زوايا

تحولات مفهوم المواطنة في عهد الأسرة العلوية

 مع مطلع العصور الحديثة، وفي القرن الثامن عشر تقدمت أوربا في كافة المجالات، وطرحت مشروعها للحداثة كمشروع كوني، وقد ظهر أمامه مدى عجز البناء التقليدي للمجتمع المسلم في مسايرة تقدم هذه الحداثة، وبالأخص مفهوم المواطنة، وبدأ انتقال آثار الحداثة إلى العالم الإسلامي في كافة المجالات مع القرن الثامن عشر،  وهو ما طرح العديد من الأسئلة عن كيفية تلقى الفقه للحداثة، فإذا كان الفقه يسيطر على حركة الاجتماع البشري في حضارة الإسلام من حيث التشريع فإن الفقه وقف في حيرة وعجز إزاء منتجات الحداثة، فهو في الأغلب الأعم كان ينظر إليها على أنها منتجات حضارة كافرة، وكان يقيمها من منطلق الحلال والحرام، ومن هذا المنطق يمكن أن ننظر لموقف مُشرعي الله على الأرض، وكيف تلقوا منتجات الحداثة؟ وكيف حكموا عليها؟ وهل استطاع الفقه أن يساير تقدم العصر أم أن الفقه ظل يرسخ لأحكام الفقه القديم في مواجهة من التقدم الحداثي؟.

 إن الصراع بين الفقه والحداثة هو صراع بين الفقهاء الذين يملكون حركة التشريع والفتوى في مواجهة تطور حركة الاجتماع السريعة التي أحدثتها منتجات الحداثة في كافة المجالات فهل يستطيع الفقهاء أن يسجنوا تطور حركة الاجتماع لصالح سيطرة الروحي على الزمني، أم أن الاجتماع البشري ظل راغباً في تحرير نفسه من سلطة الفقهاء ليخلق قوانينه وتشريعاته الخاصة بعيداً عن سلطة الفقه، ولتفرض الحداثة سطوتها على الواقع بما تملكه من تقديم المنافع والمصالح المتطورة للإنسان والبشرية.

 والسؤال الذي يطرح نفسه علينا الآن كيف سقطت أحكام أهل الذمة مع رياح الحداثة ؟ وكيف تم ترسيخ مفهوم المواطنة بديلاً عن تمايز الجماعة المسلمة ضد أهل الكتاب؟ الواقع أن مشروع الحداثة لدى الأسرة العلوية أسهم في تواري فقه أهل الذمة في مصر في موقفهم من أهل الكتاب، وذلك نتيجة لانفتاح التجربة العلوية على تجربة الحداثة الأوربية، ولم يكن الانتقال من أحكام أهل الذمة إلى قيمة المواطنة الحديثة بالأمر السهل واليسير، فلم يحدث الانقلاب بين يوم وليلة، ولكنه تم تدريجياً، حيث لم يتخل محمد على كلية عن أحكام أهل الذمة” ففي عام 1817 أصدر محمد علي قراراً إلى الأقباط والأروام بأن يلزموا زيهم من الأزرق والأسود، ولا يلبسون العمائم البيض لأنهم خرجوا عن الحد في كل شيء، ويتعممون بالشيلان الكشمير الملونة الغالية الثمن، ويركبون الراهونات والبغال، وأمامهم وخلفهم الخدم، وبأيديهم العصى يطردون الناس عن طريقهم، ويلبسون الأسلحة، وتخرج طائفة منهم إلى الخلاء، ويعملون لهم شأناً يضربون عليه بالبنادق الرصاص”(أنظر كتاب جاك تاجر أقباط ومسلمون ،الهيئة المصرية العامة للكتاب ص 242).

 ولكن مع كل ما سبق كانت أجواء التسامح تسود فترة محمد على إزاء الكتابيين فلم يكن هناك أي تعرض لمضايقة الأقباط” قال الأسقف القبطي الكاثوليكي بالقاهرة، إن التحسن في هذه الناحية لا يكاد يصدق، إذا كانت العقيدة المسيحية فيما مضي تُعرض الفرد لمضايقات لاحد لها، وكان إظهار أية علائم  مسيحية لخطر شديد، ولكنه يخرج الآن في كل وقت والصليب على صدره، وعصا الأسقفية في يده دون أن يلقي أي مضايقة، وليست هذه الحالة مقصورة على العاصمة وحدها فإن القبط يؤدون شعائرهم الدينية في حرية تامة حتى في المدن الصغرى، ويبدي ولاة الأمور استعداهم لتلبية النداء على الفور عند بادرة من بوادر التدخل في طقوس المسيحيين، وفيما يجب عليهم مراعاته من شئون دينهم”كما أن محمد على لم يحل بين أهل الذمة وبين ممارسة طقوسهم الدينية، ولم يرفض للأقباط أي طلب تقدموا به لبناء أو إصلاح الكنائس.

محمد علي باشا
محمد علي باشا

وعلى الرغم من قرار محمد على بالإبقاء على الجزية والزي الخاص بالذميين إلا أنه كان يحسن معاملة القبط، وحقهم في ممارسة طقوسهم بحرية ” ففي عام 1825 أي قبل فتح إبراهيم باشا بلاد الشام يوصى محمد على متسلم غزه بالقبط الذين يريدون الحج إلى القدس، وألا يدع أحد مجالاً في التدخل في شؤونهم، وكان محمد على أول حاكم مسلم منح الموظفين الأقباط رتبة البلدية، واتخذ مستشارين من أهل الذمة، “وفي عام 1845 حدث شجار بين حَمار مسلم ومزارع قبطي، فسب المزارع الحَمار الذي ذهب يشكو أمره إلى السلطات فما كان من حاكم دمياط إلا أن أمر بضرب القبطي خمسمائة ضربة والطواف به في الحي النصراني ليهان من الجميع، ولما علم محمد على بهذا الحادث أرسل أحد كبار ضباطه الذي أمر بسجن حاكم دمياط خمس سنوات في قلعة أبي قير، وتغريمه مبلغاً كبيراً من المال” (جاك تاجر ،مسلمون وأقباط ص243) .

وعلى الرغم من دلائل التسامح الواضحة التي امتاز بها عصر محمد على، إلا أنه لم يكن باستطاعة الأقباط أن يدعوا بأنهم على قدم المساواة مع المسلمين” فقد حثّ والي مصر الكولونيل سيف (سليمان باشا) إلى اعتناق الإسلام حيث لا يجوز لغير المسلم بأن يتولى قيادة الجيش، ولا شك أن الوالي كان يعلم أن الوقت لم يحن ليقطع صلته كلها بالتقاليد القديمة، وقد أفهمنا الجبرتي في معرض رثائه لأحد المباشرين النصارى يدعي عبود أن الباشا كان يحبه ويثق به، ويقول لولا الملامة لقلده الدفترادارية، وهذا الاعتراف الصريح يحدد بوضوح موقف الوالي من الذميين، ولكن يجب أن نلاحظ أيضاً أن محمد على كان هو الآخر  لا يرى في الأقباط إلا مباشرين ومحاسبين ممتازين، فلم يحاول أن يدخلهم الجيش النظامي، ولا أن يعلمهم التعليم الحديث، ومن الملاحظ أن أول بعثة علمية إلى فرنسا كانت خالية من الطلبة الأقباط مع أنها كانت تجمع عدداً من المسيحيين”.

 وفى عهد محمد علي وأسرته انفتحت مصر على مصرعيها لأجناس وألوان مختلفة من البشر من الغرب ، والأتراك والشوام، وذلك لأنه أراد إصلاحاً وتطويراً في وجه الحياة المصرية، مما جعل من مصر منارة للحرية في تلك الفترة التاريخية” فقد تميزت مرحلة محمد على- وأسرته من بعده – بالانفتاح على مختلف التيارات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي سادت القرن التاسع عشر خاصة الأوروبية منها، وذلك بحكم الترابط الوثيق مع فرنسا إبان حكم محمد على، ومع بريطانيا ودول أوروبية أخرى إبان حكم خلفائه من بعده، فقد تدفقت أعداد المهاجرين الأجانب من مختلف البلدان الأوروبية، وشهدت المدن المصرية هجرة كثيفة من مشرق العرب ومغربهم”.

وقد اضطر محمد علي تحت ضغط الحاجة للغات الأجنبية إلى وجود من يتقن اللغات الأوروبية والعربية معاً، ولذا” ظهر دور الشوام خاصة المسيحيين منهم، بمثابة سد لثغرة كبيرة في حفظ التنمية التي أرادها محمد علي وخلفاؤه، فكثير من السوريين لهم مهارة ومرونة ونشاط، ويتكلمون بكثير من اللغات، ولذلك يبرعون في أعمال البورصة والبنوك والصرافة، ولهم حظوة لدى محمد علي باشا الذي كان يغدق عليهم بسخاء “وقد لعبت ثقافة الشوام دوراً بارزاً في تعزيز دور ومكانة الشوام في عهد أسرة محمد على بمصر، كما تم توظيف العديد من الشوام في أعمال الترجمة من أجل الاطلاع على منجزات الأوربيين العلمية والأدبية، والاستفادة منها في كافة المجالات من أجل بناء الدولة المصرية.

وقد أسهم الشوام في نقل العلوم والمعارف في كافة مجالات الحداثة، وأسسوا في مصر المجلات والجرائد لتخدم كل أشكال الحداثة،” وعلى الرغم من السمة الطائفية لهجرة الشوام إلى مصر، إلا أن المجتمع المصري بما عرف به خلال هذه المرحلة من انفتاح طائفي وسياسي واجتماعي، ونبذ حركات التعصب، جعل المهاجرين الشوام فئة متميزة على أساس الغنى والجاه والارتباط بالمصالح الأوروبية “.

ويعود الفضل إلى سعيد باشا والخديوي إسماعيل في إدماج المسيحيين في صلب الأمة المصرية حيث قرر سعيد باشا إدخال المسيحيين في الجيش، وتطبيق قانون الخدمة العسكرية عليهم، وكان سعيد يعتقد أن الأقباط إذا حملوا السلاح للدفاع عن وطنهم، وخضعوا إلى نفس الواجبات التي يؤديها المسلمون اكتسبوا نفس الامتيازات التي يتمتع بها مواطنوهم، ونتيجة لتحمل الأقباط درجة من الاضطهاد في الجيش، وكراهيتهم للتجنيد، تراجع الخديوي سعيد، وأعفى الأقباط من الخدمة العسكرية، كما أن سعيد باشا ألغى الجزية المفروضة على الذميين بأمر أصدره في ديسمبر 1855 كما أنه عين مسيحياً حاكماً للسودان ،وكان هذا التعيين خطوة في طريق التسامح، وهذا التسامح كان هدفه افادة البلاد من كل الكفاءات مهما كانت الديانة التي ينتمي إليها، كذلك سمح الخديوي سعيد  للجنود المصريين أن يمارسوا ديانتهم المسيحية علانية.

الخديوي سعيد ألغى الجزية وأدمج المسيحيين في الجيش
الخديوي سعيد ألغى الجزية وأدمج المسيحيين في الجيش

وقد قرر الخديوي إسماعيل علانية ورسمياً المساواة بين الأقباط والمسلمين ، وذلك بترشيح الأقباط لانتخابات أعضاء مجلس الشورى، ثم تعيين أقباط قضاه في المحاكم كما ناقش مجلس شورى النواب سياسة الحكومة التعليمية، وأنه يجب على المدارس الأميرية أن تقبل أولاد المسيحيين والمسلمين بدون تفرقة، كما أعاد إسماعيل تجنيد المسيحيين مرة أخرى في الجيش المصري، ولم يرجع في قراره مثل الخديوي سعيد.

وكان يصاحب القرارات السياسية لتطوير المجتمع وتأصيل الحداثة حركة فكرية موازية لذلك فكان لأثر الحداثة على البناء التقليدي للمجتمع ملامح مؤثرة حتى في تطور الفكر الديني، وتطور نظرة الفقهاء إلى الحداثة، وإلى مصالح المجتمع المسلم، حيث رأي رجال الدين مدى التخلف الذي عليه مجموع الأمة الإسلامية، وكيف أن الغرب قد استغلّ حالة الضعف التي عليها هذه الأمة فطمع في احتلال أراضيها، ونهب ثرواتها تحت مسمى تمدين هذه الشعوب، وبناء على ذلك فقد خرج من رجال الدين من يروج للحداثة من منطلق ديني خالص، فبرر رفاعة الطهطاوي للوالي محمد على سعيه نحو تحديث مصر بالعلوم الحكمية الدنيوية، ومحاولاً تأصيل ذلك من خلال النصوص الشرعية، ورأى أن الأزهر لم يستطع تعميم أنوار المعارف في تعليم علوم الحكمة التي لها نفع كبير على الوطن، ولذلك فنحن في حاجة إلى البلاد الغربية في كسب ما لا نعرفه حتى نتقدم، فأسهمت الحداثة في إعادة النظر في الفكر الديني السائد، وفي عقلية الشيوخ الجامدة فانطلق اتجاه التجديد في الفكر الإسلامي إلى عملية الإصلاح في هذا الفكر، وحاول الطهطاوي أن يؤصل لمفاهيم المواطنة والحقوق المدنية والحداثة والحرية من داخل النسق التقليدي الديني، وأن يبرز أن مفاهيم الدولة الحديثة السائدة في الغرب ليست غريبة عن الفكر الديني السائد لدينا، ولا شك بأن الطهطاوي وهو يحاول نقل المكتسبات الليبرالية كان يعيد قراءة الفكر الديني التقليدي بصورة جديدة لصالح منافع البشر، وإظهار أن هذا الفكر الديني لا يتعارض مع مستجدات الحداثة ،وعمليات الإصلاح التي يقوم بها الوالي.

واستمر التحديث في حركة الاجتماع في مواجهة مع الجمود الديني، فحين عول إسماعيل على الأزهر في تحديث القضاء حين زادت الضغوط الأوروبية عليه – إزاء القضايا التي تتعلق بالأجانب في مصر – طلب من علماء الأزهر أن يسعفوه بتصورات حديثة للقوانين حتي لا يضطر إلى الأخذ بالقوانين الأوروبية فلم يسعفه الأزهريون في ذلك، واضطر الخديوي إسماعيل أن يؤسس للمحاكم المختلطة عام 1875، فأسسها نوبار باشا وذلك ليتقاضى أمامها رعايا الدول الأوروبية لأن المعاهدات الدولية تمنع محاكمة المواطنين الأوروبيين أمام القضاء المحلي المصري لأنه قضاء شرعي، ليصبح لدينا ازدواجية في والقضاء والتعليم معاً، ازدواجية عنوانها المدني يجاوز الديني، والحداثي يجاوز التقليدي، بسبب عجز الفقه الديني عن مسايرة التطور الاجتماعي(أنظر حلمى النمنم الأزهر ..الشيخ والمشيخة ،الهيئة المصرية العامة للكتاب ،مكتبة الأسرة 2012 ص173).

وكذلك انفتح المجتمع المصري على الأتراك، وهاجر العديد من الأتراك إلى مصر، وتزوج معظم باشوات مصر من السيدات الأتراك، “وفي عهد محمد علي باشا وأسرته أخذت مظاهر الثقافة التركية مثل الموسيقي والزي واللباس والمأكل والمشرب وأسلوب المعيشة تنتشر في مصر شيئاً فشيئاً ولا سيما في المدن الكبرى بين طبقات الشعب المختلفة”، وكان من أهم التشريعات القانونية التي أدت إلى اندماج الأتراك والشوام مع المصريين برباط واحد هو قانون المواطنة الذي صدر عام 1899 ثم جرى تعديله في شهر يونيه من العام التالي، وتقول المادة الأولى منه ” يتمتع بحق المواطنة المصرية كل من توطن القطر المصري قبل أول يناير 1848م وحافظ على محل إقامته فيه، والأبناء المولدون لأبوين من الرعايا العثمانيين المقيمين في مصر ، وأفراد الرعاية العثمانيين المولدون في مصر، ويقيمون فيها، ويقبلون الدخول في القرعة العسكرية المصرية”، والواقع أن قانون الانتخابات الذي صدر أول مايو 1882 أي قبل قانون المواطنة كان يعترف بحق الانتخاب لكل من ولد في مصر أو أقام فيها عشر سنوات، وهذا الحق تم الاعتراف به بعد ذلك كان لكل عثماني يولد في مصر بموجب القرار الذى أصدره مجلس النظار عام 1900م، وليكشف بذلك عن روح التسامح والحرية التي كانت سائدة في مصر في تلك الفترة التاريخية .

ونتيجة للإصلاحات المستمرة التي أحدثها مفهوم المواطنة الجديد الذي جاءت به الحداثة ، فقد صدر قانون المواطنة عام 1899، والذي يمنح حق المواطنة لكل من توطن في القطر المصري قبل أول يناير 1848 إلا أن كل هذه الإصلاحات لم تكن تعجب الشيوخ في مصر ففي عام 1908 كتبت جريدة الحزب الوطني مقالاً بقلم الشيخ عبد العزيز جاويش عنوانها “الإسلام غريب في بلاده” وكان ذلك فاتحه لنزال عنيف بين الصحافة الإسلامية والصحافة القبطية.

الشيخ عبد العزيز جاويش
الشيخ عبد العزيز جاويش

وفي تلك الفترة التاريخية حقق اليهود الازدهار على المستوي الثقافي والاجتماعي في حقبة الأسرة العلوية إلا أن أغلب أنشطتهم الاجتماعية والثقافية كانت تدور في فلك الاعتزاز بتراثهم الديني ورعاية عشيرتهم دون الاقتداء بما يخدم المصلحة العامة في البلاد كالمسيحيين والمسلمين حينما كانوا يقومون بدور فعال في خدمة مصر بكل طوائفها، ولا يمكن إهمال بعض جهود اليهود التي كانت لهم اسهامات في الحياة الثقافية في القرن التاسع عشر من أمثال يعقوب صنوع (أبو نضارة)، وكلمنت مزراحي الذى نشر في عام 1897 كتاب (باريس وملاهيها وبنات الهوي فيها) كما أسس اليهود في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر الصحف وحاولوا الارتفاع بمستوي الثقافة في مصر، وأسسوا (الجمعية الخيرية الاسرائيلية ) وهى من أهم الجمعيات التي كان لها نشاط مسرحي في مصر، وأسسوا جمعية التوراة الاسرائيلية، وكان من الواضح أن الجمعيات اليهودية كانت أنشطتها تعمل دائما على تربية جيل يهودي مثقف بثقافتهم يدين بالولاء لليهودية واليهودية فقط، وذلك بخلاف الجمعيات الخيرية المسيحية التي كان لها طابع اجتماعي وثقافي وديني لأبناء القبط وغيرهم من المسلمين أحيانا مثل جمعية (الإصلاح الاجتماعي والثقافي والديني لأبناء القبط) و(الجمعية الخيرية للموارنة الكاثوليك1880) و(الجمعية الأرثوذكسية بالإسكندرية ) و(جمعية المساعي الجديدة الخيرية القبطية 1888)، و(جمعية التوفيق القبطية تأسست )1891، والعديد من الجمعيات التي تقوم بدور نهضوي في كافة المجالات التعليمية والتربوية والخدمية، ولم يتسم المسيحيين بالانغلاق الذى كان يتسم به اليهود.

وقد لعب اليهود دورا بارزا في مصر في الأنشطة الاقتصادية المختلفة، وكانت لهم مشاريعهم التجارية الكبيرة ، ولعب اليهود دورا بارزا في صناعة السينما ، وفي انتاج وتوزيع الأفلام، وذلك نتيجة لقافتهم الواسعة، وسيطرتهم في هذا المجال في السينما العالمية، وعمل العديد منهم في التمثيل والاخراج والتوزيع، وعلى الرغم من الدور البارز لليهود في مصر في كافة المجالات الثقافية والاقتصادية، إلا أنه بعد وعد بلفور عام 1917بتأسيس وطن قومي لليهود على أرض فلسطين بدأ النزوع التدريجي لليهود من مصر

وانتصرت تطور حركة الاجتماع والتحديث على أحكام أهل الذمة “فحين رفعت القيود الخاصة بالضرائب، والزي عن الذميين، وصاروا يعاملون شيئاً فشيئاً على قدم المساواة بالمسلمين، وبالفعل عندما أدخل الولاة النظام الدستوري لم يسعهم إلا أن يعتبروا الذميين جزء لا يتجزأ من تاريخ الدولة، والاعتراف لهم على هذا الأساس بنفس الحقوق والامتيازات التي يتمتع بها المسلمون، ثم جاء دستور 1923 لينص على المساواة التامة بين جميع المصريين أياً كان دينهم أو عقيدتهم ، كما ينص على حريتهم في ممارستهم لشعائر دينهم وقبولهم بالوظائف الحكومية، وجرت التقاليد فوق ذلك في أن يكون في أعضاء مجلس الوزراء قبطي”، والواقع أن هذا التطور الكبير في وضعية الحداثة وعلاقتها بالفقه قد أسهمت في فتح باب الحرية في مصر، فقد هاجر العديد من المسيحيين الشوام إلى مصر، وساهموا في حركة النهضة في مصر في كافة المجالات، حيث كان يعاني هؤلاء المسيحيون من الاضطهاد من قبل الدولة العثمانية ، وكانت معظم أنشطتهم الفكرية والثقافية والعلمية والاقتصادية تصب نحو تأصيل وتعميق الحداثة والدولة المدنية في مصر، ولكن السؤال المهم هو: هل استطاعت المواطنة الحديثة أن تنهي آثر البنية التقليدية حول أحكام أهل الذمة ؟ أم أن الوعى  التقليدي القديم مازال راسخا في العقول ؟

اقرأ أيضا: بين لاهوتين: تنوير “الكواكبي” وتأسيس السلطة الدينية

د. أحمد سالم

أستاذ الفلسفة بجامعة طنطا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى