ترامب يفتح هويس سد النهضة

ثبات في القاهرة.. وأديس أبابا تفقد اتزانها

أحدثت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن سد النهضة ردود فعل متسارعة، خاصة أنها اتسمت بغضب واضح من جراء إقدام إثيوبيا على إكمال المشروع دون أخذها في الاعتبار المخاوف المصرية الحقيقية التي أبدى ترامب تفهمًا وتعاطفًا معها، هو الأوضح دوليًّا منذ نشوب الأزمة.

وزاد ترامب الأمر سخونة بتأكيده على أن الوضع “بالغ الخطورة ولا يمكن لمصر أن تواصل العيش في ظله، وأنها قد تلجأ إلى ضرب السد”، معربًا ضمنيًّا عن تفهمه لمثل هذه الخطوة إنْ تمت.

السيسي وأبي أحمد
ردود إثيوبية متهورة

وفيما حظيت تلك التصريحات بترحيب حذر من متخصصين مصريين في هذا الشأن، وما دلت عليه من تكريس وتجسيد للعلاقة الوطيدة بين الرئيسين ترامب وعبد الفتاح السيسي، يتمتع بأهمية من ناحية التوقيت، فإن أديس أبابا استقبلتها بغضب كبير من اللحظات الأولى لها، تراكم حتى اللحظة في بيان ملتبس صادر عن مكتب رئيس الوزراء حمل عنوانًا مطولاً نصه أن السد “تأكيد لالتزام إثيوبيا باستخدام عادل ومسؤول لنهر آباي”، وبعد مقدمة “رومانسية” عن النهر واستخدامه وتلبية السد لتطلعات أجيال من الإثيوبيين، دلل تعبير إثيوبيا في مناسبات عدة على التزامها الراسخ بالتعاون في شأن النيل بقاعدة الثقة المتبادلة ومبادئ الاستخدام العادل والمعقول للنهر، وأن المفاوضات مع دولتي المصب “أظهرت تقدمًا كبيرًا منذ تولى الاتحاد الإفريقي المسألة كتجسيد لقدرة إفريقيا على الاستجابة لمشكلاتها”.

ورغم ذلك، بحسب البيان، فإن بيانات متفرقة تضمنت تهديدات بخضوع إثيوبيا لشروط مجحفة، وأن مثل هذه التهديدات والإهانات، affronts، للسيادة الإثيوبية “انتهاكات مضللة وغير إيجابية” للقانون الدولي.

وبعد استعراض قدرة إثيوبيا على مواجهة “التهديدات” أكد البيان على التزام أديس أبابا “بحل سلمي” للمسألة قائم على التعاون وعدم التدخل والثقة المتبادلة ومبدأ الاستخدام العادل والمعقول.

وتلت صدور البيان أنباء عن استدعاء إثيوبيا للسفير الأمريكي لديها “احتجاجًا” على تصريحات ترامب، في مؤشر على أزمة دبلوماسية قد تكون لها تداعيات على كامل نظام آبي أحمد المضطرب.

أما القاهرة فإنها حافظت على قدر كبير من ثباتها وقدرتها على مواجهة مراوغات نظام آبي أحمد وشبكة الدعم الإقليمي- المؤسساتي التي نالها على خلفية التقاء مصالح أطراف هذه الشبكة، واستغلال آليات الاتحاد الإفريقي، برئاسة جنوب إفريقيا، في “تسويف” حل المشكلة ومنح إثيوبيا مزيدًا من الوقت لاستكمال المشروع دون أي التزام منها تجاه مصر.

ويُتوقع أن تواصل القاهرة هذا النهج مستقبلاً واستكمال الضغوط الدبلوماسية على نظام آبي أحمد، للوصول إلى تسوية حاسمة وواضحة وعادلة للأزمة بعيدًا عن المواقف الهلامية التي تتبناها أديس أبابا، واستثمار الموقف الأمريكي الداعم لحقوق القاهرة على نحو عقلاني تمامًا، دون الانجرار إلى حرب ستكون لها تداعيات خطيرة على السلم والأمن في منطقة تتقاطع فيها دوائر الشرق الأوسط وشرق إفريقيا والقرن الإفريقي.

ترامب خلال اتصاله مع رئيس الوزراء السوداني

وتمكن ملاحظة أن الموقف الأمريكي “العدائي” من إثيوبيا، والذي تكرر أكثر من مرة في تاريخ العلاقات بين البلدين، ربما أبرزها التخلي عن حليفها الإمبراطور هيلاسيلاسي في عام 1974 والدعم الأمريكي الكامل لاستقلال إريتريا في عام 1991 وحرمان إثيوبيا من أي منفذ بحري، ما قاد لتآكل مكانة إثيوبيا الإقليمية على نحو غير مسبوق منذ قرنين على الأقل.

مقاتلو الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا

يأتي كل هذا قبل أسابيع من نهاية إدارة ترامب، والزخم الانتخابي الذي أحدثته المناظرة الأخيرة بينه وبين غريمه جو بايدن في سباق الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

وتعوّل أديس أبابا، بحسب مراقبين كثر، على فوز بايدن في الانتخابات المقبلة لعدة اعتبارات، منها ما تتوقعه من ضغوط على نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وإتاحة مزيد من الوقت لاستكمال المشروع، في حين تعيد الإدارة الأمريكية ضبط مواقفها في القرن الإفريقي، وإطلاق الدعاية الإثيوبية القائمة على “المظلومية التنموية”.

أديس أبابا وأخطاء قراءة المشهد

في المقابل، فإن تصورات أديس أبابا تبدو غير دقيقة إلى حد كبير، فواشنطن نجحت، على سبيل المثال، في عهدي الرئيسين السابق باراك أوباما والحالي دونالد ترامب، في إدارة منسقة لملف تطبيع العلاقات مع السودان ورفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب، كما يلاحظ أن ترامب لم يكن منخرطًا بقوة في سياسات القرن الإفريقي لكنه ترك ملفاته –وبقية ملفات القارة الإفريقية جنوب الصحراء- لسياسيين مخضرمين في هذه الملفات، أبرزهم تيبور ناجي، مساعد وزير الخارجية للشؤون الإفريقية منذ يوليو/تموز 2018، ومارك جرين، مدير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، الذي قدم استقالته مؤخرًا، ما يشير إلى حالة من رجحان استدامة العمل البيروقراطي في مقاربة الولايات المتحدة للملفات الإفريقية وعدم المجازفة –في ظل التهديدات التي تمثلها الصين، شريك إثيوبيا الاقتصادي الأول وبفارق مضاعف عن بقية شركاء إثيوبيا، على مصالح واشنطن خاصة في القرن الإفريقي- بتقلبات خطيرة تضر المصالح الأمريكية. إضافة إلى ذلك فإن إثيوبيا تسيء، أو ربما تتجاهل، تقدير الأهمية الإستراتيجية التي توليها واشنطن للقاهرة في ملفات مهمة للغاية تتجاوز النطاق الضيق لإقليم البحر الأحمر والقرن الإفريقي الذي تحضر فيه إثيوبيا، دون غيره، بقوة ملموسة.

وهكذا يمكن فهم الوضع الحالي على أنه تصعيد دبلوماسي أمريكي غير مسبوق على نظام آبي أحمد، للامتثال لمخرجات “محادثات واشنطن” التي رعتها الخزانة الأمريكية مطلع العام الحالي، واستكمالاً لسياسة ناجعة ومجربة للرئيس ترامب بدفع الأمور إلى حافة الصراع المباشر ترقبًا لتسوية حاسمة، وربما بدا ذلك في ختام بيان مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي ودلالات قراءته المتعمقة.

ترامب خلال لقاءه ممثلي وفود مصر والسودان وإثيوبيا

وتظل خيارات القاهرة حاليًّا أفضل مما كانت عليه قبل شهور مضت، وتحديدًا منذ نهاية 2019، مع انكشاف المراوغات الإثيوبية، وحقيقة الموقف المتحيز للاتحاد الإفريقي ضد القاهرة، بصرف النظر عن التعبيرات الدبلوماسية، وقدرة القاهرة المتزايدة على “ضبط” مواقف السودان وحكومة عبد الله حمدوك بما يتفق مع أسس التعاون الإقليمي والاستخدام العادل لمياه نهر النيل.

 

وتمثل القدرات العسكرية المصرية المتطورة على نحو واضح عن بقية غالب الدول الإفريقية، محدِّدًا مهمًّا في دعم قدرة مصر التفاوضية في هذا الملف. فالدبلوماسية المصرية الرصينة، والتي تشهد تطورًا ملموسًا في الأداء منذ فترة معقولة –على صعيد السياسات الإفريقية- ربما تمثل ثقلاً موازنًا في استكمال تفادي هذا الوضع “الملغَّم” وعدم الانجرار وراء تصورات “شعبوية” للحرب وإغفال سياقاتها وتداعياتها، على الأقل عند هذه النقطة التي حققت فيها القاهرة انتصارًا دبلوماسيًّا حقيقيًّا وكاشفًا على أديس أبابا.

سد النهضة

أما نظام آبي أحمد، فقد يضطر في النهاية إلى “تسوية ما”، مع إدراكه حقيقة المخاطر الداخلية الحقيقية المحيطة به، وصعوبة انتهاجه مزيدًا من أساليب المراوغة مع القاهرة، وتراجع الاتحاد الإفريقي برئاسة جنوب إفريقيا عن الموقف المتخاذل والمتواطئ ضد القاهرة.

ورغم حقيقة أن “سد النهضة” يمثل الدعامة الأساسية، والشعبوية في حقيقة الأمر، لبقاء نظام آبي أحمد في السلطة بصرف النظر عن أدائه الاقتصادي والسياسي “الإعلامي” في جوهره، فإنه قد يضطر إلى التراجع خطوة والتوصل إلى اتفاق ملزم يضمن للقاهرة حقوقها المشروعة، ولا يُفرغ سد النهضة من جدواه الاقتصادية والتنموية لصالح الشعب الإثيوبي.

وتبقى المسألة برمتها الآن رهنًا لاستجابة آبي أحمد، ومدى تفهمه لسياسات الرئيس ترامب وآلية صنع السياسة في واشنطن، وقدرة القاهرة على حماية حقوقها ومصالحها غير القابلة للمساس، وتفهمه أن مسألة حماية نظامه وتعزيز فرصه الانتخابية بلافتة سد النهضة غير واقعية في المرحلة المقبلة، ولن تسهم في مواجهة تحديات نظامه الداخلية عندما تجيء الفكرة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

د.محمد عبدالكريم

باحث في الشأن الإفريقي

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram