تداعيات جائحة كورونا على إيران

قراءة في الأسباب والنتائج

الملخص:

باتت الدولة الإيرانية خلال الفترة الأخيرة إحدى أبرز بؤر انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) حول العالم، بتعداد إصابات ووفيات يومية مرتفع عما حولها من بقية الدول، حتى وصل معدل انتشار الفيروس فيها في بدايات الأزمة العالمية إلى الثاني في العالم بعد الصين. وفي هذا الصدد، برزت عدة تساؤلات حول أسباب وعوامل تسارع وتيرة انتشار هذا الفيروس داخل ذلك البلد الآسيوي، الذي لا يفصله عن الصين سوى دولة أفغانستان، وكذلك تأثيره على علاقات النظام الخارجية اقتصاديًّا وسياسيًّا خاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب تداعيات ذلك على مستقبل النظام السياسي الإيراني نفسه. وتحاول هذه الورقة البحثية فيما يلي سبر أغوار هذه القضايا.

تقديم:

تشير الأرقام والإحصائيات التي أعلنتها وزارةُ الصحة الإيرانية إلى أن هناك 66 ألفًا و220 إصابة و4110 حالة وفاة حتى يوم 9 أبريل 2020 جرّاء انتشار فيروس كورونا المستجد داخل إيران، حيث يتسبب كورونا في وفاة العشرات يوميًّا داخل ذلك البلد.(1) 

بدأ فيروس كورونا الانتشار بشكل كبير داخل إيران خلال شهر فبراير الماضي بعد أن أعلنت وزارة الصحة في التاسع عشر من الشهر ذاته عن إصابة فردين بالفيروس في مدينة “قم” (شمال غرب البلاد) وجنوب العاصمة طهران. وبدأ الفيروس في الانتشار إلى بقية المحافظات الإيرانية (مثل: غيلان، ومركزي، وطهران). وأعلنت وزارة الصحة الإيرانية أن مصابي هذه المحافظات كانوا قد سافروا في وقت سابق إلى مدينة قم، مؤكدة أن الأخيرة هي “المركز الأصلي لانتشار” فيروس كورونا. ولم يمضِ أسبوعٌ واحد حتى انتشر المرض في جميع أنحاء إيران(2) إلى الحد الذي وصف فيه المرشدُ الإيراني “علي خامنئي” المرضَ بأنه “هجوم بيولوجي”(3) ضد بلاده.

إن العديد من الشواهد والدلائل تفسر لنا كيفية وأسباب الانتشار السريع لفيروس كورونا المستجد داخل إيران، ونتائجه الاقتصادية، وكذلك مستقبل تأثيره على السلطة السياسية الإيرانية، وهو ما سوف نتناوله خلال محاور الدراسة التالية:

اضغط.. على كل محور يمين الصفحة للقراءة
اضغط.. على كل محور لقراءة مضمونه
(1) “قم “الدينية نقطة الانطلاق الأولى لانتشار فيروس كورونا

تشكل مدينة قم الواقعة شمال إيران أحد أهم المقاصد الدينية للشيعة في إيران وخارجها. ويبلغ تعداد سكانها أكثر من مليون ومائتي ألف نسمة، حيث تُعد سابع أكبر مدينة من حيث التعداد السكاني داخل إيران.(4) وتشغل قم مكانة دينية مذهبية شيعية كبرى داخل إيران وخارجها؛ حيث إنها تُعد العاصمة الدينية للبلاد مع تعداد زوار بالآلاف يوميًّا؛ لاحتوائها على عدد من الأماكن الدينية المقدسة لدى الشيعة، مثل قبر فاطمة ابنة موسى الكاظم، الإمام السابع في المذهب الشيعي الاثني عشري الذي يعتقد به أغلبُ الشيعة في إيران. ولذا، فإنها تشكل أكبر حوزة مذهبية، خاصة مع وقوعها في شمال غرب البلاد.(5) 

لماذا شكلت قم انطلاقة الفيروس؟

يفد إلى مدينة قم الإيرانية سنويًّا ملايين الشيعة الزوار وآلاف الطلبة الدارسون من حوالي 130 دولة في العالم، كالعراق، ولبنان، واليمن، والصين، وبعض دول أوروبا كذلك. وقُدر عدد الطلبة في قم وحدها بأكثر من 52 ألف شخص. وسعت الحكومة الإيرانية خلال السنوات الماضية بشكل خاص إلى تعزيز التعاون الثقافي الديني بين الشيعة في الصين والحوزات الدينية في مدينة قم، وقامت بتسهيل إجراءات استقدام طلبة شيعة من الصين للدراسة فيها.(6)

كان الهدف الإيراني من ذلك توسيع الدور والنشاط الأيديولوجي للنظام داخل الأراضي الصينية؛ انطلاقًا من المعتقدات الرئيسية للنظام الإيراني التي ينص عليها الدستور نفسه. ولكن تحول هذا الهدف في وقت لاحق إلى أحد الأسباب البارزة لانتشار فيروس كورونا داخل مدينة قم، وتحولت الأخيرة إلى بؤرة الانتشار داخل إيران، فضلًا عن بعض دول الجوار. وأوضح لاحقًا رئيس جامعة العلوم الطبية في مدينة مشهد “محمد حسين بحريني”، في 24 فبراير، أن “تعداد الوفيات المرتفع بسبب كورونا في إيران يعود لوجود 700 طالب صيني في الحوزة العلمية بقم، والتي مهدت لانتشار هذا المرض”(7) وكان ذلك أحد أهم الأسباب الرئيسية التي شكلت من قم انطلاقة المرض.

يخطئ من يجزم بأن الطلبة الصينيين كانوا السبب الوحيد في انتشار فيروس كورونا في مدينة قم؛ فالأخيرة يقطنها عدد لا بأس به من رجال الدين ذوي الأعمار الكبيرة والأكثر عرضة للإصابة والوفاة بالفيروس، حيث إن أول إصابتين وحالتي وفاة كانتا بالفعل من كبار السن ومن مدينة قم(8). وبافتراض وجود عدد كبير من الطلبة الصينيين مصابين بالفيروس، ألم يكن من الممكن حصرهم واتخاذ الإجراءات اللازمة حيالهم؟

مقامات الشيعة في قم

مدينة قم تُعد واحدة من أكثر المدن الإيرانية التي يفد إليها المسافرون من دول الجوار والعالم للزيارة والدراسة الدينية وغير ذلك، كما أنها تحتوي على أماكن دينية تكتظ على مدار اليوم بالزوار، وَرَفَضَ رجال الدين إغلاقها حتى بعد استفحال الفيروس داخل المدينة، بعد مناشدات ومطالبات وزارة الصحة بإغلاقها. وكان هذا الرفض الأخير من أبرز الأسباب التي أدت إلى أن تتحول قم إلى منافس لمدينة ووهان الصينية في وقت سابق من حيث حجم انتشار المرض، وذلك قبل أن تُغلقها السلطات فعليًّا منتصف مارس الماضي، وينخفض تعداد الزوار تبعًا لذلك.

اللافت هنا أن ما جعل من العسير فرض حجر صحي على مدينة قم الإيرانية، هي أنها عمليًّا لا تخضع للسلطة التنفيذية، بل للدينية؛ لأن رجال الدين الشيعة في إيران يستمدون في الواقع شرعيتهم الدينية والسياسية من هناك، وهو ما ينطبق كذلك على العديد من الأماكن المشابهة الأخرى على الأراضي الإيرانية؛ ذلك لأن النظام الإيراني يغلب فيه حكم رجال الدين الذين يستمد نظام طهران قوته واستمراره من دعمهم له، إلى جانب أن هذه الأماكن المذهبية تمثل أهمية كبرى لدى الشيعة حول العالم.

(2) الانتخابات التشريعية وتسارع وتيرة انتشار الفيروس:

على الرغم من إعلان الصين وعدد من الدول الأخرى عن حالات إصابة كبيرة بفيروس كورونا المستجد على أراضيها، وبرغم إعلان طهران كذلك عن وجود إصابات بكورونا داخلها؛ إلا أن النظام الإيراني أصرّ على إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها، وهو ما كان يُنذر -آنذاك- بحدوث كارثة صحية في جميع المدن الإيرانية، وهو ما حدث بالفعل.

وما زاد الأمر سوءًا أن الانتخابات البرلمانية في إيران جرت تلك المرة في ظل ظروف لم تشهدها طهران منذ حرب الخليج الأولى (1980-1988). فقد شهدت العلاقات الأمريكية-الإيرانية أوج توترها بعد مقتل قائد فيلق القدس السابق “قاسم سليماني” في ضربة جوية أمريكية قرب مطار بغداد الدولي في 3 يناير الماضي. تبع ذلك محاولة النظام الإيراني تجميع أكبر قدر من أنصاره في الشارع لتشييع جنازة “سليماني”، وذلك على الرغم من أن فيروس كورونا كان قد ظهر بالفعل على المشهد الدولي وداخل إيران.

واستغل النظام الإيراني ذلك الحدث (مقتل سليماني) للدعوة إلى المشاركة في الانتخابات البرلمانية التي جرت بالفعل في 21 فبراير الماضي، حيث دعا المرشد الإيراني “علي خامنئي” الإيرانيين إلى المشاركة فيها “لإظهار وحدة الشعب الإيراني في مواجهة الأعداء”، على حد تعبيره، واصفًا الانتخابات بأنها “جهاد عام” وتعزيز لقوة البلاد.(9)

الانتخابات التشريعية في إيران

وبلغت نسبة المشاركة في هذه الانتخابات أكثر من 40%، حيث أعلن وزير الداخلية الإيراني “عبدالرضا رحماني فضلي”، أن تعداد من شاركوا في هذه الانتخابات 24 مليونًا و512 ألفًا و404 أشخاص.(10) وعلى الرغم من النظر إليها على أنها نسبة المشاركة الأقل منذ الثورة عام 1979،(11) إلا أنها كانت من أبرز العوامل التي تسببت في انتشار الفيروس داخل إيران عن طريق تجمع الملايين للتصويت فيها، واصطفافهم في طوابير انتظارًا للإدلاء بأصواتهم؛ ويتضح ذلك من الارتفاع الكبير في تعداد المصابين بالفيروس قبل وبعد هذه الانتخابات، حيث إن إيران أعلنت عن أول حالتي إصابة بالفيروس يوم الأربعاء 19 فبراير الماضي،(12) أي قبل إجراء الانتخابات التشريعية في 21 فبراير من الشهر نفسه، بينما ارتفعت أعداد المصابين بشكل مضاعف منذ اليوم الأول للانتخابات التشريعية حينما أعلنت السلطات الإيرانية عن وصول عدد المصابين إلى 18، ثم 43 مع اليوم التالي لانتهاء الانتخابات في 23 فبراير، ليصل إلى 593 مع نهاية الشهر نفسه، ثم إلى أكثر من 44 ألف حالة في شهر مارس.(13)

وكانت أخطر نقاط التجمع خلال العملية الانتخابية في إيران بمدينة قم التي امتدح “خامنئي” نفسُه نسبةَ المشاركة فيها في أول خطاب له بعد الانتخابات، قائلًا: “في الانتخابات، كانت قم واحدة من أكثر الدوائر ازدحامًا” بالمصوتين(14)، على الرغم من وصفه في الوقت نفسه إياها بأنها كانت “في قلب المرض”، في إشارة إلى فيروس كورونا. كما أعلن “عبدالرضا رحماني” أن نسبة المواطنين في قم الذين شاركوا في الانتخابات وصلت إلى 43%(15)، ما يجعلها، كما قال “خامنئي”، من أكبر الدوائر ازدحامًا وخطرًا؛ ذلك لأن أول ظهور لفيروس كورونا في إيران كان في مدينة قم، التي انتشر فيها بشكل كبير، ما جعلها تساعد على توسعه وانتشاره بشكل أكبر.

وبشكل عام، شكلت الانتخابات التشريعية في مختلف أنحاء إيران عاملًا خطيرًا ساهم بشكل كبير في تسارع انتشار فيروس كورونا داخلها، وهي البلد الآسيوي الذي لا تفصله جغرافيًّا عن الأراضي الصينية، التي بدأ الفيروس فيها، سوى دولة أفغانستان.

(3) فعاليات الذكرى الحادية والأربعين للثورة الإيرانية.
احتفالات الإيرانين بالذكرى الـ41 للثورة

أحيا الإيرانيون في 11 فبراير الماضي الذكرى الـ41 لمرور الثورة التي حدثت عام 1979. وعادةً ما تتسم هذه الاحتفالات في إيران بالشحن الأيديولوجي من قِبل النظام ضد من يسميهم أعداءه، كالولايات المتحدة الأمريكية وغيرها. لقد وجدت الاحتفالات هذه المرة ما يمكن أن يكون عاملًا مساعدًا يُسهّل استغلاله لتهييج المواطنين للمشاركة في هذه الذكرى. وكان هذا العامل هو مقتل “قاسم سليماني”. تزامنت ذكرى الثورة الإيرانية عام 2020 مع مرور حوالي 40 يومًا على مقتل “سليماني”، وهو ما استغله النظام الإيراني للحث على المزيد من المشاركة في هذه الاحتفالات.

وبحلول صباح يوم الثلاثاء 11 فبراير الماضي، شهد عدد من المدن الإيرانية احتشادًا لعشرات الآلاف من الإيرانيين(16) لإحياء ذكرى الثورة وأربعينية “سليماني”، وقالت مصادر إعلامية مقربة من النظام إن الملايين شاركوا في هذه الاحتفالات ضمن آلاف التجمعات الضخمة في مختلف المناطق الإيرانية بصحبة أكثر من 6 آلاف مصور محلي وأجنبي.(17)

لقد شكلت هذه التجمعات المليونية، كما وصفها النظام الإيراني، تربة خصبة لانتشار الفيروس بين الإيرانيين في جميع أنحاء البلاد؛ من حيث انتقاله من إنسان إلى آخر من خلال الاختلاط والتلامس، ومثلت تهديدًا خطيرًا للإيرانيين، خاصة وأن الفيروس كان قد انتقل قبل بدء هذه الاحتفالات في 11 فبراير إلى خارج القارة الآسيوية بالأساس، فقد أعلنت الولايات المتحدة، على سبيل المثال، في أواخر يناير الماضي تسجيل 5 حالات إصابة بفيروس كورونا حتى ذلك الوقت،(18) ثم أعلنت السلطات الإيرانية من جانبها في 19 من الشهر نفسه، أي بالتوازي مع الاحتفالات، عن أول حالتي إصابة بالمرض في واحدة من أكثر المدن أهمية لدى النظام وهي قم، وتوالت بعد ذلك الحالات لتصل في 20 فبراير إلى 5 حالات، ثم تتضاعف تلك الإحصائيات بعد ذلك خاصة مع بدء الانتخابات التشريعية.(19)

(4) العادات والتقاليد الشيعية ودورها في انتشار فيروس كورونا:

تُعد الكيفية التي تعامل بها كثيرٌ من رجال الدين في إيران على النقيض تمامًا مما تُلزم به الإرشادات الطبية، بل وحتى ما قالته وزارة الصحة الإيرانية نفسها. لقد انتقد رجال دين شيعة إيرانيون الدعوة إلى إغلاق المزارات والأماكن الدينية في عموم البلاد، ودعوا إلى استمرار عملها، على الرغم من خطورة ذلك. 

وربط رجال دين إيرانيون بين انتشار فيروس كورونا وقضية ظهور “المهدي”، وأنه ينبغي أن يُترك الأمر تمهيدًا لظهوره، حسبما قال بعضهم. فعلى سبيل المثال، رفض إمام جمعة مدينة مشهد الإيرانية وممثل “خامنئي” في محافظة خراسان “أحمد علم الهدى”، إلغاء صلاة الجمعة منعًا لانتشار فيروس كورونا، قائلًا إن إلغاءها ليس له ما يبرره، وإن “ذلك أمر من الله”. وأكد “علم الهدى” أنه على الرغم من تنفيذه أمر الحكومة إلا أنه غير مقتنع به لأنه “أمر غير مبرر”.(20)

واعتبر رجل الدين الإيراني المتشدد “حجة الإسلام بناهيان” أن فيروس كورونا “مقدمة لظهور المهدي”، وأنه ناتج عن “تقصير الإنسان في الدعوة ونشر المعرفة حول أهمية سيادة الولي الإلهي”، حسب قوله، في إشارة منه إلى مسألة ظهور “المهدي”.(21) ودعا العديد من رجال الدين في إيران المواطنين إلى زيارة الأماكن والمراقد الدينية من أجل طلب الشفاء من الفيروس، وكان من بينهم “علمُ الهدي” الذي حثهم على زيارة مرقد الإمام الرضا في مدينة مشهد وطلبِ الشفاء.

وإذا كان انتقاد رجال الدين في إيران لإغلاق المزارات والمراقد الدينية ودعوتهم لزيارتها أحد أوجه الأزمة؛ فإن التكدس بها في ظل ظروف انتشار فيروس كورونا يُعد وجهًا آخر لها ينبغي التوجه إليه والدعوة لتجنبه في ظل الظروف الحالية لفيروس كورونا الذي ينتقل عن طريق التلامس مع الأسطح أو التعرض لرذاذ شخص مصاب ولمس الأسطح المعدنية أو غيرها، ولذا فإن المزارات الدينية تُعد مكانًا خصبًا لنمو معدلات الإصابة بالفيروس.

وعندما دُعي لإغلاق هذه المزارات في قم وغيرها، رفض عديد من رجال الدين الإيرانيين ذلك، معتبرين أن الفيروس لا يمكن أن يصيب هذه الأماكن، بل إنهم دعوا للذهاب إليها من أجل الشفاء من كورونا. لقد أخطأت المراجع الشيعية في إيران عندما رفضت ذلك الإغلاق وعندما دعت المواطنين للذهاب إليها، الأمر الذي ساهم في نشر الوباء في الداخل الإيراني.

إننا يمكن أن نرى انعكاس سلبيات التكدس في الأماكن الدينية حاليًّا في الارتفاع غير العادي لأعداد ضحايا فيروس كورونا في مدينة قم الإيرانية التي وُصفت في بدايات الأزمة بأنها تحتل المركز الثاني في أعداد الإصابات بالفيروس بعد مدينة ووهان الصينية التي شكلت البؤرة الرئيسية للمرض. ولذا، فإن منشأ الفيروس لم يكن مكانًا ترفيهيًّا سياحيًّا أو اقتصاديًّا في إيران، بل ظهر في مكان للتجمع الديني تسببت بعضُ الآراء الدينية، التي رمت إلى استمرار الأنشطة فيه، في تحول المدينة إلى واحدة من أشد المناطق اكتظاظًا بمصابي وضحايا فيروس كورونا حول العالم.

تمر إيران في الوقت الحالي بأشد الأوقات صعوبة من الناحية الاقتصادية؛ خاصة بعد تفشي فيروس كورونا بها مع مطلع شهر فبراير الماضي. فقد أغلقت الدول المحيطة حدودها معها فور انتشار (كوفيد-19)، وأوقفت الدول الأخرى رحلاتها الجوية منها وإليها، سواء لأغراض التجارة أو السياحة أو غيرها، مما أدى لعزل إيران جغرافيًّا أكثر من أي وقت مضى.

ويأتي هذا بالتزامن مع العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران بسبب سلوك وسياسات نظامها إقليميًّا ودوليًّا. فمنذ عام 2018، أعادت الولايات المتحدة فرض عقوباتها مرة أخرى على إيران بعد خروجها من الاتفاق النووي في مايو من العام نفسه، حيث كان أغلبها يتعلق بالقطاع النفطي. وبدأ النظام الإيراني منذ ذلك الوقت في الاعتماد على الدول المجاورة له من أجل تهريب النفط أو بيع بضائعه، وكان من المتوقع أن يحصل من ذلك على 40 مليار دولار في عام 2020. وتسببت العقوبات الأمريكية في عودة الاقتصاد الإيراني للركود بشدة، وأعلن البنك الدولي أن الاقتصاد الإيراني انكمش بنسبة 9.5% عام 2019، وتوقع استمرار ذلك الانكماش خلال العام الجاري.(22)

ومع ذلك، فإن الأمور قد سارت إلى الأسوأ بعد ظهور كورونا بإيران، فقد عُزلت إيران اقتصاديًّا، ولم يصبح بمقدورها حتى تهريب النفط أو البضائع أو حتى التجارة مع شريكها التجاري الرئيسي الذي ضربه الفيروس، ألا وهي الصين. وتغيرت التوقعات والمؤشرات سلبًا بشأن الاقتصاد الإيراني منذ تفشي فيروس كورونا، فقد هبط سعر الريال الإيراني إلى أدنى مستوى له منذ عام أمام الدولار الأمريكي، حيث بلغ أكثر من 158 ألف ريال لكل دولار أمريكي واحد،(23) وباتت إيران تواجه نقصًا حادًّا في الأدوية والمواد الغذائية، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى إعلان تقديمه أكثر من 20 مليون دولار مساعدات إنسانية لإيران لمواجهة فيروس كورونا المستجد،(24) إلا أنه يُتوقع أن يستمر الاقتصاد الإيراني في التدهور خلال الأيام المقبلة؛ ما لم تحدث انفراجة مع الولايات المتحدة تُخفف بموجبها العقوبات. 

ترامب وخامنئي

أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عزمها تقديم مساعدات إنسانية إلى إيران لمواجهة تفشي فيروس كورونا المستجد بها، وأكد الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، خلال الاجتماع السنوي الكبير للمحافظين في ضاحية واشنطن، أنه “إذا كنا نستطيع مساعدة الإيرانيين في هذه المسألة، فنحن على استعداد بالتأكيد للقيام بذلك، الشيء الوحيد الذي يتعين عليهم القيام به هو طلب ذلك. سيكون لنا اختصاصيون رائعون هناك”.(25) وقال وزير الخارجية “مايك بومبيو”، إن واشنطن عرضت تقديم المساعدات إلى إيران لمواجهة فيروس كورونا، وإن “القنوات الإنسانية مفتوحة من جانبنا، وإن كانت سياسة أقصى درجات الضغط التي نتبناها لا تسمح بمنح أموال لإرهابيين”.(26)

وعلى الرغم من هذه العروض، إلا أن طهران رفضت هذه المساعدات بحجة “التآمر”. ووصف “علي خامنئي” هذه العروض بأنها “أمر غريب”.(27) ووضعت الحكومة الإيرانية شرطًا أمام واشنطن لقبول مساعداتها، ألا وهو أن تلغي الولايات المتحدة العقوبات المفروضة على طهران، وهو ما لا يلوح في الأفق في الوقت الحالي؛ حيث إنه يبدو صعبًا وغير مقبول لدى واشنطن، بسبب التجربة التي مرت بها مع استخدام النظام الإيراني للأموال في دعم الإرهاب داخل إقليم الشرق الأوسط وخارجه، بعد توقيع الاتفاق النووي في عام 2015، والإفراج عن مليارات الدولارات لصالح طهران.

وبعد رفض إيران الشديد لمثل هذه العروض الأمريكية التي كان يمكن أن تمثل بداية انفراجة مستقبلية في العلاقات بين البلدين، وفي ظل التصريحات العدائية شديدة اللهجة بينهما، والتطورات التي شهدتها الساحة السياسية بينهما عام 2019 وبداية 2020؛ فإن احتمالية أن تشهد العلاقات الأمريكية الإيرانية تحسنًا بعد أن ضرب فيروس كورونا مختلف المناطق الإيرانية يُعد أمرًا مستبعدًا في الأفق المنظور. 

حسن روحاني

نلاحظ مما تم استعراضه أن إحدى أكبر المعضلات التي واجهت عملية السيطرة على فيروس كورونا داخل إيران كانت الآراء الدينية المذهبية للعديد من رجال الدين هناك، ودعوتهم الأفراد إلى هزيمة الفيروس عن طريق الذهاب إلى المزارات والأماكن الدينية، مما ساهم بدور واضح في انتشار الفيروس حتى انتشر في مختلف أنحاء إيران.

وعلى الرغم من محاولة النظام الإيراني إضفاء هالة دينية مقدسة على حكمه؛ إلا أن فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) عمل على زعزعتها بعدما تسببت آراء علماء كبار وبارزين، ومنهم مقربون من “خامنئي”، في الانتشار السريع لفيروس كورونا داخل إيران عن طريق دعوتهم للتوسل بالأماكن المقدسة من دون أخذ الاحتياطات اللازمة، بل إن بعضهم لا يزال يدعو إلى عدم إغلاق المزارات الدينية حتى في مدينة قم، هذا إلى جانب تمسك رجال الدين الحاكمين بإجراء الانتخابات التشريعية على الرغم من تفشي الوباء داخل إيران.

إن دعوة بعض رجال الدين الإيرانيين إلى ترك الفيروس “تمهيدًا لظهور المهدي” أمر ينافي العقل والمنطق، ولم يجلب إلا مزيدًا من الضحايا داخل إيران. كما أن دعوة آخرين منهم إلى اللجوء إلى الأماكن الدينية لم يحلّ المشكلة، وهذا ما رآه الإيرانيون خلال الأسابيع الماضية. إن هذا كله لا يعمل إلا على نزع الصبغة الدينية عن الحكم والحكام في إيران، مما يُحتمل أن يدعو معه الإيرانيون إلى التشكيك في أركان نظرية ولاية الفقيه ذاتها التي يتخذ منها النظام الإيراني أساسًا وقاعدة، وذلك بعد سلسلة الدعوات والإجراءات التي اتخذها بعض رجال الدين الحاكمين، كما سبقت الإشارة إليه، والتي أدت للمزيد من تفشي الفيروس داخل إيران. 

من خلال ما تم التطرق إليه من نقاط سابقة، يمكن استنتاج ما يلي:

– مثلت المزارات الدينية في إيران عاملًا رئيسيًّا وخطيرًا في شيوع فيروس كورونا هناك للأسباب سالفة الذكر، وعلى الرغم من ذلك كان يمكن للسلطات الإيرانية أن توقف تحوله لحالة تفشٍّ من خلال إغلاق الأماكن الدينية، وإيقاف الزيارات إليها، وتأجيل الانتخابات التشريعية لوقت آخر؛ إلا أن ذلك لم يحدث، ونتج ما نراه من وفات العشرات يوميًّا داخل إيران بسبب الفيروس.
– ساهم فيروس كورونا في زعزعة الثقة في حكم رجال الدين في إيران؛ لأنهم كانوا أداة رئيسية في زيادة معدل الانتشار من خلال آرائهم بعدم إغلاق الأماكن الدينية واستمرار ذهاب الأفراد إليها، بل ومعارضة كثيرين منهم إلغاء صلاة الجمعة واتباع الإرشادات الصحية لتجنبه.
– يُتوقع أن ينكمش الاقتصاد الإيراني خلال العام الجاري بشكل كبير للغاية، بسبب العقوبات الأمريكية على مجالَيِ النفط والغاز والبنوك، وإغلاق دول الجوار حدودها مع إيران منعًا لانتقاله، مما يقودنا بالتالي إلى احتمالية أخرى هي أن تقبل إيران المساعدات من المؤسسات والدول الأجنبية تجنبًا للمزيد من الخسائر.
– ليس من المتوقع أن يُحدث كورونا انفراجة في العلاقات الأمريكية الإيرانية خلال الفترة المقبلة؛ بسبب ما تشترطه طهران من رفع للعقوبات عنها، وهو ما ترفضه واشنطن، بل يبدو أن الأزمة أشعلت الصراع مجددًا من خلال التصريحات المتبادلة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

دراسة

علي عاطف

باحثٌ في الشأن الإيراني

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم و جرافيك

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram