سياسة

تحرير الشام وحراس الدين.. من يحسم التنافس الجهادي في إدلب؟

شن الجهاز الأمن لهيئة تحرير الشام، خلال الأسابيع الماضية، حملة دهم واعتقالات، طالت عددا من رموز تنظيم “حراس الدين” الذي يمثل فرع تنظيم القاعدة في شمال سوريا، وأسفرت تلك الحملة عن مقتل أبودجانة الليبي وأبوعبد الرحمن التونسي الشهير بـ”سفينة التونسي”، القياديين البارزين بالتنظيم، والقبض على عشرات آخرين.

وتزايدت وتيرة الحملة التي تشنها هيئة تحرير الشام، في أعقاب مقتل الدكتور فايز الخليف، وزير التعليم في حكومة الإنقاذ السورية، وهي الحكومة المؤقتة التابعة للهيئة داخل مناطق الشمال السوري.

وفي حين بررت “تحرير الشام” حملاتها الأمنية المتواصلة بملاحقة المجموعات الإرهابية وتعقب الأشخاص المتورطين في اغتيال “الخليف”، ذكرت مصادر سورية، بينها المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن الهيئة تسعى من ذلك لترويج صورة محسنة عن نفسها كـ”شريك يمكن الاعتماد عليه في مكافحة الإرهاب”.

هيئة تحرير الشام
هيئة تحرير الشام

أصدقاء الأمس أعداء اليوم

بالتزامن مع التطورات الأخيرة داخل مناطق الشمال السوري، نشرت شبكة “فرونت لاين” حوارًا لأبي محمد الجولاني، زعيم هيئة تحرير الشام، أجراه الصحفي الأمريكي مارتن سميث، في وقت سابق، وبدا أن الأول يحاول التنصل من ارتباطاته السابقة بتنظيم القاعدة، قائلًا: “علاقاته مع القاعدة أصبحت من الماضي، ولم يعد هناك أي صلات بين الطرفين، حتى في الفترة التي كانت فيها جبهة النصرة (نواة هيئة تحرير الشام) تابعة للتنظيم، عارضت الجبهة أن تقوم بأي هجمات تستهدف المصالح الغربية خارج سوريا، وحصرت قتالها ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد”.

أدرك قادة تنظيم حراس الدين أن رسائل الجولاني المتكررة، تؤكد أن مرحلة التعاون والصداقة السابقة مع “القاعدة” ومجموعاته المحلية انتهت، ومن ثم عمدوا إلى استخدام سلاح الدعاية لتصدير صورة مغايرة لزعيم هيئة تحرير الشام، عبر قنواتهم ومجموعاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، كذلك في صحيفة “ثبات” الإلكترونية التي تصدرها وكالة ثبات (المحسوبة على تنظيم القاعدة) والتي تضمنت أعدادها السابقة هجومًا على هيئة تحرير الشام ووصفها بأنها “لم تعد جماعة جهادية بل “ميليشيات مسلحة تقاتل لحماية طاغوت جديد” (في إشارة منها لأبي محمد الجولاني).

وتحرص “تحرير الشام” على احتواء أو إقصاء أي فصيل يمكن أن يشكل تهديدًا لوجودها في المناطق التي تسيطر عليها، ما دفعها لسن حملات مكثفة على خلايا “داعش” في شمال سوريا وقتل واعتقال العشرات من عناصره وخلاياه الناشطة، كذلك الاصطدام بنحو 23 فصيلًا مسلحًا على مدار السنوات السبع الماضية، أبرزها حركة نور الدين زنكي، وحركة أحرار الشام، وحركة حزم والفرقة 101 والفرقة 16، وعمدت الهيئة إلى تفكيك أغلب هذه الفصائل والسيطرة على السلاح الثقيل الذي كان بحوزتها والاستيلاء على الموارد الاقتصادية التي تضمن لها الاستدامة.

محمد الجولاني زعيم هيئة تحرير الشام
محمد الجولاني زعيم هيئة تحرير الشام

اتفاق تركي  

إلى ذلك، شكلت العلاقة مع تركيا واحدةً من أبرز النقاط الخلافية بين هيئة تحرير الشام وتنظيم حراس الدين، ففي الوقت الذي تتولى فيه هيئة تحرير الشام تأمين دوريات المراقبة المشتركة التي يقومها بها الجيشان التركي والروسي في شمال سوريا ضمن اتفاق خفض التصعيد، يواصل تنظيم حراس الدين ومجموعات مرتبطة به تنفيذ هجمات ضد الدوريات التركية والروسية، وهو ما أظهر الهيئة بمظهر محرج أمام الجانب التركي.

ويلمح مراقبون إلى وجود تفاهم واتفاقات بين تركيا وهيئة تحرير الشام، تقوم بموجبها القوات التركية الموجودة في نطاق محافظة إدلب بتأمين مناطق الشمال السوري الواقعة تحت سيطرة الفصائل السورية المسلحة وفي مقدمتها هيئة تحرير الشام، بينما تتولى الأخيرة إدارة الملف الأمني وتعقب الخلايا الجهادية العاملة في المنطقة، إضافةً إلى إشرافها على إدارة المنطقة عبر حكومة الإنقاذ السورية التابعة لها.

إقرأ أيضًا: صراع اللا نفوذ.. خريطة البنادق في شمال سوريا

حملة مضادة

ولجأت الهيئة لاتباع استراتيجية مواجهة شاملة للحفاظ على مكانتها داخل شمال سوريا، ركزت بشكل أساسي على القضاء على تنظيم حراس الدين الذي أظهر قدرة على التكيف مع الحملات المستمرة التي تشنها الهيئة ضده، كما نجح في جذب واستقطاب مجموعات من المقاتلين المنتمين لـ”تحرير الشام”.

وعملت “تحرير الشام” على شن حملة دعائية مضادة لمواجهة تأثير حراس الدين على مجموعاتها وبقية الفصائل الجهادية الأخرى، وركزت تلك الحملة على التحذير من فكر تنظيم القاعدة والمجموعات المرتبطة به واعتباره حاضنة للتطرف والإرهاب خرّجت سابقًا تنظيم الدولة الإسلامية، مؤكدةً أن أولوية القتال تكون في الداخل السوري ضد الجيش السوري النظامي وليس ضد الولايات المتحدة والدول الغربية كما يروج “القاعدة” وغيره من تنظيمات الجهاد المعولم.

وتذكر وسائل إعلام سورية أن حملات الدعاية الممنهجة التي اعتمدتها هيئة تحرير الشام، تمت داخل المساجد والمعاهد الدينية الشرعية في الشمال السوري، وكذلك عبر المنتديات الجهادية على وسائل التواصل الاجتماعي، في الوقت الذي تواصلت فيه الحملات العسكرية التي تشنها الهيئة ضد حراس الدين والمجموعات المتحالفة معه. 

ورغم أن تلك الحملات المنسقة نجحت في الحد من نشاط وقدرات تنظيم حراس الدين، فإنها لم تقض عليه بشكل كامل، فيما واصل التنظيم بين الفينة والأخرى استهداف دوريات الجيش الروسي والتركي، واستهداف مواقع الجيش السوري، وكذلك شن هجمات استعراضية خارج مناطق انتشاره التقليدية وهو ما حدث مطلع العام الجاري حين شن “حراس الدين” هجومًا بسيارة مفخخة على قاعدة عسكرية للقوات الروسية في منطقة تل السمان بالريف الشمالي لمحافظة الرقة (شمال شرقي سوريا) وأسفر عن إصابة عدد من الجنود الموجودين بالقاعدة.

هيئة تحرير الشام
هيئة تحرير الشام

تكيف وانتظار 

ويظهر من متابعة الإصدارات الإعلامية لتنظيم القاعدة وفرعه السوري “حراس الدين” أن التنظيم الأخير رغم ضعفه لا يزال مصرًا على التكيف والاستمرار في الوجود داخل الساحة السورية التي تُشكل أحد أهم الساحات بالنسبة له.

ودعت قيادة تنظيم القاعدة مقاتلي حراس الدين في أكثر من مناسبة لاتباع سياسة الصبر على البلاء في مواجهة ما يرونه من هيئة تحرير الشام، لكن من غير المؤكد أن تلك السياسة ستستمر في الفترة المقبلة إذ ربما يلجأ التنظيم إلى التصعيد واتباع نمط المواجهة الشاملة مع الهيئة.

ويرجح مراقبون أن يلجأ “حراس الدين” إلى اتباع أسلوب العمليات الأمنية النوعية الي تشمل تنفيذ اغتيالات للشخصيات القيادية، واستهداف مقرات وارتكازات محددة بعمليات تفجير ونسف، حال قرر اتباع نمط المواجهة الشاملة مع هيئة تحرير الشام، خصوصًا في ظل الضغط المستمر الذي تفرضه الهيئة عليه جراء الحملات الأمنية المتواصلة، والتي أسفرت عن اعتقال العديد من قياداته وعناصره البارزين، ما ينذر باستمرار الصراع الحاصل بين الجانبين في المستقبل القريب.

للمزيد: في مسيرة قصيرة جدًا.. أبومحمد الجولاني: طقوس من التحولات المضغوطة

هيثم سعيد

صحفي مصري مهتم بشؤون الحركات الإسلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى