تركيا الحبيسة

دبلوماسية العرب تعزل أنقرة

لم تجنِ أجندة السياسة الخارجية التركية، القائمة على دعم الإسلامويين في ظل حكم الرئيس “رجب طيب أردوغان”، إلا كارثة في علاقات أنقرة مع العالم العربي. فقد انتهت الأيام التي افترض فيها “أردوغان” وأعضاء حزب العدالة والتنمية (AKP)، أن هويتهم الإسلاموية ستجمع تلقائيًا بين تركيا والأنظمة العربية.

وبعد أن تولى “أردوغان” مقاليد الأمور في تركيا قبل عقدين من الزمن تقريبًا، أكسبه انتقاده العلني اللاذع لإسرائيل في البداية الكثير من الحظوة لدى العرب، وقوبل بترحيب كبير في الشارع العربي، أما في أعقاب الربيع العربي، فاتجهت أنظار سياسات “أردوغان” إلى المنطقة، مرتكزًا في الغالب على دعم جماعة الإخوان المسلمين والجماعات التابعة لها، ما أدى إلى زوال كل ما بناه من مجد شعبي بين عشية وضحاها، بعد أن انزعج العرب -مواطنين وأنظمة- باستثناء قطر، التي من الواضح أن لديها أسبابًا براجماتية للتقرب من تركيا، فيما وجد “أردوغان” نفسه اليوم بلا حليف عربي.

مسئول قطري يستقبل أردوغان في الدوحة

في الوقت ذاته، تضاعف عدد أعداء وخصوم تركيا بين العرب مقارنةً بما قبل عام 2002، عندما تسلم حزب العدالة والتنمية السلطة لأول مرة، إذ تمثل القرارات الأخيرة التي اتخذتها كلٌّ من الإمارات العربية المتحدة والبحرين بإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل أحدث إخفاقات أنقرة في المنطقة التي كانت تطمع سابقًا في لعب دور قيادي فيها.

ما الذي يُقلق أنقرة مستقبلًا؟

تخشى أنقرة حاليًّا من خسارة المزيد من الأرضية السياسية في المنطقة بالنظر إلى احتمالية أن تختار دول عربية أخرى الانضمام إلى الإمارات والبحرين. فقد أبرزت أنقرة ردّة فعل غاضبة في أغسطس الماضي على قرار الإمارات بإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، واتهمت الدولة الخليجية بـ”خيانة القضية الفلسطينية لصالح مصالحها الضيقة”.

وفي بيانٍ لها، قالت وزارة الخارجية: “إن تاريخ وضمير شعوب المنطقة لن ينسى أو يغفر هذا العمل المنافق”، ومع ذلك، لم تفعل الإمارات العربية المتحدة أكثر مما فعلته تركيا منذ عام 1949 عندما اعترفت الأخيرة بدولة إسرائيل، وأقامت علاقات دبلوماسية معها، فيما تحافظ تركيا اليوم على إقامة علاقات دبلوماسية على مستوى السفراء مع إسرائيل، على الرغم من علاقتهما الفاترة والعدائية في كثير من الأحيان.

ومن المثير للفضول أن أنقرة لم تعلّق رسميًّا على مراسم التوقيع رفيعة المستوى التي جرت بين الإمارات والبحرين من جهة وإسرائيل من جهة أخرى على الأراضي الأمريكية هذا الأسبوع وبرعاية شخصية من الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”.

أردوغان ونتنياهو.. التعاون مستمر

وفي حين أن إيران تمثل الشاغل الأكبر للأنظمة السُّنية في المنطقة اليوم، خاصة بين دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، يعتقد العديد من المحللين أنّ تدخلات أنقرة في شئون العالم العربي ودعمها القويّ لجماعة الإخوان المسلمين قد ساهما أيضًا في دفع بعض هذه الأنظمة نحو إسرائيل.

ولم يمنع خوفُ تركيا العميق من التدخلات السياسية الخارجية من محاولة التدخل في الشئون الداخلية المصرية والسورية والليبية بغرض جلب حكومات صديقة لتركيا إلى السلطة في تلك البلاد. ويُبرر المسئولون الأتراك مثل هذا التدخل بأن نظامًا قمعيًا ومناهضًا للديمقراطية في المنطقة لا يمثل إرادة الشعب، وبالتالي يقول المسئولون الأتراك إن ما تفعله تركيا “أمر مبرر أخلاقيًّا”.

ويعتقد العديد من مؤيدي “أردوغان” في تركيا أيضًا أنه إذا ما ترشح لخوض انتخابات ديمقراطية في أي دولة ذات أغلبية سُنّية في الشرق الأوسط، فسيتم انتخابه بنسبة كبيرة، وهي طريقة من طرق التفكير الرغبويّ، حيث لم يُترجم أي دعمٍ قد يحظى به “أردوغان” في الشارع العربي إلى مزايا جيوستراتيجية لأنقرة.

"أردوغان".. مأوى وحيد للإسلامويين

حقيقة أن الربيع العربي قد دفع بالإسلامويين إلى صدارة السياسات الإقليمية، أكدت أيضًا أن العديد من القوى غير العربية -بما في ذلك الولايات المتحدة وروسيا والصين- تفضل عمومًا الوضع الراهن بدرجات متفاوتة، بينما لا تزال تركيا هي القوة الإقليمية الوحيدة الجديرة بالملاحظة التي تواصل تقديم الدعم القوي والمأوى لجماعة الإخوان وأذرعها.

وقد أثارت استضافةُ “أردوغان” لأعضاء كبار من جماعة حماس في إسطنبول، في 22 أغسطس الماضي، رد فعل غاضبًا في واشنطن، التي تعتبر الجماعة الإسلاموية الفلسطينية منظمة إرهابية، بينما ردت أنقرة بتأكيد أن “حماس جماعة منتخبة ديمقراطيًا”، وحاولت قلب الطاولة على واشنطن باتهامها بدعم جماعات تعتبرها تركيا منظمات إرهابية.

أردوغان وإسماعيل هنية

وليس من الصعب أن نتخيل أن العديد من الأنظمة القائمة حاليًّا في الشرق الأوسط تعتقد أن أنقرة تحاول دائمًا استغلال أي فرصة لفرض نفسها، ولإحداث تغيير في نظام المنطقة بما يتناسب مع مصالحها.

تحالفات مناهضة لأنقرة

وتعليقًا على حفل التوقيع الذي جرت مراسمه في واشنطن هذا الأسبوع، كتب المحلل السياسي البارز في “الجزيرة” مروان بشارة: “إذا كان هناك أي شيء، فهذا تحالف أكثر منه اتفاقًا، تحالف موجَّه إلى القوى الإقليمية: إيران وتركيا”، ما دفع المعارضة المتزايدة لسياسات تركيا كلا من مصر والإمارات إلى الانضمام إلى التحالف الدولي المناهض لأنقرة في شرق البحر المتوسط​، إذ تتنازع أنقرة وأثينا على حقوق التنقيب عن الطاقة، فقد قال وزير الخارجية المصري “سامح شكري” لجامعة الدول العربية في 9 سبتمبر الجاري، إن الممارسات والتدخلات التركية السافرة في العديد من الدول العربية تمثل أهم التهديدات المستجدة التي تواجه الأمن القومي العربي اليوم.

ويعتقد العميد المتقاعد الجنرال “نعيم بابور أوغلو” أنه يجب على تركيا أن تعد نفسها لاحتمالية أن تحذو دول عربية أخرى حذو الإمارات والبحرين، كما يعتقد العديد من المحللين أن الإمارات والبحرين لم يكن بإمكانهما اتخاذ تلك الخطوات بدون مباركة المملكة العربية السعودية، صانعة القرار السياسي في المنطقة.

وقال “بابور أوغلو”، مشيرًا إلى العلاقات العسكرية الوثيقة التي تربط قطر بالولايات المتحدة، إنه يعتقد أن هذه الدولة الخليجية، وهي الحليف الوحيد لتركيا في المنطقة حاليًّا، يمكن أن تضغط عليها واشنطن لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وجادل “بابور أوغلو” في مقابلة له مؤخرًا مع فيريانسين بأن واشنطن تعمل جاهدة لإنهاء خلافات الدوحة مع دول الخليج الأخرى، وأعرب عن اعتقاده بأن “هذا سيتحقق قريبًا”. وقال “أوغلو” إن “العلاقات بين تركيا وقطر لن تكون كما كانت من قبل إذا طبّعت قطر علاقاتها مع دول الخليج”، وأضاف: “دعونا لا ننسى أن الشرط المسبق لدول الخليج لتطبيع هذه العلاقات هو إغلاق القاعدة العسكرية التركية في قطر”.

بينما يذكّرنا محللون آخرون بأن قطر تمتلك بالفعل اتصالات مع إسرائيل، ويشيرون إلى اتفاق وقف إطلاق النار الأخير بين الدولة اليهودية وحماس بوساطة قطرية.

تميم وأردوغان

ويشير “أحمد تاسجيتيرين”، المعلق السياسي الإسلاموي المعارض الذي دعم “أردوغان” سابقًا، إلى أن “الإسلاموية” لا تزال مقاربة أيديولوجية سارية المفعول، ومع ذلك، فإنه يتساءل عما إذا كان على تركيا -كدولة- أن تتبنى هذه المقاربة كأساس لسياستها الخارجية.

“يمكن للإسلاموية أن توجد دائمًا على مستوى الأفكار.. ومع ذلك، يجب أن تكون لغة السياسة الخارجية أكثر مرونة منها.. من المهم أن تكون قادرًا على الالتقاء بالجميع والتحدث إليهم”، بحسب “تاسجيتيرين” في عموده في صحيفة daily Karar، مضيفًا: “بالتأكيد ليس أمرًا صحيًا أن تصبح دولة إسلامية بمنأى عن الدول الإسلامية التي تطور علاقاتها تدريجيًا مع إسرائيل”.

كتب: Samih Idiz
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

ترجمة

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram