سياسةمختارات

تحت الحصار.. التصفية ثمن دفاع اليسار الفرنسي عن المسلمين

 

“لو كان لي أن أستعيد صرخة الجمهوريين الإسبان، لقلت بأن المناخ السياسي الخانق الذي يسود اليوم، يدفعني إلى التفكير في الأيام التي سبقت الحرب العالمية الثانية”.. يكتب دومينيك فيدال، المؤرخ والكاتب الصحفي اليساري الفرنسي، في وصف ما يقع الآن ببلاده من صعود خطاب العداء والعداء المضاد بين اليمين واليمين الإسلامي العالمي.

الصحفي الفرنسي دومينيك فيدال

واستنجادُنا بدومينيك فيدال كشهادة في هذا الصدد، وتصديقنا بتشبيهه الوضع الحالي بذاك الذي سبقَ صعود النازية، دون إشارة إلى مبالغة مفترض حضورها لو كان غيره المتحدث، يدعمُه كون كاتبنا أقرب جنيالوجيًا من مأساة ثلاثينات القرن الماضي، وسليلُ أسرة فقدت عدد من أفرادها ونجا القسمُ الآخرُ، بما فيهم والدُه، من مراكز اعتقال هتلر.  فيما هو يحذّرُ من أن “نفس القوى التي عملت على هذا الانتصار النازي هناك، وتلك التي انصاعت إلى التعاون معه هنا (في فرنسا)، هم من يصرخون الآن مجددًا [شاهرين] كراهيتهم، في ظرفية يسودها استقطاب قومي مقلق”.

ماكرون يعرض استراتيجيته لمواجهة الإسلام السياسي

الكراهية تسير في اتجاهين

كراهية  موضوعها مسلمو فرنسا، فاعلوها ليسوا، كما يغلب الظن، مقتصرين على الجناح المتطرف من اليمين الفرنسي، مع كونه “حيوان يتغذى على الجيف، هو هذا اليمين المتطرف الذي سارع في الإجهاز على جثّة المدرّس القتيل داعيًا إلى التصفية المعاكسة”، على حدّ وصف فيدال.

بل وبعدَ تتابع الأحداث: خطاب ماكرون حول “الانعزالية”، أسبوعين من ذلك، جريمة إرهابية شنعاء راح ضحيتها أستاذ التاريخ صامويل باتي، وعودة جدل الرسوم “المسيئة للرسول” (ص) مع إمعان رئيس الدولة الفرنسية في عرضها على العموم.

أحدث كلّ هذا استقطابًا خطيرًا داخلَ الحقل السياسي الفرنسي، ووسّع دائرة ردود الفعل المعممة للعنصرية تلك لتضم إلى جانب اليمين المتطرف كلّا من اليمين الجمهوري التقليدي، بما فيهم الأغلبية الحكومية ووزرائها، وجناحًا من اليسار المعتدل.

وكما هو الأمر مع النازية، التي كانت تَصِمُ على سبيل القدح كلّ من يعارض خطابها الإجرامي بلفظة “البلشفي اليهودي”، أصبحت الكتلة الفرنسية “المدافعة عن النموذج الجمهوري” تسمي معارضيها من اليسار بـ”اليسار الإسلامي”.

ملاحظة لم تفت دومينيك فيدال، الذي أشارَ بحسرة هو الآخر إلى أن “اليسارية الإسلامية” عوضت لديهم وصْمَة “البلشفية اليهودية” وباسم الدفاع عن حرية التعبير يريدون في الحقيقة خنق حرية تعبيرنا”.

فيما الخاسر الأكبر من استمرار هذه العاصفة الهوجاء، وهذا الاستقطاب الحاصل، هو النضال اليساري الجاد الذي يقوده الشعب الفرنسي من أجل عيشه اليومي، ومن أجل دحر السياسات النيوليبرالية المتوحشة التي طبعت ولاية رئيسه الحالي، بتفريغ النقاشِ من عمقه المادي ومطالبه الحيوية إلى صراع دين ضد دين وثقافة ضد ثقافة.

وكذلك النخب اليسارية الفرنسية الحاملة لمشروع هذا الشعب والتي تُتهم اليوم، إن هي عارضت حمى الخطاب اليميني المتفشّية بأنها “متواطئة مع الإرهاب والتطرف”، بل ويتم امتطاء التهمة لتمرير قرارات تعسفية وتصفية تنظيماتها.

وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمنان

أعداء الجمهورية؟

“منظمة عدوّة للجمهورية!”.. عند سماع هذا القول على لسان وزير الداخلية الفرنسي، جيرالد دارمنان، أول ما يتبادرُ إلى الأذهان هو صور عصابات إجرامية أو مليشيات مسلحة تهدد سلامة الشعب والنظام العام، لكن في المقابل فإن ما يقصده الوزير هو منظمة حقوقية صرفة، مناضلوها تتعدد أديانهم ومشاربهم، يجمعهم عداءهم للعنصرية والإسلاموفوبيا.

وهي “الجمعية الفرنسية لمحاربة الإسلاموفوبيا”، التي يعتزمُ الوزيرُ حلّها بمبررات مرتبكة: تارة يقول أنها متورطة في نشر التطرف، وتارة ينفي قوله ذاك.

مروان محمد، المدير السابق للجمعية، اعتبرَ تصريحات دارمنان “استغلال سياسي للفاجعة المؤلمة التي أصابت الجسد الوطني”، وأن إجراءات حلّ الجمعية ” ذات طبيعة سياسية صرفة، تود تصفية حسابات مع المجتمع المدني، وليست لها أي سند قانوني”.

فيما ترى الشبكة الأوروبية لمحاربة العنصرية (ENAR) في تصريح لـ “ذات مصر”، على لسان مسؤولتها الإعلامية جورجينا سيكلوسي، أن التحركات الأخيرة لوزير الداخلية الفرنسي “تدعو إلى القلق”، كما تعكس “العنصرية المؤسساتية التي تنهجها الحكومة الفرنسية ضدّ مواطنيها المسلمين في ظرفية كهذه التي تمرّ بها البلاد”.

وتضيف المسؤولة الإعلامية للشبكة أن: “الجمعية الفرنسية لمحاربة الإسلاموفوبيا هي منظمة حقوقية، وعضو نشيط في الشبكة الأوروبية لمحاربة العنصرية، والتي انخرطت منذ 20 سنة في الدفاع عن المسلمين المستهدفين بالميز والتحقير العنصري”، وتخلص المتحدثة باسم ENAR إلى إعلان “دعم الشبكة غير المشروط” للجمعية المستهدفة بإجراءات وزير الداخلية الفرنسي.

جان لوك ميلانشون زعيم حركة فرنسا الأبية اليسارية

ضرب فرنسا الأبية؟

بالنسبة لوزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان فإن من يصفهم بـ “اليسار الإسلامي” والذين يهدفون “لتخريب الجمهورية”، هم نفسهم الذين لم يكن عنده عليهم أيّ اعتراض في السابق، عندما نافسوه في الانتخابات الماضية، بل وساهموا بندية في تشريع قوانين حكومته من موقع أقصى يسار المعارضة اليسارية:

نحن نتحدّث بالضبط عن حركة “فرنسا الأبية”، برئيسها جان لوك ميلانشو، الذي مع صعود السجال حول الأقلية المسلمة أصبح الهدف “رقم 1” لحملة تشهيرٍ هوجاء وتحريضٍ يهدد سلامته الشخصية.

“لا يمكن لي تفهّمُ كيف لحزب تشدق طويلًا بمعاداة أفيون الشعوب، برتبط الآن باليسار الإسلامي الذي يخرّب الجمهورية” قال دارمانان مخاطبًا ألكسيس كوربيير نائب حركة “فرنسا الأبية”.

نفس الهجوم العنيف تبناه وزير التعليم جان ميشيل بلانكي الذي اتهم الحركة اليسارية بأنه “عندكم مشكلة مع الجمهورية”، واتهم رئيسها ميلانشو بـ”الكذب والمساهمة في نشر اليسارية الإسلامية” داخلَ الجامعة الفرنسية.

في المقابل ردّ ميلانشون على ذلك بأن الهدف من تصعيد بلانكي هو الإجهاز على التعليم العام، وعلى مجانية التعليم في فرنسا، لكون هؤلاء الأكاديميين اليساريين الذين يدعوهم بلانكي بـ “اليسار الإسلامي” هم من يعارضون الخصصة، وهم من يخضون نضالًا أكاديميًا ضد سردية الحكومة حول التطرّف الديني.

ويذكرُ أن وزير التعليم الفرنسي قد مرر قبل سنتين قانونًا يرفع رسوم التدريس بالنسبة للطلبة الدوليين بالجامعات الفرنسية، هذا القانون لقي معارضة ومقاومة كبيرة من أعضاء الجسم الأكاديمي والحركة الطلابية التي انتفضت في احتجاجات تدين هذا القرار.

مانويل فالس رئيس الوزراء الاشتراكي السابق

“متعاون” .. الخيانة العظمى

ليس أعضاء الحكومة الحالية وحدهم من يكيلون الاتهامات إلى اليسار الراديكالي في البرلمان، ممثلًا بحركة “فرنسا الأبية”، بل يساهم في ذلك كلّ الجناح السياسي الذي يودُّ تحقيق مكتسبات سياسية من هذا المناخ المشحون، وليس هذا الجناح بدوره مقتصرًا على اليمين التقليدي بدوره.

هذا ما يظهرُ عبرَ تصريحات بيرنار كازنوف، رئيس وزراء الحكومة الاشتراكية السابقة وعضو الحزب الاشتراكي الفرنسي، الذي قال:” هناك جماعات يسارية تسيء إلى الجمهورية بخطابها الضحل”، وأضاف محددًا: “أتحدث بالضبط عن نواب فرنسا الأبية الذين يتحمّلون مسؤولية ما يقع في البلاد الآن!”.

مانويل فالس، رئيس الوزراء الاشتراكي السابق، هو الآخرُ انضمّ إلى الهجوم على اليسار بالقولِ إن :”جانبًا من اليسار، اليسار الإسلامي، الذي أبدى تواطؤه مع الإسلام السياسي، لا يجب أن ننسى أنه، يتحملُ مسؤولية فيما يقع”.

ويضيف هو الآخرُ معيّنًا رئيس فرنسا الأبية جان لوك ميلانشو بأنه “شريكٌ في الجريمة ومسؤول عنها”.

والخطيرُ في هذا الهجوم هو التحريض الذي يحويه ومحاولة تقليب الرأي العام على أسماء بعينها، ما يجعلها هدفًا لتهديدات تمسُّ سلامتها الشخصية. وهذا ما ترجمه دخول نقابة رجال الشرطة، المفترض لها أن تكون محايدة سياسيًا، حين اتهمت ميلانشو بأنه متعاونٌ مع “التطرف الإسلامي ضدّ الشرطة”.

كلمة Collabo “متعاون” على جدارية تابعة للحزب الشيوعي الفرنسي

إذن هو مناخٌ مشحون يستهدفُ جانبًا واحدًا من المشهد السياسي دون غيره، اليسار الجذري متمثلًا في “فرنسا الأبية” وأخيرًا انضم الحزب الشيوعي الفرنسي إلى الحفل ليحصل على نصيبه من الهجمات.

ويُعبّر عن ذلك التخريب الذي تعرّضَ له مقرّ الحزب الشيوعي الفرنسي، برسم كلمة Collabo “متعاون!” على جدارية تابعة له، وهي الكلمة العنصرية التي كان يُوصم بها الخونة ممن تعاونوا مع الجيش النازي ضد فرنسا.

 

سفيان البالي

كاتب مغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى