلى مؤسسة أكثر فائدة لمواجهة التحديات الجيوسياسية الأكبر التي تنتظرنا.

إذًا، إن لم يستطع الناتو التصرف في هذه المواقف، فما الذي سيحل محله؟ تحالفات أصغر وأكثر استهدافًا مع أهداف سياسية أكثر تواضعًا وتحديدًا؛ وذات نزعة انفرادية مقارنة بالتعددية التي حددت القرن العشرين إلى حد كبير. تجمعات مثل منتدى غاز شرق المتوسط ​​الذي تأسس مؤخرًا بين اليونان ومصر وإسرائيل وقبرص وإيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية، ما يؤدي إلى ما يُبينه الدرس الثالث.

صورة لمقر الناتو


الدرس الثالث: تبني حقائق جيوسياسية متغيرة وتطبيقها

من أهم التطورات الجيوسياسية لعام 2020 في خضم الفوضى المتبقية هذا العام تطبيع العلاقات بين إسرائيل والبحرين والإمارات العربية المتحدة، وهو اعتراف دبلوماسي بالحقائق السياسية القائمة منذ فترة طويلة على الأرض. وفي حين أن الكأس المقدسة للتطبيع بين إسرائيل والسعودية لا تزال بعيدة المنال، إلا أنها تؤكد أمرين حاسمين، الأول أن تركيا (التي انتقدت الإعلان بشدة) تتعارض بنحو متزايد مع القوى العربية الكبرى، وتتنافس على قضايا في قطر وسوريا وليبيا وغيرها. والثاني هو أن الأيديولوجيا والصلات التاريخية لا تهم كثيرًا في عالم اليوم، عندما توجد فوائد اقتصادية فورية محققة. هذا درس أخذته اليونان على محمل الجد كما يتضح من علاقاتها الأخيرة في مجال الطاقة مع إسرائيل، وهي دولة لم تكن قد اعترفت بها اليونان رسميًّا أو بدأت علاقات دبلوماسية كاملة معها حتى عام 1990، وكذلك مع مصر مؤخرًا، وهي خطوة أثارت غضب أنقرة منذ تقويض مطالبها في شرق البحر المتوسط.

انجرفت اليونان إلى هذا الواقع، كما يتضح من انضمامها إلى منتدى غاز شرق المتوسط ​​إلى جانب البلدان المذكورة. هل سيكون هذا تحالفًا متماسكًا في كل الأوضاع؟ بالطبع لا. لكنه سيكون تحالفًا متفقًا على القضايا المتعلقة بالطاقة في شرق البحر المتوسط، ​​ويقف أمام تحركات تركيا في هذا المجال. في عالم يزداد تعقيدًا وفوضى كما هي الحال الآن، قد تكون هذه التحالفات “الصغيرة” أفضل ما يمكن أن نأمله. هذا صحيح خصوصًا عند مشاهدة الخلل المستمر على مستوى الاتحاد الأوروبي في كيفية الرد على تركيا. الأمر الذي يقودنا إلى درسنا التالي والأخير.

الدرس الرابع: ليس أمام الاتحاد الأوروبي كثير من الحلول

يبدو أننا نقول إن أوروبا تواجه معضلة وجودية كل بضع سنوات. أزمة منطقة اليورو. أزمة اللاجئين. خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. جائحة فيروس كورونا. في كل منعطف، وجد الاتحاد الأوروبي طريقة للتدخل والحفاظ على الاتحاد السياسي سليمًا. لكن هذا لا يعني أنه لا يمكن أن يقع ضحية المزيد من الجروح. وأزمة شرق المتوسط على وشك أن تسبب له هذا الجرح العميق.

لقد دفعت اليونان أكثر من معظم دول الاتحاد عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على عضويتها في اليورو، حيث تقلص اقتصادها وانقلب مجتمعها بسبب عقد من سياسات التقشف. اليونان لم تتحمل تلك المشقة لأنها تحب بيروقراطية بروكسل، أو لأن خفض الميزانيات أمر ممتع. لقد تحملت ذلك لأن أثينا رجحت أن العضوية في الاتحاد الأوروبي تستحق التكاليف، رغم أنها كانت تكاليف ضخمة. ولعبت علاقتها مع تركيا دورًا بارزًا في تلك الحسابات، لأن أثينا تعتمد على عضويتها في الاتحاد الأوروبي لحشد أوروبا إلى جانبها.

أو هكذا اعتقدت. لقد تساءل الكثير من اليونانيين في الأشهر القليلة السابقة عما إذا كانت عضوية الاتحاد الأوروبي تستحق كل هذا العناء. وذلك بسبب الصمت العسكري من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والتباطؤ في فرض عقوبات على تركيا. لكن الاتحاد الأوروبي وجد الحل مع الحكومة اليونانية الحالية. فرئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس واحد من المؤمنين الحقيقيين بالاتحاد الأوروبي، وهو ملتزم بعشق أوروبا. وهذا يعطي أوروبا -وألمانيا على وجه الخصوص- بعض الحرية في محاولتها تهدئة الوضع في شرق البحر المتوسط.

رئيس الوزراء اليوناني

تعرف حكومة ميركل، أفضل من الجميع، الأضرار السياسية التي يمكن أن يتسبب فيها تدفق اللاجئين على السياسات المحلية وداخل أوروبا. فحاليًّا يجري إيواء ما يقرب من 4 ملايين لاجئ سوري في تركيا، وهذه ليست عصا بسيطة يمكن أن تلوح بها أنقرة. علاوة على ذلك، تعد تركيا شريكًا تجاريًّا رئيسًا للاتحاد الأوروبي (خامس أكبر شركاء الاتحاد في الواقع، فهي مسؤولة عن عشرات المليارات في تجارة السلع والخدمات)، ما يعقّد القدرة على اتخاذ موقف قوي ضد أنقرة.

تدرك أثينا جيدًا هذه الحقائق السياسية. لكنهم يدركون أيضًا أن لديهم سكانًا يونانيين محليين يشككون صراحة في جدوى عضوية الاتحاد الأوروبي إذا لم تقفز بروكسل لمساعدة البلاد عندما يُعتدى على الحدود الإقليمية للاتحاد. ليس سرًّا أن أوروبا تعاني منذ فترة طويلة من أزمة هوية. لكن أن تتخلى دولة ما عن الاتحاد الأوروبي بحثًا عن مستقبل أفضل لنفسها (مثل المملكة المتحدة) هذا أمر، وشعور بلد ما أن الاتحاد الأوروبي قد تخلى عنه في وقت الحاجة هو أمر آخر. ومجرد وجود رئيس وزراء مؤيد بقوة للاتحاد الأوروبي في منصبه اليوم لا يضمن أن يكون الأمر كذلك دائمًا.

يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى السير بحذر. كما يجب أن يبدأ في تحديد أولويات ما يعنيه أن تكون جزءًا من الاتحاد الأوروبي في عام 2020. هل هو مجتمع اقتصادي أولاً وقبل كل شيء؟ تحالف أمني؟ كيان دبلوماسي؟ أي من هذه الهويات لها الأسبقية حين تسوء الأمور؟

لسنوات، حاول الاتحاد الأوروبي أن يكون كل شيء لجميع الدول الأعضاء، لكن أداءه كان مخيبًا للآمال طوال الوقت. في حين أنه من السهل على بروكسل الاعتقاد بأن شرق المتوسط هي مجرد أزمة أخرى، لأن احتياجات الأوروبيين تفوق احتياجات القلة اليونانية، إلا أن اليونانيين ليست لديهم ذكريات قصيرة عندما يتعلق الأمر بالإجراءات التركية. كما أن المشككين في الاتحاد الأوروبي ليست لديهم ذكريات جيدة بشأن الاتحاد الأوروبي، سواء في اليونان وفي أي مكان آخر في أوروبا، وهم يبحثون باستمرار عن المزيد من الأدلة على أن فوائد عضوية الاتحاد الأوروبي لا ترقى إلى مستوى التكاليف المستمرة.

لقد تعلمت اليونان الكثير عن الطريقة التي يسير بها العالم في الأشهر القليلة الماضية. والآن، نحن على وشك اكتشاف ما تعلمته بروكسل أيضًا.

 

 

المصدر
Atlantic Council

أحمد ليثي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى