سياسةمختارات

ترسيم الحدود اللبنانية – الإسرائيلية: بيادق “حزب الله” تُلاعب “الشيطان الأكبر”

 

في كلمته الأخيرة بمناسبة المولد النبوي الشريف، استهلك الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصر الله، كامل الوقت تقريبًا للتطرّق إلى الحدث الفرنسي، تاركًا الحديث عن مفاوضات ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل، بجانب مسائل أخرى، إلى كلمته المقبلة في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني.

يمكن افتراض أن الأمر كان مقصودًا. يحتاج نصر الله إلى كسب مزيد من الوقت للخروج من الصمت المُقنَّع الذي انتهجه “حزب الله” منذ لحظة الإعلان عن الاتفاق-الإطار للتفاوض مع إسرائيل، ولعلّ الموعد الذي ضربه للحديث عن قضية بهذا القدر من الحساسية، يعكس رغبة في المناورة ضمن سياسة “الغموض البنّاء”، التي طالما انتهجها، ريثما تتضح آفاق المفاوضات في الجولة الثالثة، والأهم بعد أن تقول صناديق التصويت في الولايات المتحدة الأمريكية كلمتها، لصالح دونالد ترامب أو جو بايدن.

حسن نصر الله، الأمين العام لـ”حزب الله”

حتى الآن، لم يصدر عن “حزب الله” موقفٌ واضحٌ من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية. كل ما أخرجه من جعبته موقفين متناقضين، في أحدهما تشديد على أن التفاوض على ترسيم الحدود لا يعني التطبيع مع إسرائيل؛ وفي الآخر تحفّظ مشترك، مع شريكه في “الثنائي الشيعي” –حركة “أمل” بزعامة نبيه بري– عشية الجولة الأولى من التفاوض في الرابع من أكتوبر/ تشرين الأول، على تركيبة الوفد اللبناني المُفاوِض، وذلك على خلفية مشاركة شخصيات ذات طابع سياسي–اقتصادي فيه، بعدما كان الحديث مقصورًا على مُفاوِضين عسكريين فحسب.

لاءات ثلاث

على نحو شبه رسمي، يُختصَر موقف “حزب الله” من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية بـ”لاءات ثلاث” حددتها قناة “المنار” التابعة له، وهي: لا تفاوض مباشرًا مع إسرائيل.. لا فصل بين البر والبحر.. لا تنازل عن نقطة ماء ولا حبّة تراب.

اللافت للانتباه في هذا الإطار، أن سياسة الصمت المعتمدة من قبل حزب الله تتوازى مع سياسة صمت مشابهة من جانب إيران، فالمسؤولون الإيرانيون، وعلى اختلاف توجهاتهم، لم يعبروا عن أية انتقادات تجاه المفاوضات، بل إن المنصات الإعلامية الإيرانية نشرت الخبر بأسلوب محايد، خلافًا لما كانت عليه الحال حين توقيع اتفاقيات السلام بين إسرائيل وكل من الإمارات العربية المتحدة والبحرين، ما يشي بأنّ ثمة قرارًا سياسيًّا مركزيًّا من القيادة الإيرانية بتمرير المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، في انتظار متغيّر ما، وهو ما يتماهى بالكامل مع توجهات “حزب الله”.

على هذا الأساس، يبدو واضحًا أن “حزب الله” يعتمد سياسة النأي بالنفس ظاهريًّا عن المفاوضات إلى أقصى حدّ ممكن. لهذا السبب، فضّل نصر الله أن يُوكل مهمة الإعلان عن الاتفاق-الإطار إلى حليفه نبيه بري، مع تكرار سردية لطالما وردت على لسان حسن نصر الله مفادها أن ترسيم الحدود مسألة تخص الدولة اللبنانية، وإن كان القاصي والداني في لبنان وخارجه يدرك أن الكلمة الفصل في المفاوضات ستكون له مباشرة، إمّا رسميًّا، تحت عنوان “الميثاقية” التي باتت أشبه بـ “الفيتو” في يد الثنائي الشيعي، وإمّا ضمنيًّا عبر سيطرته المؤكدة على القرار السياسي في لبنان.

بصرف النظر عن هذا الصمت المُقنّع، لا يمكن تجاهل حقيقة أن المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية ما كانت لتتم لولا ضوء أخضر من “حزب الله”. ولكن ما الذي يدفع “حزب الله” إلى القبول بالتفاوض مع “الشر المطلق” وبوساطة “الشيطان الأكبر”، بحسب أدبياته التاريخية؟!

مفاوضات سابقة بين لبنان وإسرائيل لترسين الحدود

الجواب ينطلق من 4 عوامل بدأت تلقي بظلالها على التموضعات التكتيكية لـ”حزب الله” في الآونة الأخيرة:

أول هذه العوامل، يتمثل في الضغوط الاقتصادية التي يواجهها لبنان عمومًا، و”حزب الله” على وجه الخصوص. هنا تبدو أزمة “حزب الله” الاقتصادية مزدوجة:

من ناحية، لم يعد الحزب قوة معارضة، كما كانت الحال قبل سنوات خلت، بل قوة حكم، وهو ما تكرّس بعد انتخابات العام 2018، التي أفرزت برلمانًا ذا أكثرية موالية له، حتى إن البرلمان الحالي قد وُصف خارجيًّا بأنه “برلمان حزب الله”، تمامًا كما هي الحال مع الحكومة المُستقيلة.

ومن ناحية ثانية، يواجه “حزب الله” أزمته المالية الخاصة بسبب العقوبات الأمريكية على إيران، التي كانت تُوفِّر له منذ سنوات دعمًا يُقدّر بنحو 500 إلى 700 مليون دولار سنويًّا. هذا الدعم يُفترض أنه تراجع كثيرًا على وقع الإجراءات الأمريكية المُتصلة بتعليق إدارة دونالد ترامب لتسوية فيينا النووية من جهة، وتهاوي أسعار النفط بفعل تراجع الطلب وجائحة “كورونا المستجد”.

لذلك، ينظر “حزب الله” إلى ترسيم الحدود البحرية على اعتباره فرصة اقتصادية قد تسمح للبنان بتجاوز الأزمة الاقتصادية عبر الإيرادات المحتملة لآبار الغاز والنفط في البلوك رقم 9، عند الحدود الجنوبية، خصوصًا بعد صدمة توقف الاستكشافات في البلوك رقم 4، قبالة السواحل الشمالية لبيروت، قبل أشهر.

الحدود اللبنانية

أمّا ثاني العوامل المُشار إليها أعلاه، فيتمثل في سعي “حزب الله” لتجنّب عاصفة العقوبات الأمريكية، التي طالت قبل أسابيع وزيرين من أقرب حلفائه -“حركة أمل” الشيعية و”تيار المردة” المسيحي–  خاصة بعد التلويحات بإمكانية أن تشمل تلك العقوبات شخصيات تنتمي إلى “التيار الوطني الحر”، حليفه المسيحي الأكبر.

لعلّ هذا ما يُفسر أيضًا الرسائل الإيجابية التي مرّرها “حزب الله” مؤخرًا بشأن إعادة إحياء المبادرة الفرنسية، التي تعثرت مع فشل مصطفى أديب في تشكيل الحكومة الجديدة، وحرصه على تسهيل مهمة سعد الحريري في تشكيل حكومته، بما يُشكِّل عنصرًا جوهريًّا لاحتواء عاصفة العقوبات عبر حكومة مقبولة من الغرب، من شأنها أن تُوفِّر مظلة واقية من الضغوط الخارجية.

وأمّا ثالث تلك العوامل فيتمثل في أن ترسيم الحدود، أو على الأقل الدخول في مسار تفاوضي بشأن هذا الموضوع، قد يحدّ من احتمالات حرب مع إسرائيل، يدرك “حزب الله” أن تداعياتها ستكون كارثية عليه –وهو أمر ينسحب أيضًا على إسرائيل- فبجانب الأزمة السياسية-الاقتصادية التي يشهدها لبنان، والتي جعلت البلاد على شفير الانهيار، لا يبدو “حزب الله” مُطمئنًّا بجبهته الداخلية، التي تآكلت بفعل سياساته في الداخل كما في الإقليم، علاوة على إدراكه أنّ المجتمع الدولي لن يُسارع إلى مساعدة لبنان في إعادة الإعمار، كما جرى بعد حرب العام 2006، خاصة بعدما بات الآمر الناهي في منظومة الحكم اللبنانية.

امتدادًا لما سبق، ثمة عامل داخلي آخر (العامل الرابع)، من المؤكد أن “حزب الله” قد التقط بعضًا من إشاراته في الآونة الأخيرة، وهو وجود تحوّل في بنية النظام اللبناني، لا يمكن فصله عن مناخ التطبيع الإقليمي.

وإذا كانت تسوية التسعينات في لبنان قد جاءت لتمهيد الأرض أمام التسوية الشرق أوسطية (مرحلة مؤتمر مدريد وتتماته)، والتي انتهت إقليميًّا بوفاة الرئيس السوري حافظ الأسد عام 2000، ولبنانيًّا باغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005، يمكن افتراض أن مرحلة جديدة قد بدأت حاليًّا مع اتفاقات السلام العربية–الإسرائيلية الأخيرة من جهة، وبوادر تفكك بنية النظام اللبناني، التي جاء انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس/ آب الماضي ليُشكِّل نقطة الذورة فيها.

من هنا، لم تكن مصادفة أن يخرج الرئيس اللبناني ميشال عون –أوثق حلفاء “حزب الله”– في منتصف أغسطس/ آب، أي بعد أيام على كارثة بيروت، بموقف مثير للجدل عبر قناة “بي إف إم” الفرنسية، فتح فيه ولو نظريًّا احتمالات السلام بين لبنان وإسرائيل، حين قال ردًّا على سؤال بهذا الخصوص “لدينا مشكلات مع إسرائيل وعلينا حلها أولاً”، متماهيًا في ذلك مع موقف صهره، رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل حين فاجأ الجميع في العام 2017، وعبر شاشة قناة “الميادين” المحسوبة على “حزب الله”، يوم قال إنه “ليست لدينا قضية إيديولوجية ولسنا رافضين لوجود إسرائيل التي من حقها أن تعيش بأمان”.

ترأس الرئيس اللبناني ميشال عون في قصر بعبدا اجتماعًا للوفد اللبناني للمفاوضات مع إسرائيل

خيار من اثنين!

ما سبق، يدفع البعض إلى توقع أن أمام “حزب الله” في المرحلة المقبلة خيارًا من اثنين: إما الاستسلام للأمر الواقع أمام حركة “كش ملك” قد يتلقاها من “الشيطان الأكبر” في خانة الحدود اللبنانية-الإسرائيلية على رقعة الشطرنج الشرق أوسطية.

غير أن هذا التوقع يبدو قاصرًا عن فهم قواعد اللعبة، ذلك أن “حزب الله” لم يحرك بعد كل بيادقه، وثمة هوامش كثيرة مفتوحة أمامه للمناورة إلى أقصى حد، حتى حين يتعلق الأمر بمفاوضات ترسيم الحدود.

ومن ناحية، ثمة رهان من جانب “حزب الله” على أن تمتد المفاوضات لفترة طويلة في الشق المتصل بالترسيم البحري، خصوصًا بعد التعقيدات التي برزت في ثاني جولة من المفاوضات غير المباشرة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي الأسبوع المنصرم.

ومن ناحية ثانية، لم يكن عبثًا أن أصرّ “حزب الله” على تلازم المسارين البحري والبري في الترسيم، ما يجعل من الصعب أن تصل المفاوضات إلى خواتيمها، فإذا ما حلت إشكاليات الحدود البحرية، فإنّ التقدم نحو الحدود البرية سيكون ضمن حقل ألغام هائل، خاصة وأن المفاوضات في هذه الحالة ستتطرق إلى الوضعية النهائية لمنطقة مزارع شبعا، التي تعتبرها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي تحت السيادة السورية ومُلحقة بالجولان المحتل.

في هذه الحالة، وما لم تُبادر إسرائيل إلى مناورة تفاوضية تُحرج “حزب الله” من بوابة القبول بالانسحاب من مزارع شبعا، سيستمر الأخير في لعب دوره ضمن سردية “سلاح المقاومة” الحامي للبنان، والذي يمكن توسيع نطاقه الوظيفي ليصبح عنصر قوة في مفاوضات ترسيم الحدود، وهي ورقة سيكون قادرًا على استخدامها إلى ما لا نهاية.. أو على الأقل إلى أن تحسم الانتخابات الرئاسية الأمريكية المسار الذي ستتخذه العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران ضمن ثنائية الحرب والسلم.

 

وسام متى

صحفي لبناني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى