دراسات وتحليلات

تحركات مصر في حوض النيل.. جهود استراتيجية لاستعادة المكانة

­­­­تُروِّج إثيوبيا لريادتها ورمزيتها كقوة تحررية إفريقية عبر مزج مجموعة من الأساطير الدينية والإثنية واللونية، والفكاك من حقائق التاريخ والجغرافيا، وتُعوِّل على سيادة أفكار النخب الإفريقية التي عادت بعد مرورها بتجارب الاسترقاق في “العالم الجديد” لتشكل تصورات فكرية “إفريقية” تكرس إقصاء “مصر” إفريقيًا، أو على الأقل تحجيم موقعها في التاريخ الإفريقي.

بينما تواجه مصر، بمقومات حقيقية تحتاج إلى تأكيدها ودحض التشكيك فيها وممارسة نقد ذاتي غير مسبوق لإعادة الاعتبار لها، تحديات ترميم ملامح شخصيتها في إفريقيا بشكل عام وفي منطقة حوض النيل والقرن الإفريقي على وجه الخصوص، كدائرة لصيقة للأمن القومي المصري، وأساس واضح لاستعادة مصر مكانتها الإقليمية والقارية الإفريقية.

مصر وأوغندا توقعان اتفاقية لتبادل المعلومات الاستخباراتية العسكرية
مصر وأوغندا توقعان اتفاقية لتبادل المعلومات الاستخباراتية العسكرية

التعاون الأمني مع أوغندا وبوروندي: مقاربة استعادة المبادرة

تبدو مسارات الحركة المصرية الراهنة في حوض النيل والقرن الإفريقي واقعية للغاية من جهة اعتبارات عدة، مثل تفهّم مخاوف واحتياجات دول المنطقة بمختلف أحجامها وأدوارها، وإدراك أولوية الحاجات التنموية والاقتصادية والأمنية لهذه الدول، وضرورة تأكيد المصالح المتبادلة بشكل مباشر، وعدم رهن الحركة المصرية بزخمها الكامن والكبير في واقع الأمر، بتحرك دول إقليمية أخرى، بعد ثبوت فشل هذه المقاربة وتأثيرها على مكانة مصر، لا سيما في منطقة القرن الإفريقي.

وفي دلالة على هذا التوجه العام، وقّعت مصر وأوغندا اتفاقًا لمشاركة الاستخبارات العسكرية، فيما يتصاعد التوتر بين مصر وإثيوبيا بسبب سد النهضة.

وفقًا لبيان قوات الدفاع الشعبية الأوغنديةUganda People’s Defence Forces (UPDF)، تم توقيع الاتفاق بين رئاسة الاستخبارات العسكرية بقوات الدفاع الأوغندية وإدارة المخابرات المصرية.

وفي دلالة على سعي القاهرة لاستعادة المبادرة بالتحرك في الإقليم وعدم الاكتفاء بسياسة الترقب والانتظار، أرجع سامح صابر الدجوي، كبير وفد المخابرات المصرية في كمبالا، الاتفاق للرابطة “النيلية” بين أوغندا ومصر، وأن التعاون بين البلدين حتمي “لأن ما يؤثر على أوغندا سيؤثر بصورة أو أخرى على مصر”، وكان الاتفاق في حد ذاته تحولًا هامًا -ومباغتًا في واقع الأمر- لا سيما أن أوغندا كانت من أبرز قوى حوض النيل التي ناهضت جهود مصر لضمان حصتها التاريخية في مياه النيل.

ووفقًا للاتفاق ستتشارك القاهرة وكمبالا “معلومات استخباراتية مهمة على أساس منتظم”، وتضمَّن الاتفاق بندًا مهمًا لتوظيف هذا التعاون في مجال “مكافحة الإرهاب”.

ولفت الاتفاق اهتمام المراقبين وسط مخاوف من تصاعد التوتر في حوض النيل، مع تصاعد لهجة القاهرة وتحذيرات متكررة لأديس أبابا من مخاطر السد وتهديداته لمصر.

وبعد ساعات من اتفاق كمبالا تبلورت وثاقة العلاقات المصرية- البوروندية في توقيع البلدين اتفاقًا مماثلًا.

ورغم ما يعتبره البعض تطورًا “مفاجئًا” فإن وتيرة العلاقات بين البلدين كانت تشهد تصاعدًا غير مسبوق تمثل في إحدى مراحله بوصول رئيس بوروندي إيفاريست ندايشيميEvariste Ndayishimiye إلى القاهرة (23 مارس 2021) لعقد محادثات مع نظيره المصري وتعزيز علاقات التعاون بينهما في الفترة المقبلة.

وجاءت هذه الزيارة في سياق سعي مصر لتعزيز صلاتها مع دول حوض النيل، وذلك لتحقيق أهداف استراتيجية عدة، منها تحجيم التمدد التركي (المدعوم إثيوبيًا) في شرق إفريقيا وحماية الأمن القومي المصري من “أي تهديدات”، مع ملاحظة أهمية بوروندي، ليس لموقعها الجيو-استراتيجي فحسب، ولكن لكونها دولة من دول حوض النيل، كما تمثل بوروندي قوة عسكرية مهمة في المنطقة (أسهمت في وقت ما بقوة مماثلة لحجم القوات الإثيوبية في الصومال تحت مظلة قوة الاتحاد الإفريقي “أميصوم”).

وتكتسب بوروندي أهمية إضافية لمصر في ملف “حوض النيل”، إذ إنه رغم توقيعها اتفاقية عنتيبي (التي تحشد مواقف دول حوض النيل خلف الانتقاص من حصة مصر التاريخية في مياه النهر) بعد ثورة يناير 2011، فإن البرلمان البوروندي لم يصادق عليها، مما يعده دبلوماسيون مصريون تضامنًا شعبيًا بورونديًا مع مصر ومخاوفها في الأمن المائي.

وفي المقابل تسعى بوروندي للاستفادة من الاستثمارات المصرية ونقل مصر خبراتها إليها.

وتُوفِّر مصر لأغلب دول حوض النيل ممرًا مهمًا للقارة الإفريقية، ولديها خبرة كبيرة في مجالات الطاقة والتشييد والزراعة والمياه.

وخلال اجتماع الرئيسين المصري والبوروندي أكد الأول أهمية التوصل لاتفاق قانوني حول سد النهضة، وشهدت زيارة رئيس بوروندي توقيع عدد من مذكرات التفاهم للتعاون بين البلدين، فيما شدّد الرئيس البوروندي على أهمية دور مصر في تعزيز الاستقرار في إقليم البحيرات العظمى وشرق إفريقيا وحوض النيل، ودور مصر في تسوية المسائل العالقة طوال الفترة الماضية.

ووجّهت مصر مطلع إبريل الجاري مساعدات مهمة لبوروندي في قطاع الصحة، كما وجّهت قيادة الجيش المصري بإرسال طائرة نقل عسكري محملة بإمدادات طبية وأغذية للأطفال، تعبيرًا عن رغبة القاهرة في دعم بوروندي وتقديم المساعدة الفنية وبناء قدرات الكوادر الوطنية هناك، مما يمكّن القاهرة من وضع اتفاق التعاون الاستخباراتي في سياقات أكثر شمولًا لتعاون مصري- بوروندي مفيد للبلدين ولاستقرار منطقة حوض النيل، ومُعززًا لتصور سياسة مصرية تجنح للمبادرة وعدم التوقف عند حدود الاستجابة وردود الفعل.

رئيس أركان حرب الجيش المصري يلتقي رئيس قوات الدفاع الوطنى البوروندي
رئيس أركان حرب الجيش المصري يلتقي رئيس قوات الدفاع الوطنى البوروندي

التحرك المصري لضبط “الأطراف”

وسط توتر مصري إثيوبي يكاد يصل بالمنطقة إلى حافة صراع مفتوح، تسعى القاهرة إلى إعادة ضبط صلاتها مع دول الإقليم التي تلتقي حدودها مع إثيوبيا (واحدة من أكبر الدول الحبيسة في العالم والمحاطة بدول جيبوتي وإريتريا والسودان وجنوب السودان وكينيا والصومال)، وذلك لتأمين استعادة مصر مكانتها الإقليمية على أسس عملية مفهومة وواقعية تمامًا للدول المعنية.

بادرت القاهرة، التي يبدو أنها فقدت شراكتها الاستراتيجية مع دولة مهمة بحجم إريتريا، ذات الموقع الاستراتيجي الهام على البحر الأحمر، وبحدود ممتدة مع إثيوبيا وجيبوتي والسودان، بإرسال وفد إلى جيبوتي منتصف مارس الفائت، في سياق ما اعتبره محللون تنافسًا مصريًا-إثيوبيًا في القرن الإفريقي، ومعززًا لتصورات القاهرة بأن المنافسة الدائرة في إفريقيا تدور حول الوجود التنموي والاقتصادي أكثر من الدبلوماسية والسياسة، مع ملاحظة أن الوجود المصري في الأسواق الإفريقية ليس عند المستوى المطلوب بعد، وأن الانفتاح على جيبوتي سيمثل اختراقًا مهمًا لتعزيز مكانة مصر الاقتصادية في القرن الإفريقي عبر بوابة جيبوتي.

ويُتوقع أن يتم الدفع للأمام في هذا المسار مع بدء الرئيس الجيبوتي، عمر جيلي، فترة رئاسة جديدة (بانتخابه رئيسًا 10 أبريل الجاري) ورغبته المعلنة في تعزيز الشراكة الاقتصادية والأمنية مع مصر.

أمّا السودان، فإن مستويات تنسيقها مع مصر فقد وصل إلى مستويات غير مسبوقة، ربما منذ حرب أكتوبر 1973، في ظل تنسيق سياسي وعسكري وأمني واقتصادي إلى حد ما في مستويات ومناطق جديدة من التعاون شملت تدريبات عسكرية متقدمة، تعتبر الأكبر من نوعها بين دولتين من دول حوض النيل، وجرت على مرحلتين (نسور النيل 1 نوفمبر 2020، نسور النيل 2 أبريل 2021).

ويكتسب هذا التعاون دلالات بالغة الأهمية في ضوء خطورة الأوضاع على الحدود السودانية الإثيوبية، وتهديدات أديس أبابا باستعادة الأراضي السودانية التي تمكن الجيش السوداني من بسط سيادته عليها في الشهور الأخيرة، وتصور وجود “خيارات” التعامل كافة مع ملف سد النهضة على طاولة صانع القرار المصري، وإن بتكلفة مرتفعة على نحو غير متوقع.

ويعزز فكرة المبادرة المصرية في إدارة العلاقات مع السودان التقارب الحقيقي بين نظامي البلدين مدعومًا بدعم شعبي غير مسبوق، لا سيما مع تآكل صورة إثيوبيا سودانيًا كدولة داعمة للتحول الديمقراطي والمرحلة الانتقالية في السودان، بعد تهديدات أديس أبابا المتكررة بتأليب ما تسميه “المكون المدني” السوداني ضد قادة المرحلة الانتقالية، وما عناه ذلك من انتهازية إثيوبية بدعم مكون سوداني ضد آخر، وصل إلى حد إثارة حركات معارضة مسلحة لإعادة مواجهة النظام في الخرطوم، وهو ما ردت عليه الخرطوم لاحقًا، وعلى خلفية فشل محادثات سد النهضة، بطلب استبعاد القوات الإثيوبية من منطقة “أبيي”.

اقرأ أيضًا: إثيوبيا “الرافضة”.. هل تمثل “فرنسا الإفريقية” حلا ممكنا لأزمة سد النهضة؟

وفيما يخص جنوب السودان، نجحت القاهرة بشكل واضح في تمتين صلاتها مع جوبا، وإرساء أسس علاقات ثنائية قوية على المستويين الرسمي والشعبي.

والتقى قبل أيام قليلة (8 أبريل 2021) وزير الزراعة المصري بنظيره الجنوب سوداني في جوبا لاستكمال المحادثات السابقة التي احتضنتها القاهرة (نوفمبر 2020) لنقل الخبرة المصرية في بناء القدرات والتدريب والمزارع السمكية والإنتاج الحيواني والأمصال والبحوث الزراعية إلى جنوب السودان، وتقديم منح علمية للطلاب الجنوب سودانيين في مجال الزراعة.

العلاقات بين القاهرة وجوبا
وزير الزراعة يوقع مذكرة تفاهم لإنشاء مزرعة مصرية متكاملة في جوبا

وتحظى مصر بتقدير دولي كبير في حفظ الاستقرار والسلام وتطوير التنمية في جنوب السودان، وربما عبر عن ذلك كون القاهرة محطة مهمة للتشاور مع الأطراف الدولية الفاعلة في جنوب السودان مثل بريطانيا (التي يزور مبعوثها لجنوب السودان “روبرت فيرويذر” القاهرة بانتظام آخرها زيارة في منتصف مارس الفائت) والولايات المتحدة والنرويج وغيرها.

وبينما تنتظر العلاقات المصرية الكينية مقاربات أكثر فعالية، وتسوية لمشكلات تجارية عالقة بينهما، فإن الصومال يمر بمرحلة انتقالية بالغة الخطورة بعد انتهاء ولاية الرئيس محمد عبد الله “فرماجو” وعدم حسم مسألة الانتخابات الرئاسية.

وفيما جسّد الرئيس الصومالي المنتهية ولايته المراعاة المثلى للمصالح الإثيوبية في الإقليم (على خلفية اصطفافه وراء أطراف إقليمية مثل تركيا وقطر وإثيوبيا لضمان استمرار نظامه)، فإن الانتخابات الصومالية ستخرج –حال نزاهتها- بنتيجة شبه محسومة، وهي خروج فرماجو من “فيلا صوماليا” (المقر الرئاسي هناك) ربما إلى الأبد.

ويمكن وقتها أن تبدأ القاهرة في إعادة جهودها للتقارب مع الصومال وفق آلية جديدة تمامًا، حال الرغبة في تفادي أخطاء المحاولات السابقة، ترتكز على إعطاء أولوية للتعامل مباشرة مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو، وفك الارتباط تمامًا مع قوى إقليمية لا تكترث سوى بمصالح اقتصادية “خاطفة”، وإعادة الاعتبار لمكانة مصر لدى الشعب الصومالي، وهو اختبار ربما لن يتأخر كثيرًا.

اقرأ أيضًا: “المماطلة” إثيوبية.. من يوقف تلاعب أديس أبابا في أزمة سد النهضة؟

سد النهضة الإثيوبي
عمليات إنشاء سد النهضة الإثيوبي

الفرص والتهديدات

لا يخفى مأزق القاهرة في حتمية نجاح سياسة ضبط علاقاتها بأطراف دائرة متسعة، تشمل حوض النيل والقرن الإفريقي، لكن القاهرة تحظى بالفعل بفرص جادة لتحقيق هذا النجاح مثل التجربة التاريخية (لا سيما مع السودان والصومال)، والفرص الاقتصادية الهائلة والملائمة (مثل جيبوتي وبوروندي)، وعامل المصالح الأمنية الاستراتيجية (مع أوغندا تحديدًا)، وانكشاف الوجه الحقيقي لنظام آبي أحمد في إثيوبيا وتكريسه لسياسات الهيمنة (حال فشل سياسات الاحتواء) مع غالبية دول الجوار.

في المقابل لا تزال ثمة تهديدات خطيرة لسياسة القاهرة، أبرزها رهن السياسات الحالية بإدارة القاهرة لملف سد النهضة، وليس العكس كما يفترض، وعدم إلحاق القاهرة خطواتها الرسمية بحشد شعبي ضروري في هذه المرحلة (وهو أمر يتم نسبيًا –وعلى نطاق محدود حتى الآن- كما لوحظ في مؤتمر القاهرة القومي الأول لشباب جنوب السودان، الذي نُظِّم في القاهرة في الشهر الجاري، وحقق اختراقًا مهمًا في ملف العلاقات الشعبية بين البلدين في تجربة مطلوب تعميمها واستكمالها على مستوى دول حوض النيل والقرن الإفريقي)، أو تهميش الأدوار “المؤسساتية” لصالح تغليب الطابع الأمني-العسكري، على أهميته بطبيعة الحال، في إدارة العلاقات الثنائية بين مصر والدول المعنية.

في المحصلة، تبدو مصر ناجحة إلى حد كبير في استرداد شخصيتها في منطقة حوض النيل والقرن الإفريقي، وفي امتلاك زمام المبادرة بالتحرك، كما يتضح من الخطوات المتسارعة بدءًا من مؤسسة الرئاسة وصولًا إلى تفعيل أولي للدبلوماسية الشعبية-الشبابية لمد جسور الصداقة مع دول وشعوب المنطقة.

ورغم تصور محللين لهذا الحراك على أنه بهدف حشد تعبئة لمواقف مصر في ملف سد النهضة، فإن نظرة عميقة لهذا التحرك تستشرف تفهم النظام المصري لضرورة إعادة اندماج مصر بكامل ثقلها في محيطها النيل والإفريقي، لتحقيق مكاسب متبادلة على المدى البعيد مع دول المنطقة، عطفًا على تفادي أزمات من قبيل أزمة سد النهضة.

د. محمد عبدالكريم أحمد

باحث في الشأن الإفريقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى