ترتيل الحصري

ارتبط اسم الشيخ محمود خليل الحصري في أذهان المستمعين بالمصحف المرتل، كما لم يرتبط به اسم قارئ آخر، ولا عجب، فالرجل صاحب أول جمع صوتي للقرآن الكريم، وقد نال هذه المكانة بتسجيله للقرآن كاملا مرتلا عام 1961، وعندما أنشأت إذاعة القرآن الكريم عام 1964 ظلت عدة سنوات تقتصر على إذاعة مصحف الحصري المرتل، حتى سماها الناس “إذاعة الحصري”. 

تميزت تلاوة الشيخ الحصري بأنها نمط صارم من الوقار والرزانة، والحرص الشديد على أحكام التلاوة ومخارج الحروف، فأصبح الشيخ مدرسة متميزة المعالم مثلت جانبا مهما وجديدا في صرح التلاوة المصرية، وانتشر صوته في أرجاء الأرض، عبر تسجيله للقرآن الكريم مجودا ومرتلا برواية حفص عن عاصم، عدة مرات، ثم تسجيلاته للمصحف المرتل بروايات ورش، وقالون، والدوري عن أبي عمرو.

وقد روى لبيب السعيد، صاحب فكرة الجمع الصوتي للقرآن، والمكلف بعد ذلك بتنفيذها، أنه بالرغم من علم الشيخ الحصري وإجادته وإتقانه، إلى درجة توليه مشيخة المقارئ في وقت لاحق، وعضويته ثم رئاسته للجنة مراجعة المصاحف بالأزهر، إلا أن اللجنة المشرفة على التسجيل كانت تستوقفه ليعيد بعض المقاطع على النحو النموذجي المستهدف، وكانت هذه اللجنة مكونة من عدد من كبار علماء القراءات، هم المشايخ عبد الفتاح القاضي، وعامر عثمان، وعبد العظيم الخياط، ومحمد سليمان صالح، ومحمود حافظ برانق.. والمهتمون بعلم القراءات يعرفون جيدا المكانة العلمية لهؤلاء العلماء المعدودين في الطبقة الأولى لأهل هذا الفن في القرن العشرين.

الحصري يرتل من أول سورة البقرة

تعد ختمة الشيخ الحصري التي تبثها إذاعة القرآن الكريم من القاهرة وثيقة دقيقة لرواية حفص عن عاصم، من طريق روضة المعدل، عن الفيل.. فقد التزم الشيخ ومعه اللجنة المشرفة على التسجيل بطريق روضة المعدل في كل كلمات الخلاف عن حفص.. وكتاب “الروضة” في القراءات السبع من تأليف الإمام الشريف أبي إسماعيل موسى بن الحسين المعدل، المتوفى حوالي سنة 480 من الهجرة.. وهو أحد طرق أبي جعفر محمد بن حميد، الملقب بالفيل عن عمرو بن الصباح عن حفص عن عاصم.. فجاءت الختمة محكومة بالضوابط الآتية:

قصر المد المنفصل- ترك التكبير- يبسط وبسطة والمسيطرون بالسين- بمصيطر بالصاد- آلذكرين وآلآن وآلله بالإبدال- اركب معنا بالإدغام- يلهث ذلك بالإدغام- الإدراج (أي ترك السكت) في عوجا قيما، ومن مرقدنا، ومن راق، وبل ران – قصر “عين” في فاتحتي مريم والشورى- فتح الضاد في ضعف وضعفا في الروم- تفخيم راء “فرق”- ترك غنة اللام والراء عند الإدغام في النون الساكنة والتنوين (وهو خلاف غير مشهور عن حفص، ورد عنه من عدة طرق كلها في النشر)، كما ترك السكت على الساكن قبل الهمز (وهو أيضا وجه غير مشهور لحفص).

ترتيل من سورة الأنعام

وفي السنوات القليلة الماضية، حيث الإجازات السريعة، والضعف العلمي، والأخذ المباشر عن الكتب دون شيخ عالم، والتعجل في النقد والاستشكال، اعترض بعض الشباب المهتمين بعلم القراءات زاعمين أن “روضة المعدل” ليست من طرق كتاب النشر للإمام ابن الجزري، وأن طريق قصر المد المنفصل مع توسط المتصل للفيل من النشر يكون من كتاب “المصباح” للإمام أبي الكرم المبارك بن الحسن بن أحمد الشهرزوري البغدادي.. والحقيقة أن هذا حكم متعجل، لم يقف صاحبه على تحريرات العلماء والأئمة على أمهات كتب القراءات، وعلى رأسها النشر والشاطبية.. وفي كتابه “صريح النص في الكلمات المختلف فيها عن حفص” قرر العلامة علي محمد الضباع أن “روضة المعدل” هي من تحريرات الأزميري زيادة على ما في النشر، فقال نصا: “اختار ابن الجزري رواية حفص من طريقي عبيد وعمر وعنه، واختار طريق عمرو من طريقي الفيل وذرعان عنه، واختار طريق الفيل من طريق ابن خليع من المصباح والمبهج، ومن طريق الطبري من الوجيز والكامل والمستنير، ومن طريق الحمامي من المستنير والكامل والمصباح والتذكار وكفاية أبي العز وجامع ابن فارس وغاية أبي العلاء، وكذا من روضة المالكي وروضة المعدل على ما حرره الأزميري زيادة على ما في النشر” .

والعلامة الأزميري المتوفى سنة 1156 هجرية، هو أحد كبار المحررين في تاريخ هذا الفن، وقد ارتضى تحريراته التي ضمنها كتابه “عمدة العرفان في تحرير أوجه القرآن” وشرحه “بدائع البرهان في تحديد أوجه القرآن” كبار أئمة القراءات في العالم الإسلامي عموما وفي مصر خصوصا، واعتمدوا “روضة المعدل” طريقا من طرق النشر عن الفيل، عن عمرو عن حفص عن عاصم، ومنهم العلامة محمد المتولي، ومحمد خلف الحسيني، والضباع، والزيات، وعامر عثمان، وإبراهيم شحاتة السمنودي.. بل بلغ الأمر بالمتولي أن يقول: “نحن أزميريون”.. وإذن، فاختيار “روضة المعدل” لم يكن قرارا فرديا للشيخ الحصري، وإنما كان قرارا جماعيا للجنة كبار العلماء المشرفين على التسجيل.

ترتيل من سورة مريم

وفي ظني أن اختيار طريق روضة المعدل جاء لكون الروضة أحد طرق قصر المد المنفصل لحفص، وهو أمر مهم جدا، وسبب جوهري لانتشار الختمة، واقتداء الجماهير بها، في قراءة الحدر، لاسيما في إمامة الصلوات عموما، وصلاة التراويح على وجه الخصوص، وفي كل موقف يراد فيه ختم القرآن دون إرهاق أو إطالة.. كما أن “الروضة” تعطي وجه قصر المنفصل دون أن ترتب عليه أي وجه غير مشهور قد يستغربه المستمع، مثل الغنة عند اللام والراء، أو السكت على الساكن قبل الهمز كما في قراءة حمزة… كان اختيار طريق روضة المعدل ينم عن تفكير عميق، ورؤية ثاقبة عند كبار علماء القراءات في مصر من نحو ستة عقود.

وقد تعجب بعض المشتغلين بعلم القراءات من التزام الشيخ الحصري بتوسيط المد المتصل، لأن الشيخ الضباع في “صريح النص” لم يذكر لطريق الروضة إلا الإشباع، أي المد ست حركات كما عند حمزة وورش من طريق الأزرق.. لكن المتعمقين في هذا الفن ردوا على المعترضين بكلام للضباع أيضا ومن نفس الكتاب “صريح النص” حيث قال في صفحة 44: “جميع ما ذكرته في هذا الملخص من التفريع والأحكام مبني على الأصول التي ذكرها أئمة الأداء في كتبهم، من غير نظر إلى ما اختاره الإمام ابن الجزري في المدين من وضعه رتبة فويق قصر المنفصل إلى رتبة قصره، ورتبة فويق توسطه إلى توسطه، ورتبتي فويق توسط المتصل وإشباعه إلى رتبة توسطه، وقد تبعه على ذلك جماعة من المتأخرين، وهو جائز معمول به، ولا يخفى التفريع عليه لمن تأمل”.. كما ردوا بما قرره علماء كبار من أمثال الشيخين عامر عثمان والسمنودي” وغيرهم.

وبسبب أداء الحصري الذي بلغ الغاية، وبسبب الدقة الشديدة من اللجنة المشرفة، أصبح مصحف الحصري المرتل مرجعا معياريا توثيقيا تعليميا لا نظير له في تاريخ التسجيلات القرآنية، إلى حد أن مجرد الإكثار من الاستماع إليه يرتفع بمستوى التجويد ومخارج الحروف عند المستمع.. فالرجل يقرأ القرآن بحروف واضحة مشرقة قد خلصها من بعضها كأنه يقرأ حرفا حرفا لا كلمة كلمة.

فنيا، بدأ الشيخ الحصري ترتيله بداية حذرة من مقام الراست، وبمكث طويل مع المقام، قبل أن يرواح بينه وبين البياتي، دون تصعيد صوتي أو درامي.. وأظن أن من يكرر الاستماع إلى ختمة الحصري كاملة سيرى أن الرجل قرأ الأجزاء الأولى وهو حذر جدا، لا يطلق العنان لصوته.. ربما بسبب الهيبة التي تفرضها جدة التجربة، وشعوره بمسؤولية تاريخية وهو يتصدى لأول جمع صوتي للقرآن، أمام لجنة من أكابر علماء القراءات في مصر.. واصل الشيخ ترتيله الحذر خلال سورة البقرة كلها، وسورة آل عمران كلها، ونحو 25 آية من سورة النساء، أي أربعة أجزاء كاملة.. لكنه –ومع دخوله الجزء الخامس- شرع في تصعيد صوتي وتعبير هادئ متدرج.. وبمرور الوقت ازداد اطمئنانا، وتلقف مقام النهاوند فارتاح له وتمسك به في مواضع كثيرة طويلة، وحلق به في آفاق تعبيرية شديدة الرقة والوقار.

ترتيل من سورة الرحمن

بمعيار الثراء النغمي، يعد المصحف المرتل للشيخ الحصري محدودا جدا، لاسيما إذا ما قورن بترتيل الشيخين مصطفى إسماعيل ومحمد صديق المنشاوي.. فالختمة كلها تقريبا دارت في ثلاثة مقامات فقط، هي البياتي والراست والنهاوند، ولا يجد المستمع فيها مقاطع بمقام الصبا مثلا، أو الحجاز، أو السيكاة.. كما نجد أن الشيخ يمكث مع المقام الواحد فترة طويلة جدا، وكثيرا ما يقرأ أرباعا متواصلة بنفس المقام قبل أن يغادره إلى غيره.. وبالرغم من كل هذا، لا يشعر المستمع معه بالنقص، فقد عوض هذا التواضع النغمي بعدة عوامل، من أهمها صفاء صوته، وهيبة قراره، وجمال تعبيره، وتصعيده المتأني داخل المقام الواحد، وقبل كل هذا جلاء حروفه ووضوح مخارجه، وإلباس كل حرف صفاته بدرجة بلغت حد الكمال.

وقد اتحدت كل هذه العوامل مع عامل الأولية والسبق، لتعطي ترتيل الحصري تلك المكانة الكبيرة بين شعوب العالم الإسلامي كله.. وبعد مرور نحو ستة عقود على إنجاز هذا العمل العظيم، ومرور نحو أربعة عقود على رحيل الشيخ محمود خليل الحصري، أمست هذه الختمة المرتلة جزءا من الوجدان الروحي والديني للمصريين والعرب والمسلمين.. وجزءا مهما من صرح التلاوة المصرية العريقة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram