تركيا تُفسد "الطّبخة" الليبية

ارتياح كبير عبر عنه اللاعبون الدوليون البارزون في ليبيا، بعد الإعلان، قبل أيام قليلة، عن اتفاق وقف إطلاق النار الدائم من جانب اللجنة العسكرية المشتركة، المكونة من وفدي حكومة الوفاق والجيش الوطني الليبي، لكن هذا الإجماع لا يشمل الجميع.

تركيا التي كانت تخطط للسيطرة على سرت، ومن ثَمّ منطقة الهلال النفطي، قبل أن يطيح موقف مصر الصارم بـ”أحلامها”، تبدو “متذمرة” من التفاهمات التي توصلت إليها اللجنة العسكرية يوم الجمعة 23 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، ويذهب محللون إلى أن تنفيذ اتفاق اللجنة العسكرية يعني أن أنقرة تخسر المكاسب التي حققتها خلال الشهور الماضية في الغرب الليبي.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان أول المعلقين على الاتفاق، إذ شكك في “إمكانية صموده”، وقال إنه “لم يُبرَم على مستوى عالٍ كالاتفاقات السابقة”.

السراج وأردوغان.. ومقابلات مستمرة

وفي الداخل، استبق حلفاء أنقرة الاتفاق في محاولة لإفساد الأمر، بحسب ما جاء على لسان المتحدث باسم القوات المسلحة الليبية، اللواء أحمد المسماري، الذي أشار إلى رصد “نية تركية” للهجوم على مدينة سرت، والتمهيد لذلك بالفعل عبر تصريحات من الميليشيات في الغرب، تزعم خرق الجيش وقف إطلاق النار، وهو ما لم يحدث.

وخلال الأيام القليل الماضية، خرج المتحدث باسم قوات حكومة الوفاق محمد قنونو متحدثًا عن استهداف مواقع المليشيات غرب سرت بصواريخ جراد، وهو ما نفاه الجيش الوطني الليبي في وقت لاحق. كما تحدث وزير الدفاع بـ”الوفاق”، صلاح الدين النمروش، عن هجوم وشيك للجيش الليبي باتجاه بني وليد وترهونة، وهو ما نُفِيَت صحته أيضًا.

الفرقاء الليبيون في القاهرة - أرشيفية
رد تركي سلبي

يقول الكاتب الصحفي الليبي الحسين المسوري إن “بنود اتفاق وقف إطلاق النار جيدة، لكن مسألة سريانه من عدمه مرتبطة بردود الفعل من جانب اللاعبين الدوليين”.

وسارعت عدة دول، على رأسها مصر وأمريكا وفرنسا، إلى الترحيب بالاتفاق، إضافة إلى الأمم المتحد وجامعة الدول العربية، في حين تأخرت روسيا في التعليق.

ووصف المسوري، في تصريح إلى “ذات مصر”، رد الفعل التركي بـ”السلبي”، لأن “أردوغان يعلم أن هذا الاتفاق ليس في مصلحته، أو مصلحة حلفائه في الداخل، بل ويلمح –أردوغان- إلى أن الاتفاق ضعيف، ومن الممكن ألا يُكتب له النجاح”.

الحرب في ليبيا

ويشير المسوري إلى أن الاتفاق الآن مرهون بالتطبيق على أرض الواقع. تطبيق يشتمل على 12 بندًا أهمها إخراج المرتزقة والمقاتلين الأجانب من البلاد خلال 3 أشهر من تاريخ الاتفاق، وإخلاء مناطق التماس بين قوات حكومة الوفاق والجيش الليبي، إضافة إلى تشكيل قوة عسكرية مشتركة.

خطوة جيدة

وقال المحلل السياسي الليبي، عبد العزيز غنية، إن المشكلة الأساسية في تجميع السلاح وحل المليشيات، لكن الاتفاق خطوة على طريق الألف ميل، وهي خطوة جيدة، يمتعض منها الإسلام السياسي الذي عبر عنه أردوغان، وتكلم عنه بـ”استهزاء” قائلاً إنه لن يصمد.

ولا يعتقد غنية أن بند إخراج المرتزقة والمقاتلين الأجانب سوف ينجح: “هنا يكمن الشيطان، هل سيخرج المرتزقة السوريين والأتراك المتمركزون في العاصمة طرابلس وفي قاعدة الوطية الجوية؟ السلاح لا يزال ينزل هناك!”

ميليشيات مسلحة في ليبيا

وتابع: “الوجود العسكري التركي يظل مسألة تُلقي بظلالها السلبية في الاتفاق”، إلا أن غنية عاد وأشار إلى أنه إذا تمكن الاتفاق من فتح الطريق الساحلي من بنغازي إلى طرابلس مرورًا بسرت ومصراتة، فسيكون هذا الأمر محمودًا للغاية، ونفس الشأن إذا حدث توافق على إعادة هيكلة حرس المنشآت النفطية.

وأشار المحلل السياسي الليبي إلى أن أردوغان، خلال تعليقه على الاتفاق، لفت إلى قرب رحيل رئيس المجلس الرئاسي بحكومة الوفاق فائز سراج: “قد يكون (السراج) منتهي الصلاحية، من سيحل محله؟ يوجد صراع بين القوى داخل الغرب الليبي، حيث المليشيات التي لن تتنازل بسهولة عن مكتسباتها”.

واعتبر أن “أردوغان يعتبر الاتفاق مساويًا لإنهاء التحشيد العسكري الدائم من جانب بلاده، وهو بالتالي خسارة لصفقة اقتصادية للأتراك في ليبيا، ولذا يشكك في مصداقيته”، موضحًا أنه “لتحقيق بند إبعاد المرتزقة، يجب إخلاء قاعدة الوطية”، معقبًا: “هذا تهديد واضح لأحلام أردوغان، الذي يريد من خلال القاعدة تحقيق مصالحه الإستراتيجية في شرق البحر المتوسط ودول شمال إفريقيا”.

أنقرة تناور

ويرى الباحث السياسي عبد الستار حتيتة، أن أنقرة لا تزال في محاولات تثبيت أقدامها في ليبيا تدريجيًّا، مستغلة انشغال الفرقاء في إجراء المحادثات في عواصم عدة، بحثًا عن حل السلام “المختلق”، كما تحاول إحداث خلل سياسي في شرق ليبيا.

وحذر من محاولة التئام مجلس النواب في طرابلس، واصفًا هذا التحول بـ”الخطير للغاية”، إذ يؤكد أنها مناورة تركية للمحافظة على ما قاموا به في الشهور الماضية في الشمال الغربي، لأن تركيا تعلم أن الوصول إلى اتفاق سياسي شامل سيؤشر على خسارة مكاسبها في الغرب.

الباحث السياسي عبد الستار حتيتة

ويقول حتيتة إن الهدف من تلك المناورة هو تفكيك كيان مجلس النواب الليبي، وتحقيق الهدف الأكبر لأنقرة في ليبيا، وهو حرق الكارت الوحيد الذي تمتلكه بنغازي، وهو البرلمان (الجهة الوحيدة المنتخبة في البلاد) الذي تستمد القوات المسلحة العربية الليبية منه شرعيتها، وبذلك تكون نجحت في تعزيز وجودها العسكري من جانب، ووجودها السياسي من جانب آخر.

ويرى الباحث السياسي أن الكثير من مليشيات ما يعرف بـ”غرفة عمليات سرت – الجفرة” التابعة لـ”الوفاق”، ولواء الصمود وقوات أسامة جويلي ومليشيات عماد الطرابلس المعين في جهاز المخابرات العامة حديثًا، والمجموعات المسلحة في مصراتة والزاوية والمدن الأخرى “يفكرون في اجتياح الهلال النفطي وسرت وملاحقة الجيش الليبي في الشرق”.

وحذر من أن المليشيات لديها أفكار بعيدة تمامًا عن الحل السلمي، متابعًا: “من المتوقع أن تخرج علينا من حين إلى آخر مليشيا ترفض ما سيُتَوصَّل إليه من توصيات في المغرب أو مصر أو أي مكان آخر”، وأضاف: “هناك محاولة لقطع الطريق على جهود الحل، وإنهاء ما يجري بناؤه في المغرب والقاهرة وجنيف، والانحراف عن السلام، والدخول في مراحل غير طيبة في الفترة المقبل”.

حلم الوصول إلى ليبيا مستقرة وموحدة

حتيتة يضرب مثالاً على فكرته بالإشارة إلى الاستعراض الذي نظمته قيادة “اللواء 128 معزز” التابع للجيش في 18 أكتوبر/تشرين الأول الحالي للوحدات والآليات والأسلحة والأفراد المتمركزين في الجفرة وسط ليبيا، حيث بلغ عدد المشاركين في الاستعراض نحو ألفي جندي و450 آلية.

ويلفت إلى أن تركيا تسببت في عرقلة جهود توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية الليبية، ويوضح حتيتة كيف سارت مصر خطوات واسعة في هذا الملف، ونجحت في تحقيق نتائج طيبة، وفتحت قناتين للاتصال بين الشرق والغرب، لكن “الضغوط” الإقليمية والدولية، واستمرار السلاح في أيدي “المليشياويين” أضر بتلك العملية، مختتمًا بالإشارة إلى أن النقاش في هذا السياق تراجع إلى الخلف كثيرًا، ليتجه الحديث إلى تبادل إطلاق المعتقلين ووقف إطلاق النار.

الانسحاب مسألة وقت

من جانبه، يرى عضو مجلس النواب الليبي، إبراهيم الدرسي، أن انسحاب الأتراك والسوريين من ليبيا أصبح مسألة وقت، بعد التوصل إلى هذا الاتفاق “المفاجئ”، بحسب وصفه، مشيرًا إلى أن التحدي الأكبر هو المليشيات المسلحة في مصراتة وزليتن وطرابلس والزاوية، لافتًا إلى أن تركيا حاولت إفساد المشهد السياسي الليبي بإفساد الحوار الليبي- الليبي، وسط صمت المجتمع الدولي على تدخلها السافر في ليبيا.

وشدد الدرسي على أن مبادرة رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح، التي تهدف إلى تحويل مدينة سرت العاصمة التنفيذية والتشريعية (المؤقتة) لليبيا ستسحب البساط من تحت أقدام المليشيات، مشيرًا إلى أن الترتيبات الأمنية وخروج المليشيات كانت هي المشكلة الرئيسة التي أفسدت اتفاق الصخيرات.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

السيد نجم

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram