ترامب وجماعات المصالح

البيت الأبيض يمرّ من هنا!

منذ 4 سنوات مضت، وفي أثناء حملته الانتخابية كمرشح لم يسبق له المشاركة في السياسة الأمريكية، أثار دونالد ترامب إعجاب حشود مؤيديه عندما قطع وعدًا بـتجفيف مستنقعات الفساد وشبكات المصالح، إلا أنّه بمجرد وصوله إلى سدة الحُكم، لم يقتصر الأمر على عدم قضائه على انتشار مجموعات الضغط واستغلال نفوذ الساسة، بل إنه –ترامب- أعاد تشكيلها بحيث أصبحت فنادقه ومنتجعاته الخاصة أروقةً خلفية تختلط فيها الأعمال الخاصة بالعامة، وتسيطر عليها شبكات المصالح الشخصية.

توضح بيانات الإقرار الضريبي الخاصة بترامب وإمبراطوريته التجارية، والتي استطاعت نيويورك تايمز الحصول عليها، أنه في الوقت الذي استفاد فيه دونالد ترامب من صورته كرجل أعمال ناجح للفوز بانتخابات الرئاسة، كان هناك قدر كبير من ممتلكاته العقارية واقع تحت ضغوطاتٍ مالية، نظرًا إلى تراكم الخسائر على مدار العقود السابقة، وأن الوصول لسدة الحكم وفّر لترامب من المصالح ما لم يكن يمكن توفيره بعالم الأعمال، فعقب هذه الانتخابات، اكتشف آلُ ترامب مصدرًا جديدًا مربحًا لتجارتهم، يتمثّل في الأفراد الذين يرغبون في الحصول على خدمات من الرئيس، فقد توصّل تحقيق أجرته التايمز إلى أنّ أكثر من 100 شركة وأصحاب مصالح خاصة بالإضافة إلى حكومات أجنبية قد تكفلوا بدعم ممتلكات الرئيس الأمريكي في مقابل الاستفادة منه ومن إداراته. إلا أنّه لم يُبَلَّغ عن ربع هؤلاء الرعاة تقريبًا.

وإليكم استنتاجات رئيسة توصّلتْ إليها الصحيفة في تحقيقها الموسع حول شبكات المصالح التي تورطت في دعم ترامب للحصول على خدماته. تكشف النيويورك تايمز أن نحو  60 عميلاً من المنتفعين، والتي كانت مصالحهم معرضة للخطر قبل إدارة ترامب، دفعوا مبالغ تقرب من 12 مليون دولار خلال أول عامَين من تولي ترامب منصب الرئاسة، وقد كشف التحقيق عن غالب أفراد هذه المجموعة ازدرهت مصالحهم الخاصة بفضل الرئيس الأمريكي أو حكومته.

ترامب وشبكة المصالح

ومن خلال مقابلات أجرتها التايمز مع 250 فرد من المديرين التنفيذيين وأعضاء النادي وجماعات الضغط، وموظفين في ممتلكات ترامب ومسؤولين حاليين وآخرين سابقين في الإدارة الأمريكية، قدم الأخيرون وصفًا تفصيليًّا لكيفية استفادة أفراد شبكة المصالح هذه من ترامب وإدراته.

وقد صرّح الكثيرون في هذه المقابلات بأن هؤلاء الرعاة قدموا بالفعل لترامب دعمًا مفتوحًا، ولم تكن النتائج مضمونة، إلا أنهم سواء أستفادوا أم لا،  فالحقيقة هي أن ترامب كان المستفيد الأكبر، فاشتملت مدفوعات شبكة المصالح هذه على دعم متنوع بدءًا من الإنفاق على تجمعات عمل ضخمة حتى مباريات جولف ووجبات لحوم، وإقامة الحفلات الرسمية. ففي أثناء حملة ترامب الرئاسية وخلال الأشهُر التي سبقت حفل تنصيبه، أعلنت مجلة نادي “مار ألاجو” بولاية فلوريدا –الذي يملكه ترامب– عن انضمام نحو 100 عضو جديد، وكان لعدد من هؤلاء مصالح تجارية ضخمة في واشنطن. وتشير سجلات الضرائب إلى انتعاش خزائن النادي بما يقرب من 6 ملاين دولار كرسوم عضوية في عام 2016 فقط.

صورة: عشاء عمل يجمع بين دونالد ترامب وآخرين في نادي "مار ألاجو"
مؤسسة ترامب

كان الرئيس ترامب قد أعفى نفسه من المشاركة في مؤسسة ترامب، أو في أعمال شركته الخاصة، إلا أنه عقب توليه الرئاسة، استمر في متابعة الأملاك التي تديرها الشركة، والتي يديرها حاليًّا ابناه إريك ودونالد الابن. وعندما كان يمر ترامب على “فندق ترامب الدولي” بولاية واشنطن، عادةً ما كان يخبر المديرين التنفيذيين أنه على اطّلاع دائِم على أدائهم.
كما كان يخطر الأعضاء القُدامى بالنادي بأنه ينبغي عليه زيادة الرسوم على المجموعات التي تسعى إلى الانضمام للنادي. وهو ما نفّذه مرتين بالفعل.

ومن وقتٍ إلى آخر، كما صرّح مسؤول سابق بالإدارة الأمريكية، تحدّث إريك ترامب مع والده حول مجموعات بعينها حجزت فعاليات بنادي “مار ألاجو”. وأيضًا، بينما كان ترامب يتفقد امبراطوريته التِّجارية من داخل البيت الأبيض، اطلع من حين إلى آخر على بعض التفاصيل من قوائم عضوية ناديه.

فنادق الرئيس الأمريكي!

عندما كان يذهب الرئيس ترامب إلى فندقه الخاص بواشنطن للعشاء، كان الخبر ينتشر على الفور، وكان الناس ينتظرون بالساعات في حانة الفندق على أمل الاجتماع معه ولو لفترة وجيزة. بل تحدث بعض الأعضاء بنادي “مار ألاجو” مع ترامب لكي يقضي بعضًا من الوقت في ناديه الخاص؛ وفي أثناء تناول الوجبات، يصطف الناس حول مائدته.

كما اعتاد الضيوف وكذلك أعضاء النادي شكر ترامب على استضافتهم. وصرّح فيرناندو كوتز، وهو مساعد سابق للأمن القومي اعتاد زيارة النادي مع ترامب،بأن “الناس كانوا على دراية  بميعاد وصوله، وكانوا يتوقعون وجود ترامب بالـ”مار ألاجو”، وبالتالي كانوا إما يحضرون ضيوف معهم، وإما يأتون بفكرة أو مسألة ما للرئيس كي يتدخل لحلها”، ذلك بالإضافة إلى أن فرص وجود ترامب في الجوار كانت جيدة، حيث زار ترامب فنادق ومنتجعات العائلة لقرابة  400 يوم متقطعة منذ توليه الرئاسة.

تبرعات.. ومصالح

أشارت التحقيقات إلى تفاوت انتماءات الرعاة الذين يدعمون ترامب على نحو واسع، فقد ظهر سياسيون أجانب وملوك صناعة السُكر في فلوريدا بجانب ملياردير صيني وأمير صربي، وهواة الطاقة النظيفة وخصومهم من قطاع صناعة النفط، حيث  وفّرت لهم إدارة ترامب التمويل والقوانين والأراضي، وعيّن ترامب بعضهم في مناصب مهمة، ووفّر لهم الوظائف، وأصدر لهم توجيهات رئاسية، حتى إنّه ذكرهم في تغريداته. كما نظّمت أكثر من 70 مجموعة دعم وهيئات تجارية وحكومات أجنبية فعالياتٍ داخل ممتلكات ترامب، في حين كانت تُعقد في أماكن أخرى في الماضي، حتى إنّهم ابتكروا فعالياتٍ جديدة أنعشت تجارة ترامب بالدولارات.

علاوةً على ذلك، سدد متبرعون لترامب أموالاً في مقابل الحصول على امتياز المشاركة المالية في حملته الانتخابية وفي اللجان العليا للعمل السياسي. حضر ترامب 34 حفلة جمع تبرعات في فنادقه ومنتجعاته، ما درّ عليهم 3 ملايين دولار أخرى. وبين الفينة والأخرى، طلب ترامب من المتبرعين، واحدًا تلو الآخر، أن يخبروه بما أرادوا الحصول عليه من الحكومة.

المحافظون المتدينون

تقريبًا منذ تولي ترامب الرئاسة، كان فندقه في واشنطن مركزًا رئيسًا للتجمعات الدينية وحفلات جمع التبرعات والجولات. وكلها فعاليات ساهمت في تحويل أكثر الناخبين ولاءً لترامب إلى بعض عملائه الأكثر موثوقية. فمُنِح قساوسة بروتستانت بارزون صفة كبار الشخصيات داخل الفندق-كما حكى موظفون سابقون- بأن وُزِّعت أسماؤهم وصورهم على أطقم العمل، كما نُفِّذ الأمر ذاته مع كبار المُشرِّعين المنتمين إلى الحزب الجمهوري ومع أعلام قناة فوكس التليفزيونية، والذين أنفقوا ببذخ.

وخلافًا لنهج أرباب الأعمال والمجموعات التجارية، ربط العديد من المحافظين المتدينين بجلاء دعمهم لتجارة ترامب بالبرنامج الاجتماعي المحافظ الخاص بإدارته. وعبّر بعضهم في مقابلات عن امتنانه لترامب نظرًا إلى حجم الدعم الذي قدمه إلى المسيحيين البروتستانت، في قضايا تخص الإجهاض والقضاة وإسرائيل، وأمور أخرى.  

وقد صرّح شارون بولان، مسيحي بروتستانتي من مدينة “دالاس” ينتمي إلى مجموعة ترامب للقادة الدينيين الوطنيين، قائلاً: “إن استطعنا دعم هذا الرئيس من خلال تناول العشاء أو الإقامة في الفندق، سنفعل ذلك”.  

أحد القساوسة يصلي للرئيس ترامب عقب قداس يوم الأحد في إحدى كنائس ولاية آيوا

في تحقيقها المذكور سابقًا تعرّفت “نيويورك تايمز” على أكثر من 20 مسؤولاً أجنبيًّا وسياسيين ورجال أعمال أو مجموعاتٍ تنتمي إلى حكومات خارجية، عقدوا فعاليات في ممتلكات ترامب أو دفعوا مقابل الإقامة في فنادقه، لأن فرصة الاجتماع مع الرئيس الأمريكي قد تُعد انتصارًا دعائيًّا بالغًا للساسة الأجانب الذين يحتلون أدنى المراتب في السلم السياسي الأمريكي.

على سبيل المثال، في الربيع الماضي، تقابل رئيس سادس أكبر حزب سياسي في رومانيا مع ترامب في حفل نظمه جمهوريون محليون. ونقل بعض السفارات الحفلات السنوية أو أعياد الاستقلال الخاصة إلى فندق واشنطن. وعندما مرّت رئيسة وزراء الجزء الصربي في البوسنة، جيليكا سفيجانوفيتش، بالفندق وقابلت كيليان كونواي وسارة هاكابي ساندرز، أصدرت بيانًا صحفيًّا أعلنت فيه أنه “في اليوم الأوّل من زياراتها إلى واشنطن، تقابلت رئيسة الوزراء سفيجانوفيتش مع أقرب شركاء الرئيس الأمريكي”.

رئيسة وزراء الجزء الصربي بالبوسنة، جيليكا سفيجانوفيتش مع مسؤول أمريكي بارز

كثيرون ممن سعوا إلى الحصول على مساعدات من إدارة ترامب لم يخجلوا من الإعلان عن وصولهم إلى مملكة الرئيس الأمريكي. ويكشف تحقيق نيويورك تايمز عن مئات المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تخص الرُعاة الذين سعوا بحماس لتوثيق زياراتهم إلى ممتلكات الرئيس، علاوة على مجموعة من المقالات الإخبارية المنشورة والتي تحدث فيها الرُعاة بصراحة عن وصولهم  إلى الرئيس.

* المقال الأصلي من إعداد فريق نيويورك تايمز
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

ترجمة

محمد صبري

مترجم مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram