دراسات وتحليلات

تحديات المرحلة الانتقالية في السودان

يبدو المشهد السياسي السوداني -في سياق المرحلة الانتقالية الحالية- متأزمًا في ضوء مشهد مضطرب ينطوي على العديد من التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، وهي وليدة عقود متراكمة من الإخفاقات تسبَّب فيها النظام الحاكم السابق بقيادة عمر البشير، الأمر الذي يلقي بظلاله على عرقلة مسار المرحلة الانتقالية التي انطلقت عقب الإطاحة بنظام البشير في إبريل 2019، وهو ما عبرت عنه مبادرة رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، التي أطلقها بهدف تحصين العملية الانتقالية في البلاد، خاصةّ أنها بصدد سياق داخلي متأزم تطغى عليه حالة من الاستقطاب السياسي والأمني بين الأطراف المكونة للحكم الانتقالي في البلاد، مما قد يُعطِّل عملية الانتقال إلى الديمقراطية في التجربة السودانية.

معوقات المرحلة الانتقالية

تتسم المرحلة الانتقالية في السودان التي انطلقت في أغسطس 2019 بدرجة من التعقيد، بسبب استمرار وتفاقم العديد من التحديات التي تواجه الحكومة الانتقالية على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، وسط غياب للتوافق والتقاطعات التي تخلق مساحة مشتركة بين كافة الأطراف والقوى السياسية. وتتمثل أبرز التحديات التي تواجه الدولة السودانية خلال هذه المرحلة في الآتي:

1. خلافات شركاء المرحلة الانتقالية:

هي في أغلبها خلافات سياسية بالأساس، تهدد العملية السياسية برمتها في السودان، وما ينطوي عليها من مخاطر الانهيار والانفلات الأمني في أرجاء البلاد. فثمة انقسام داخل السلطة الانتقالية، كما أن هناك غياب للبرامج المشتركة بين مكوناتها، وهو ما أدى إلى تزايد التوتر في العلاقات بين مختلف أطرافها.

وتتصاعد الخلافات داخل النخبة الحاكمة بين المكونين المدني والعسكري اللذين يديران المرحلة الانتقالية في البلاد، فهناك تحفظ من المكون المدني على تدخل المجلس العسكري السوداني في السياسة الخارجية للبلاد، وهو ما أفضى إلى صدامات مستمرة بين الطرفين، كونه يعكس تعدد مراكز اتخاذ القرار لا سيما في مجال السياسة الخارجية، وما يترتب عليه من تخبط وتضارب في المواقف تجاه القضايا التي تمس المصالح السودانية الاستراتيجية على المستويين الإقليمي والدولي.

وجاءت دعوة عبد الله حمدوك في مبادرته الأخيرة للمضي قدمًا نحو إجراء عملية الإصلاح الشامل للقطاعين العسكري والأمني في إطار السعي لتكوين جيش واحد مهني وقومي، لتضفي مزيدًا من التوتر على العلاقة مع المكون العسكري الذي يرفض المساس بالمؤسسة العسكرية حفاظًا على وحدتها والحيلولة دون تقويضها، وهو ما أكد عليه البيان الذي أصدره الجيش السوداني في 10 يوليو 2021 منتقدًا المطالبات بعمليات الإصلاح التي تعكس ضعف المؤسسة العسكرية وتهاوي أركانها، قبل أن يتم سحبه في وقت لاحق.

رئيس-الوزراء-السوداني-عبد-الله-حمدوك

وفي ذات السياق، ثمة خلافات داخل المكون المدني، إذ تُعاني قوى الحرية والتغيير التي ينضوي تحت مظلتها العديد من القوى والحركات السياسية ومنظمات المجتمع المدني التي يصل عددها إلى 100 مكون سياسي ومدني، من غياب التجانس والانسجام بين أطرافها المكونة لها بشأن توجهات السياسة الداخلية والخارجية للبلاد.

كما برزت الانقسامات الداخلية في تحالف الحرية والتغيير كما في حالة تجمع المهنيين، في حين قرر المجلس القيادي لتحالف “نداء السودان” في 29 يونيو 2021 تجميد عضويته في المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير عقب إطلاق مبادرة حمدوك بشأن الأوضاع السياسية في البلاد، والتي اعتبرها “نداء السودان” أنها تهدد أمن وسلامة ووحدة السودان.

2.التوتر بين القادة العسكريين:

تمثل هذه النقطة أخطر التحديات التي تواجه السودان في المرحلة الراهنة. فهناك ثمة خلاف وانقسام حول ظاهرة “تعدد الجيوش” في السودان، في ظل المساعي نحو تكوين جيش وطني موحد بعقيدة قتالية واحدة، خاصةً أن المؤسسة العسكرية السودانية تتكون حاليًا من “الجيش السوداني” و”قوات الدعم السريع” ذات الاستقلال المادي والإداري.

إذ يرغب الفريق عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس السيادي السوداني، في دمج قوات الدعم السريع -التي يصل عدد قواتها إلى 40 ألف عنصر- بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، نائب رئيس المجلس السيادي، والذي يرفض بشكل قاطع فكرة الدمج مبررًا ذلك باحتمالية تفكك البلاد، ومؤكدًا على شرعية قوات الدعم السريع التي أسست وفقًا لقانون مُجاز من برلمان منتخب، فضلًا عن كونها قوة كبيرة وليس كتيبة أو سرية عسكرية صغيرة. الأمر الذي دفع إلى رفع الدعم السريع درجة الاستعداد القصوى في يونيو الماضي داخل العاصمة الخرطوم، ما دفع البعض إلى التنبؤ باحتمالية اندلاع صراع مسلح بين القوات.

عبدالفتاح البرهان، رئيس المجلس السيادي
عبدالفتاح البرهان، رئيس المجلس السيادي

وفي مؤشر إلى تصاعد التنافس على النفوذ داخل المؤسسة العسكرية، استغل حميدتي غياب البرهان للمشاركة في مؤتمر باريس لدعم السودان في مايو الماضي، وعقد اجتماعًا للمجلس السيادي تقرر فيه قبول استقالة النائب العام السوداني، وقام بإقالة رئيسة القضاء دون التشاور مع البرهان، وهو ما زاد من حدة التوتر بينهما.

وتمثل شكل وطبيعة العلاقة المتوترة بين القائديْن العسكرييْن حلقة من حلقات التوتر بينهما والتي لطالما تحاول المؤسسة العسكرية نفيها أمام الرأي العام السوداني، لا سيما أن لدى حميدتي بعض الطموحات السياسية في قيادة البلاد مستقبلًا، مما يجعله حريصًا على الاحتفاظ بقوة عسكرية ضاربة قد يوظِّفها خلال المرحلة المقبلة.

3.اتفاق جوبا للسلام:

يمثل الالتزام بتنفيذ اتفاق السلام الشامل الذي وُقع بين الحكومة الانتقالية وبعض الحركات المسلحة في جوبا في أكتوبر 2020 ضرورة حتمية، باعتباره قضية رئيسية في المرحلة الانتقالية. إذ تظل التخوفات قائمة من انتكاسة نتيجة التحديات التي تواجه البدء في تنفيذ بنود الاتفاق، والتي من أبرزها محدودية الموارد المالية اللازمة لذلك، وهو ما يعني أن عدم التزام الحكومة السودانية بالوعود المالية التي شملها الاتفاق قد يترتب عليه انتكاسة تفضي إلى استئناف الحرب وما يصاحبها من استنزاف للاقتصاد السوداني المتدهور أصلًا، واستمرار الأزمات السياسية والأمنية والاجتماعية في البلاد.

4.سخط الحركات المسلحة السودانية:

تتصاعد الانتقادات من قبل بعض الحركات المسلحة تجاه المكون العسكري في السلطة الانتقالية، حيث تتهمه بعدم امتلاك الإرادة السياسية لتنفيذ بنود اتفاق جوبا، وهو ما يبرره التباطؤ في تنفيذ بند الترتيبات الأمنية الذي يضمن لتلك الحركات الاندماج تدريجيًا في الجيش السوداني، والمشاركة في إدارة الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتكوين قوات مشتركة لحماية المدنيين في بعض المناطق السودانية مثل دارفور.

وتجدر الإشارة إلى أن اتفاق السلام قد شمل تكوين قوة عسكرية قوامها 12 ألف جندي بواقع 50% من القوات الحكومية النظامية، و50% من قوات الحركات المسلحة، على أن تحل محل بعثة يوناميد الأممية لحفظ السلام في دارفور بعد عملية الدمج.

وبالرغم من بعض التحديات التي يمكن أن تعرقل تنفيذ اتفاق جوبا، إلا أن ظاهرة عدم دمج الحركات المسلحة للجيش السوداني تمثل مصدر تهديد للسلم والأمن في السودان، فوجود تلك الحركات على الساحة السودانية دون تسريح أو إعادة دمج داخل المؤسسة العسكرية، وفي ظل تصاعد الانتقادات بين صفوف تلك الحركات بالمماطلة في تنفيذ الاتفاق، من شأنه أن يخلق أزمة ثقة بين الطرفين؛ مما قد ينذر باحتقان بين المكونات العسكرية في البلاد، ويهدد اتفاق السلام بانسحاب الحركات الموقعة عليه والعودة إلى المربع صفر.

5.الضغوط الاقتصادية:

يُشكِّل الوضع الاقتصادي في السودان تحديًا كبيرًا أمام إدارة المرحلة الانتقالية، في ضوء ما يشهده الاقتصاد السوداني من حالة تراجع حاد منذ إسقاط نظام الإنقاذ السابق. فهناك أزمات متجددة في السودان من أبرزها إمدادات الخبز والقمح والوقود والغاز، إلى جانب تدهور قيمة العملة الوطنية (الجنيه السوداني) بالإضافة إلى ارتفاع معدلات التضخم بدرجة كبيرة بسبب ارتفاع أسعار السلع والخدمات.

إذ يسجل سعر صرف الجنيه السوداني مستويات متدنية في السوق غير الرسمية (السوق السوداء) بواقع 400 جنيهًا للدولار الواحد، في مقابل 55 جنيهًا في السوق الرسمية، كما ارتفع معدلات التضخم خلال شهر ديسمبر 2020 لنحو 269.3% في مقابل 254.3% في نوفمبر من نفس العام. فيما يقترب نحو 65% من إجمالي 42 مليون سوداني تحت خط الفقر.

انهارت قيمة الجنيه السوداني أمام الدولار بعد التعويم الأخير

وقد بلغت قيمة الصادرات السودانية في عام 2020 نحو 3.61 مليار دولار، فيما بلغت قيمة الواردات نحو 7.81 مليار دولار، ما يعني أن العجز في الميزان التجاري قد وصل لنحو 4.2 مليار دولار حسب البيانات الحكومية السودانية. وأجازت الحكومة السودانية ميزانية عام 2021 بعجز كلي بلغ 4.1% من الناتج المحلي الإجمالي.

وهو ما يعكس حجم الأزمة الاقتصادية التي تمر بها السودان، ورغم قيام مؤتمر باريس لدعم السودان بإسقاط بعض الديون الخارجية المستحقة عليها، إلا أن الوضع الاقتصادي المتردي بحاجة إلى تفعيل استراتيجية عاجلة لإعادة إنعاش الاقتصاد السوداني قبل أن يتهاوى، لا سيما أن السودان تمتلك العديد من الثروات والموارد الطبيعية في كل القطاعات.

6. تذبذب الأوضاع الأمنية:

يتسم الوضع الأمني في الداخل السوداني بعدم الاستقرار، نظرًا لاندلاع بعض المواجهات المسلحة في بعض المناطق مثل دارفور وشرق السودان، وهو ما يعزز عدم الاستقرار الأمني في البلاد. كما أن استمرار بعض الحركات المسلحة خارج إطار اتفاق السلام، وعدم المسارعة في تنفيذ بنود هذا الاتفاق قد يدفع البلاد نحو فوضى جديدة، في حال انسحاب الحركات المسلحة من الاتفاق لعدم الوفاء بالتزامات الحكومة السودانية.

كما أن هناك تحفظًا لدى بعض القوى السياسية من تورط القوات السودانية في حرب مع إثيوبيا نتيجة التوترات الراهنة على منطقة الفشقة، انطلاقًا من أن التوقيت ليس في صالح البلاد، وخوفًا من استنزاف الموارد الاقتصادية.

كما تنتشر أعمال العنف الطائفي في عدد من المناطق السودانية؛ ففي شرق السودان تقع اشتباكات بين قبيلتي بني عامر والنوبة في بورتسودان، وفي مدينة كسلا بين جماعات قبلية من الهدندوة وبني عامر.

7.التحديات الإقليمية:

تنخرط السودان في أزمة الحدود المشتركة مع إثيوبيا، إذ تتصاعد التوترات منذ نوفمبر 2020 بشأن السيادة على منطقة الفشقة المتنازع عليها بين الجانبين، ولم يصل الطرفان إلى إيجاد تسوية بشأنها، رغم محاولات الوساطة من قبل كل من الإمارات وقطر للحيلولة دون تصاعد التوتر إلى صراع بين البلدين.

بينما تشهد قضية سد النهضة الإثيوبي تصعيدًا قويًا بين كل من مصر والسودان وإثيوبيا، بعد فشل سلسلة المفاوضات التي جرت بين الأطراف الثلاثة على مدار عقد كامل، نتيجة تعنت الجانب الإثيوبي والمماطلة في سبيل فرض سياسة الأمر الواقع لاستكمال بناء السد دون توقيع اتفاق ملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل. وهو ما دفع الجانبين المصري والسوداني إلى تدويل القضية من خلال عرضها على مجلس الأمن الدولي، أملًا في إصدار مشروع قرار يُلزِم الجانب الإثيوبي بتوقيع اتفاق ملزم.

توترت العلاقات بين السودان وإثيوبيا بسبب الخلافات الحدودية وملف سد النهضة
توترت العلاقات بين السودان وإثيوبيا بسبب الخلافات الحدودية وملف سد النهضة

مستقبل السودان في ضوء التطورات الراهنة

حاولت مبادرة حمدوك تقديم عدد من الحلول لتجاوز التحديات التي تقف عائقًا أمام استقرار المرحلة الانتقالية في البلاد، إلا أن المبادرة قد واجهت انقسامًا حولها من جانب بعض القوى والأطراف السياسية، مما قد يعرقل تنفيذها ويؤدي إلى فشلها.

ورغم مساعي السلطة لتجاوز عقبات المرحلة الانتقالية في البلاد، إلا أن المستقبل يظل على المحك، في ضوء عدم حسم بعض الملفات الشائكة التي تهدد الاستقرار الداخلي في البلاد، وبروز بوادر الانقسام بين مكونات السلطة الحاكمة في البلاد، وتصاعد التنافس على النفوذ بين قادة المكون العسكري، مما قد ينذر بانشقاق محتمل بين مكونات السلطة وما قد يصاحبه من انشقاقات تؤدي إلى صراعات سياسية في البلاد.

ويظل اتفاق السلام الشامل نقطة ضوء يمكن للأطراف السياسية السودانية التمسك بها للوصول إلى نهاية المرحلة الانتقالية بأمان، والشروع في بدء حقبة جديدة عقب استكمال خارطة الطريق السودانية والاستحقاقات الانتخابية، وإن ظلت هناك بعض الثغرات التي يتوجب التعامل معها في اتفاق السلام، لعل أبرزها وضع الحركات المسلحة السودانية، وضرورة توفير الموارد المالية اللازمة لتنفيذ بنود الاتفاق خوفًا من انهيار الاتفاق، وخشية العودة إلى المربع صفر.

وإجمالًا، ينبغي على القوى السياسية السودانية المنخرطة في العملية السياسية الدعوة لإجراء حوار وطني شامل يستهدف تقريب وجهات النظر بينها وإنهاء حالة الاستقطاب السياسي في البلاد، والتوافق على أجندة وطنية تضمن استمرار المرحلة الانتقالية دون أي انتكاسة. كما أن هناك حاجة لتضافر الجهود الإقليمية والدولية لمساعدة السودان في تجاوز العديد من التحديات التي تشكل تحديًّا راهنًا يهدد استقرار الدولة السودانية، وعلى رأسها التحديات الاقتصادية. وذلك لضمان عدم انهيار المرحلة الانتقالية لما تنطوي عليه من تداعيات سلبية قد تنذر بزعزعة الاستقرار في السودان.

أحمد عسكر

باحث مختص في الشأن الإفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى